Terjemah Tafsir Al-Manar Surah Al-Fatihah
Nama kitab: Tafsir Al-Manar
Judul kitab asal: Tafsir Al-Manar (تفسير القرآن الحكيم الشهير باسم تفسير المنار)
Nama penulis: Rasyid Ridha
Nama lengkap: Sayyid Muhammad Rasyid bin Ali Ridha bin Syamsuddin bin Baha'uddin Al-Qalmuni Al-Husaini (bahasa Arab: سيد محمد رشيد رضا الحسيني).
Lahir: Mesir, 23 September 1865 M (atau 17 Oktober 1865 M
Wafat: Kairo, Mesir 22 Agustus 1935 M (23 Jumadil Ula 1354 H),
Penerjemah ke Bahasa Indonesia:
Bidang studi: Tafsir al Quran
Daftar Isi
- Teks Arab
- Kembali ke: Tafsir Al-Manar
(بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ.
لَا أَذْكُرُ مَا قَالَهُ الْأُسْتَاذُ الْإِمَامُ فِي الْبَسْمَلَةِ، مِنْ حَيْثُ لَفَظُهَا وَإِعْرَابُهَا، وَهَلْ هِيَ آيَةٌ أَوْ جُزْءُ آيَةٍ مِنَ الْفَاتِحَةِ أَوْ لَيْسَتْ مِنْهَا؟ فَإِنَّ الْخِلَافَ فِي ذَلِكَ مَشْهُورٌ، وَقَدِ اخْتَصَرَ الْأُسْتَاذُ الْقَوْلَ فِيهِ اخْتِصَارًا وَقَالَ: إِنَّهَا عَلَى كُلِّ حَالٍ مِنَ الْقُرْآنِ فَنَتَكَلَّمَ عَلَيْهَا كَسَائِرِ الْآيَاتِ.
وَأَقُولُ الْآنَ: أَجْمَعَ الْمُسْلِمُونَ عَلَى أَنَّ الْبَسْمَلَةَ مِنَ الْقُرْآنِ وَأَنَّهَا جُزْءُ آيَةٍ مِنْ سُورَةِ النَّمْلِ. وَاخْتَلَفُوا فِي مَكَانِهَا مِنْ سَائِرِ السُّوَرِ، فَذَهَبَ إِلَى أَنَّهَا آيَةٌ مَنْ كُلِّ سُورَةٍ عُلَمَاءُ السَّلَفِ مِنْ أَهْلِ مَكَّةَ فُقَهَائِهِمْ وَقُرَّائِهِمْ وَمِنْهُمُ ابْنُ كَثِيرٍ، وَأَهْلُ الْكُوفَةِ وَمِنْهُمْ عَاصِمٌ وَالْكِسَائِيُّ مِنَ الْقُرَّاءِ، وَبَعْضُ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعَيْنِ مِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ، وَالشَّافِعِيُّ فِي الْجَدِيدِ وَأَتْبَاعُهُ، وَالثَّوْرِيُّ وَأَحْمَدُ فِي أَحَدِ قَوْلَيْهِ، وَالْإِمَامِيَّةُ، وَمِنَ الْمَرْوِيِّ عَنْهُمْ ذَلِكَ مِنْ عُلَمَاءِ الصَّحَابَةِ: عَلِيٌّ وَابْنُ عَبَّاسٍ وَابْنُ عُمَرَ وَأَبُو هُرَيْرَةَ، وَمِنْ عُلَمَاءِ التَّابِعِينَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، وَعَطَاءٌ، وَالزُّهْرِيُّ، وَابْنُ الْمُبَارَكِ، وَأَقْوَى حُجَجِهِمْ فِي ذَلِكَ إِجْمَاعُ الصَّحَابَةِ وَمَنْ بَعْدَهُمْ عَلَى إِثْبَاتِهَا فِي الْمُصْحَفِ أَوَّلَ كُلِّ سُورَةٍ سِوَى سُورَةِ بَرَاءَةَ (التَّوْبَةِ) مَعَ الْأَمْرِ بِتَجْرِيدِ الْقُرْآنِ عَنْ كُلِّ مَا لَيْسَ مِنْهُ، وَلِذَلِكَ لَمْ يَكْتُبُوا (آمِينَ) فِي آخِرِ الْفَاتِحَةِ، وَأَحَادِيثُ مِنْهَا مَا أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ فِي صَحِيحِهِ مِنْ حَدِيثِ أَنَسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "أُنْزِلَتْ عَلَيَّ آنِفًا سُورَةٌ فَقَرَأَ:"
بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ "وَرَوَى أَبُو دَاوُدَ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ" أَنَّ رَسُولَ اللهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ لَا يَعْرِفُ فَصْلَ السُّورَةِ - وَفِي رِوَايَةٍ انْقِضَاءَ السُّورَةِ - حَتَّى يَنْزِلَ عَلَيْهِ بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ "."
وَأَخْرَجَهُ الْحَاكِمُ فِي الْمُسْتَدْرَكِ، وَقَالَ صَحِيحٌ عَلَى شَرْطِ الشَّيْخَيْنِ. وَرَوَى الدَّارَقُطْنِيُّ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: "قَالَ رَسُولُ اللهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: إِذَا قَرَأْتُمُ الْحَمْدُ لِلَّهِ (أَيْ سُورَةَ" الْحَمْدُ لِلَّهِ ") فَاقْرَأُوا (بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ) فَإِنَّهَا أُمُّ الْقُرْآنِ وَالسَّبْعُ الْمَثَانِي، وَبِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ إِحْدَى"
آيَاتِهَا "وَذَهَبَ مَالِكٌ وَغَيْرُهُ مِنْ عُلَمَاءِ الْمَدِينَةِ، وَالْأَوْزَاعِيُّ وَغَيْرُهُ مِنْ عُلَمَاءِ الشَّامِ، وَأَبُو عَمْرٍو وَيَعْقُوبُ مِنْ قُرَّاءِ الْبَصْرَةِ إِلَى أَنَّهَا آيَةٌ مُفْرَدَةٌ أُنْزِلَتْ لِبَيَانِ رُءُوسِ السُّورِ وَالْفَصْلِ بَيْنَهَا، وَعَلَيْهِ الْحَنَفِيَّةُ، وَقَالَ حَمْزَةُ مِنْ قُرَّاءِ الْكُوفَةِ وَرُوِيَ عَنْ أَحْمَدَ: أَنَّهَا آيَةٌ مِنَ الْفَاتِحَةِ دُونَ غَيْرِهَا، وَثَمَّةَ أَقْوَالٌ أُخْرَى شَاذَّةٌ."
هَذَا - وَقَدْ قَالَ الْأُسْتَاذُ الْإِمَامُ: الْقُرْآنُ إِمَامُنَا وَقُدْوَتُنَا، فَافْتِتَاحُهُ بِهَذِهِ الْكَلِمَةِ إِرْشَادٌ لَنَا بِأَنْ نَفْتَتِحَ أَعْمَالَنَا بِهَا فَمَا مَعْنَى هَذَا؟ لَيْسَ مَعْنَاهُ أَنْ نَفْتَتِحَ أَعْمَالَنَا بِاسْمٍ مِنْ أَسْمَاءِ اللهِ تَعَالَى بِأَنْ نَذْكُرَهُ عَلَى سَبِيلِ التَّبَرُّكِ أَوِ الِاسْتِعَانَةِ بِهِ، بَلْ أَنْ نَقُولَ هَذِهِ الْعِبَارَةَ:
(بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ) فَإِنَّهَا مَطْلُوبَةٌ لِذَاتِهَا.
أَقُولُ الْآنَ: الِاسْمُ هُوَ اللَّفْظُ الَّذِي يَدُلُّ عَلَى ذَاتٍ مِنَ الذَّوَاتِ كَحَجَرٍ وَخَشَبٍ وَزَيْدٍ، أَوْ مَعْنًى مِنَ الْمَعَانِي كَالْعِلْمِ وَالْفَرَحِ. وَقَالَ ابْنُ سِيدَهْ: هُوَ اللَّفْظُ الْمَوْضُوعُ عَلَى الْجَوْهَرِ أَوِ الْعَرَضِ. وَقَالَ الرَّاغِبُ: الِاسْمُ مَا يُعْرَفُ بِهِ ذَاتُ الشَّيْءِ وَأَصْلُهُ. وَقَالَ كَثِيرُونَ: إِنَّهُ مُشْتَقٌّ مِنَ السُّمُوِّ، وَإِنَّ أَصْلَهُ سَمَوَ؛ لِأَنَّ تَصْغِيرَهُ سُمَيٌّ وَجَمْعَهُ أَسْمَاءٌ.
وَالسُّمُوُّ: الْعُلُوُّ، كَأَنَّ الِاسْمَ يَعْلُو مُسَمَّاهُ بِكَوْنِهِ عُنْوَانًا لَهُ وَدَلِيلًا عَلَيْهِ. وَقَالَ آخَرُونَ: إِنَّهُ مِنَ السِّمَةِ، وَهِيَ الْعَلَامَةُ، وَأَصْلُهُ وَسَمَ. وَقَالَ بَعْضُ الْبَاحِثِينَ فِي الْكَلَامِ وَالْفَلْسَفَةِ: إِنَّ الِاسْمَ يُطْلَقُ عَلَى نَفْسِ الذَّاتِ وَالْحَقِيقَةِ وَالْوُجُودِ وَالْعَيْنِ - وَهِيَ عِنْدُهُمْ أَسْمَاءٌ مُتَرَادِفَةٌ - وَهَذَا الْقَوْلُ لَيْسَ مِنَ اللُّغَةِ فِي شَيْءٍ، وَلَا هُوَ مِنَ الْفَلْسَفَةِ النَّافِعَةِ، بَلْ مِنَ الْفَلْسَفَةِ الضَّارَّةِ، وَإِنْ قَالَ الْأُلُوسِيُّ بَعْدَ نَقْلِهِ عَنِ ابْنِ فَوْرِكَ وَالسُّهَيْلِيِّ: "وَمِمَّنْ يَعَضُّ عَلَيْهِ بِالنَّوَاجِذِ" بَلْ لَا يَنْبَغِي أَنْ يُذْكَرَ مِثْلُ هَذَا الْقَوْلِ إِلَّا لِأَجْلِ النَّهْيِ عَنْ إِضَاعَةِ الْوَقْتِ فِي قِرَاءَةِ مَا بُنِيَ عَلَيْهِ مِنَ السَّفْسَطَةِ فِي إِثْبَاتِ قَوْلِ الْقَائِلِينَ: إِنَّ
الِاسْمَ عَيْنُ الْمُسَمَّى. وَقَدْ كَتَبُوا لَغْوًا كَثِيرًا فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ، وَقَلَّمَا تَرَى أَحَدًا رَضِيَ كَلَامَ غَيْرِهِ فِيهَا، وَلَكِنْ قَدْ يُرْضِيهِ كَلَامُ نَفْسِهِ الَّذِي يُؤَيِّدُ بِهِ مَا لَمْ يَفْهَمْهُ مِنْ كَلَامِ غَيْرِهِ.
وَالْحُقُّ أَنَّ الِاسْمَ: هُوَ اللَّفْظُ الَّذِي يَنْطِقُ بِهِ لِسَانُكَ وَيَكْتُبُهُ قَلَمُكَ، كَقَوْلِكَ: الشَّمْسُ أَوْ زَيْدٌ أَوْ مَكَّةُ. وَالْمُسَمَّى: هُوَ الْكَوْكَبُ الْمَعْرُوفُ أَوِ الشَّخْصُ الْمُعَيَّنُ أَوِ الْبَلَدُ الْمُحَدَّدُ، وَقَدْ يَكُونُ بَعِيدًا عَنْكَ عِنْدَ إِطْلَاقِ الِاسْمِ. وَلَفْظُ "اسْمِ" اسْمٌ لِهَذَا النَّوْعِ مِنَ اللَّفْظِ الَّذِي يَدُلُّ عَلَى الْجَوَاهِرِ وَالْأَعْرَاضِ، دُونَ الْأَحْدَاثِ الَّتِي تُسَمَّى فِي النَّحْوِ أَفْعَالًا. وَمَدْلُولُهُ مِثْلُ مَدْلُولِ لَفْظِ إِنْسَانٍ يُطْلَقُ عَلَى أَفْرَادٍ كَثِيرَةٍ كَلَفْظِ "الشَّمْسِ" الَّذِي تَنْطِقُ بِهِ وَتَكْتُبُهُ، وَلَفْظِ "زَيْدٍ" وَلَفْظِ "مَكَّةَ" ، وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ أَسْمَاءِ الْمَوْجُودَاتِ. فَالِاسْمُ غَيْرُ الْمُسَمَّى فِي اللُّغَةِ، وَقَدْ أَخْطَأَ مَنْ نَسَبَ إِلَى سِيبَوَيْهِ غَيْرَ هَذَا كَمَا قَالَ ابْنُ الْقَيِّمِ، بَلْ قَالَ فِي كِتَابِهِ (بَدَائِعِ الْفَوَائِدِ) : مَا قَالَ نَحْوِيٌّ قَطُّ وَلَا عَرَبِيٌّ إِنَّ الِاسْمَ عَيْنُ الْمُسَمَّى، وَذَكَرَ بَعْضَ مَنْ قَالَ بِاتِّحَادِ الِاسْمِ وَالْمُسَمَّى بِالتَّسْمِيَةِ وَبَيَّنَ الْخَطَأَ فِي ذَلِكَ. وَأَنَّ مَعْنَى "(سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى" سَبِّحْ رَبَّكَ ذَاكِرًا اسْمَهُ الْأَعْلَى، وَمَعْنَى "سَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ" سَبِّحْهُ نَاطِقًا بِاسْمِهِ الْعَظِيمِ.
وَمَنْشَأُ الِاشْتِبَاهِ عِنْدَ بَعْضِهِمْ أَنَّ اللهَ تَعَالَى أَمَرَنَا بِذِكْرِهِ وَتَسْبِيحِهِ فِي آيَاتٍ، وَبِذِكْرِ اسْمِهِ وَتَسْبِيحِ اسْمِهِ فِي آيَاتٍ أُخْرَى، فَقَالَ تَعَالَى: (وَاذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ وَتَبَتَّلْ إِلَيْهِ تَبْتِيلًا) (73: 89) (وَاذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ بُكْرَةً وَأَصِيلًا) (76: 25) (وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللهِ كَثِيرًا) (22: 40) (فَكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللهِ عَلَيْهِ إِنْ كُنْتُمْ بِآيَاتِهِ مُؤْمِنِينَ) (6: 118) (وَمَا لَكُمْ أَلَّا تَأْكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللهِ عَلَيْهِ) (6: 119) (فَاذْكُرُوا اسْمَ اللهِ عَلَيْهَا صَوَافَّ) (22: 36) أَيِ الْبُدْنِ عِنْدَ نَحْرِهَا، وَقَالَ تَعَالَى: (يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللهَ ذِكْرًا كَثِيرًا وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا) (33: 41 - 42) . (فَاذْكُرُوا اللهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ وَاذْكُرُوهُ كَمَا هَدَاكُمْ) (2: 198) . (فَاذْكُرُوا اللهَ كَذِكْرِكُمْ آبَاءَكُمْ أَوْ أَشَدَّ ذِكْرًا 2) (: 200) . (الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ) (3: 191) . (فَإِذَا قَضَيْتُمُ الصَّلَاةَ فَاذْكُرُوا اللهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِكُمْ) (4: 103) . وَقَالَ تَعَالَى فِي التَّسْبِيحِ: (إِنَّ الَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ
وَيُسَبِّحُونَهُ وَلَهُ يَسْجُدُونَ) (7: 206) أَيْ يُسَبِّحُونَ رَبَّكَ فَعَدَّى التَّسْبِيحَ بِنَفْسِهِ إِلَى ضَمِيرِ الرَّبِّ كَمَا عَدَّاهُ بِنَفْسِهِ إِلَى اسْمِ الرَّبِّ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: (سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى) (87: 1) وَبِالْبَاءِ فِي قَوْلِهِ: (فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ) (56: 74، 96) . وَقَالَ (سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ) (57: 1) وَمِثْلُهُ كَثِيرٌ. وَقَالَ تَعَالَى: (فَتَبَارَكَ اللهُ) (23: 14) . (تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ) (25: 1) كَمَا قَالَ: (تَبَارَكَ اسْمُ رَبِّكَ) (55: 78) .
رَأَى بَعْضُهُمْ أَنْ يَجْمَعَ بَيْنَ هَذِهِ الْآيَاتِ بِجَعْلِ الِاسْمِ عَيْنَ الْمُسَمَّى، وَأَنَّ ذِكْرَ اللهِ وَذِكْرَ اسْمِهِ وَتَسْبِيحَهُ وَتَسْبِيحَ اسْمِهِ وَاحِدٌ؛ لِأَنَّ اسْمَهُ عَيْنُ ذَاتِهِ، وَأَنَّ هَذَا خَيْرٌ مِنَ الْقَوْلِ بِأَنَّ لَفْظَ "اسْمٍ" مُقْحَمٌ زَائِدٌ. وَالصَّوَابُ أَنَّ الذِّكْرَ فِي اللُّغَةِ ضِدَّ النِّسْيَانِ، وَهُوَ ذِكْرُ الْقَلْبِ، وَلِذَلِكَ قَرَنَهُ بِالتَّفَكُّرِ فِي سُورَةِ آلِ عِمْرَانَ (3: 191) وَهُمَا عِبَادَتَانِ قَلْبِيَّتَانِ، وَقَالَ: (وَاذْكُرْ رَبَّكَ إِذَا نَسِيتَ) (18: 24) وَيُطْلَقُ الذِّكْرُ أَيْضًا عَلَى النُّطْقِ بِاللِّسَانِ؛ لِأَنَّهُ دَلِيلٌ عَلَى ذِكْرِ الْقَلْبِ وَعُنْوَانٌ وَسَبَبٌ لَهُ، وَإِنَّمَا يَذْكُرُ اللِّسَانُ اسْمَ اللهِ تَعَالَى كَمَا يَذْكُرُ مِنْ كُلِّ الْأَشْيَاءِ أَسْمَاءَهَا، دُونَ ذَوَاتِ مُسَمَّيَاتِهَا، فَإِذَا قَالَ: "نَارٌ" لَا يَقَعُ جِسْمُ النَّارِ عَلَى لِسَانِهِ فَيُحْرِقُهُ، وَإِذَا قَالَ الظَّمْآنُ: "مَاءٌ" لَا يَحْصُلُ مُسَمَّى هَذَا اللَّفْظِ فِي فِيهِ فَيَنْقَعُ غُلَّتَهُ، فَذِكْرُ اللهِ تَعَالَى فِي الْقَلْبِ هُوَ تَذَكُّرُ عَظَمَتِهِ وَجَلَالِهِ وَجَمَالِهِ وَنِعَمِهِ، وَوَرَدَ التَّصْرِيحُ بِالْأَمْرِ بِذِكْرِ نِعْمَةِ اللهِ وَآلَاءِ اللهِ. وَذِكْرُهُ بِاللِّسَانِ هُوَ ذِكْرُ أَسْمَائِهِ الْحُسْنَى وَإِسْنَادُ الْحَمْدِ وَالشُّكْرِ وَالثَّنَاءِ إِلَيْهَا، وَكَذَلِكَ تَسْبِيحُهُ تَعَالَى، فَالْقَلْبُ يُسَبِّحُهُ بِاعْتِقَادِ كَمَالِهِ وَتَذَكُّرِ تَنْزِيهِهِ عَمَّا لَا يَلِيقُ بِهِ، وَاللِّسَانُ يُسَبِّحُهُ بِإِضَافَةِ التَّسْبِيحِ إِلَى أَسْمَائِهِ مِنْ غَيْرِ ذِكْرٍ لِلَفْظِ الِاسْمِ. رَوَى أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُدَ وَابْنُ مَاجَهْ وَالْحَاكِمُ فِي "مُسْتَدْرَكِهِ" وَابْنُ حِبَّانَ فِي "صَحِيحِهِ" عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ قَالَ: لَمَّا نَزَلَتْ (فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ "قَالَ لَنَا رَسُولُ اللهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:" اجْعَلُوهَا فِي رُكُوعِكُمْ "فَلَمَّا نَزَلَتْ (سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى" قَالَ: "اجْعَلُوهَا فِي سُجُودِكُمْ" وَالْمُرَادُ أَنْ يَقُولُوا: "سُبْحَانَ رَبِّيَ الْعَظِيمِ" لَا ""
سُبْحَانَ اسْمِ رَبِّيَ الْعَظِيمِ "فَقَدْ رَوَى أَحْمَدُ وَأَصْحَابُ السُّنَنِ الْأَرْبَعَةُ وَصَحَّحَهُ التِّرْمِذِيُّ عَنْ حُذَيْفَةَ قَالَ: صَلَّيْتُ مَعَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَكَانَ يَقُولُ فِي رُكُوعِهِ:" سُبْحَانَ رَبِّيَ الْعَظِيمِ "وَفِي سُجُودِهِ" سُبْحَانَ رَبِّيَ الْأَعْلَى ". وَلِهَذَا وَرَدَ فِي الْكَلَامِ عَنِ الذَّبَائِحِ ذِكْرُ اسْمِ اللهِ عَلَيْهَا" (فَكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللهِ عَلَيْهِ "وَتَقَدَّمَ آنِفًا"
ذِكْرُ عِدَّةِ آيَاتٍ فِي هَذَا - فَعُلِمَ مِنْ هَذَا التَّحْقِيقِ: أَنَّ الِاسْمَ غَيْرُ الْمُسَمَّى، وَأَنَّ ذِكْرَ الِاسْمِ مَشْرُوعٌ، وَذِكْرَ الْمُسَمَّى مَشْرُوعٌ. وَالْفَرْقُ بَيْنَهُمَا ظَاهِرٌ كَالصُّبْحِ، وَكَذَلِكَ التَّسْبِيحُ وَالتَّبَارُكُ، فَكَمَا يُعَظَّمُ اللهُ يُعَظَّمُ اسْمُهُ الْكَرِيمُ، فَيُذْكَرُ مَقْرُونًا بِالْحَمْدِ وَالشُّكْرِ وَالثَّنَاءِ وَالتَّقْدِيسِ. وَقَدْ صَرَّحُوا بِأَنَّ تَعَمُّدَ إِهَانَةِ أَسْمَاءِ اللهِ تَعَالَى فِي اللَّفْظِ وَالْكِتَابَةِ كُفْرٌ؛ لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُ أَنْ يَأْتِيَ مِنْ مُؤْمِنٍ. اهـ. مَا زِدْتُهُ الْآنَ.
وَقَالَ الْأُسْتَاذُ الْإِمَامُ مَا مَعْنَاهُ عِنْدَمَا تَقُولُ: إِنَّنِي أَذْكُرُ اسْمَ اللهِ تَعَالَى كَالْعَزِيزِ وَالْحَكِيمِ، لَا تَعْنِي أَنَّكَ تَذْكُرُ لَفْظَ "اسْمٍ" فَلَوْ كَانَ قَوْلُهُمْ: إِنَّ الْمُرَادَ مِنَ الِابْتِدَاءِ بِالْكَلِمَةِ "بِسْمِ اللهِ" التَّبَرُّكُ بِاسْمِ اللهِ هُوَ الصَّوَابُ لَكَانَ يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ قَوْلُكَ: "بِاللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ" مِثْلَ "(بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ" وَقَوْلُهُ تَعَالَى: "(بِسْمِ اللهِ مَجْرَاهَا وَمُرْسَاهَا" وَقَدْ قَالَ بَعْضُهُمْ: إِنَّ الْإِضَافَةَ هَاهُنَا لِلْبَيَانِ، أَيْ أَفْتَتِحُ كَلَامِي بِسْمِ اللهِ، وَلَكِنْ يَقْتَضِي أَنْ يَكُونَ لَفْظُ "الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ" وَارِدًا عَلَى اللَّفْظِ وَهُوَ غَيْرُ صَحِيحٍ. وَإِرَادَةُ أَنَّ الْأَسْمَاءَ الثَّلَاثَةَ هِيَ الْمُبَيِّنَةُ لِلَفْظِ الِاسْمِ تَمَحُّلٌ ظَاهِرٌ، فَمَا الْمَقْصُودُ إِذًا مِنْ هَذَا التَّعْبِيرِ؟
مِثْلُ هَذَا التَّعْبِيرِ مَأْلُوفٌ عِنْدَ جَمِيعِ الْأُمَمِ، وَمِنْهُمُ الْعَرَبُ، وَهُوَ أَنَّ الْوَاحِدَ مِنْهُمْ إِذَا أَرَادَ أَنْ يَفْعَلَ أَمْرًا مَا لِأَجْلِ أَمِيرٍ أَوْ عَظِيمٍ بِحَيْثُ يَكُونُ مُتَجَرِّدًا مِنْ نِسْبَتِهِ إِلَيْهِ وَمُنْسَلِخًا عَنْهُ، يَقُولُ: أَعْمَلُهُ بِاسْمِ فُلَانٍ، وَيَذْكُرُ اسْمَ ذَلِكَ الْأَمِيرِ أَوِ السُّلْطَانِ؛ لِأَنَّ اسْمَ الشَّيْءِ دَلِيلٌ وَعُنْوَانٌ عَلَيْهِ، فَإِذَا كُنْتُ أَعْمَلُ عَمَلًا لَا يَكُونُ لَهُ وُجُودٌ وَلَا أَثَرٌ، لَوْلَا السُّلْطَانُ الَّذِي بِهِ أَمَرَ، أَقُولُ إِنَّ عَمَلِي هَذَا بَاسِمِ السُّلْطَانِ أَيْ إِنَّهُ مُعَنْوَنٌ بِاسْمِهِ وَلَوْلَاهُ لَمَا عَمِلْتُهُ. فَمَعْنَى أَبْتَدِئُ عَمَلِي (بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ) أَنَّنِي أَعْمَلُهُ بِأَمْرِهِ وَلَهُ لَا لِي، وَلَا أَعْمَلُهُ بِاسْمِي مُسْتَقِلًّا بِهِ عَلَى أَنَّنِي فُلَانٌ. فَكَأَنِّي أَقُولُ: إِنَّ هَذَا الْعَمَلَ لِلَّهِ لَا لِحَظِّ نَفْسِي. وَفِيهِ وَجْهٌ آخَرُ وَهُوَ: أَنَّ الْقُدْرَةَ الَّتِي أَنْشَأْتُ بِهَا الْعَمَلَ هِيَ مِنَ اللهِ تَعَالَى، فَلَوْلَا مَا مَنَحَنِي مِنْهَا لَمْ أَعْمَلْ شَيْئًا، فَلَمْ يَصْدُرْ عَنِّي هَذَا الْعَمَلُ إِلَّا بِاسْمِ اللهِ وَلَمْ يَكُنْ بِاسْمِي، إِذْ لَوْلَا مَا آتَانِي مِنَ الْقُوَّةِ عَلَيْهِ لَمْ أَسْتَطِعْ أَنْ آتِيَهُ.
وَقَدْ تَمَّ هَذَا الْمَعْنَى بِلَفْظِ (الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ) كَمَا هُوَ ظَاهِرٌ. وَحَاصِلُ الْمَعْنَى أَنَّنِي أَعْمَلُ عَمَلِي مُتَبَرِّئًا مِنْ أَنْ يَكُونَ بِاسْمِي، بَلْ هُوَ بِاسْمِهِ تَعَالَى، لِأَنَّنِي اسْتَمَدُّ الْقُوَّةَ وَالْعِنَايَةَ مِنْهُ وَأَرْجُو إِحْسَانَهُ
عَلَيْهِ، فَلَوْلَاهُ لَمْ أَقْدِرْ عَلَيْهِ وَلَمْ أَعْمَلْهُ، بَلْ وَمَا كُنْتُ عَامِلًا لَهُ عَلَى تَقْدِيرِ الْقُدْرَةِ عَلَيْهِ، لَوْلَا أَمْرُهُ وَرَجَاءُ فَضْلِهِ، فَلَفْظُ الِاسْمِ مَعْنَاهُ مُرَادٌ، وَمَعْنَى لَفْظِ الْجَلَالَةِ مُرَادٌ أَيْضًا، وَكَذَلِكَ كُلٌّ مِنْ لَفْظِ (الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ. وَهَذَا الِاسْتِعْمَالُ مَعْرُوفٌ مَأْلُوفٌ فِي كُلِّ اللُّغَاتِ. وَأَقْرَبَهُ إِلَيْكُمُ الْيَوْمَ مَا تَرَوْنَهُ فِي الْمَحَاكِمِ النِّظَامِيَّةِ حَيْثُ يَبْتَدِئُونَ الْأَحْكَامَ قَوْلًا وَكِتَابَةً بِاسْمِ السُّلْطَانِ فُلَانٍ أَوِ الْخِدَيْوِي فُلَانٍ.
وَمَعْنَى الْبَسْمَلَةِ فِي الْفَاتِحَةِ أَنَّ جَمِيعَ مَا يُقَرَّرُ فِي الْقُرْآنِ مِنَ الْأَحْكَامِ وَالْآيَاتِ وَغَيْرِهَا هُوَ لِلَّهِ وَمِنْهُ، لَيْسَ لِأَحَدٍ غَيْرِ اللهِ فِيهِ شَيْءٌ اهـ.
أَقُولُ: هَذَا صَفْوَةُ مَا قَرَّرَهُ فِي مُتَعَلِّقِ "(بِسْمِ اللهِ" وَمَعْنَاهَا، وَهَاهُنَا نَظَرٌ آخَرُ فِيهِ، وَهُوَ أَنَّ الْقُرْآنَ كَانَ وَحْيًا يُلْقِيهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ فِي قَلْبِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَكُلُّ سُورَةٍ مِنْهُ مُبْتَدَأَةٌ بِبَسْمَلَةٍ، فَمُتَعَلِّقُ الْبَسْمَلَةِ مِنْ مَلَكِ الْوَحْيِ تَعَلَّمَ مَنْ أَوَّلِ آيَةٍ نَزَلَ بِهَا وَهِيَ قَوْلُهُ تَعَالَى: "(اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ" فَمَعْنَى الْبَسْمَلَةِ الَّذِي كَانَ يَفْهَمُهُ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنْ رُوحِ الْوَحْيِ: اقْرَأْ يَا مُحَمَّدُ هَذِهِ السُّورَةَ (بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ عَلَى عِبَادِهِ، أَيِ اقْرَأْهَا عَلَى أَنَّهَا مِنْهُ تَعَالَى لَا مِنْكَ، فَإِنَّهُ بِرَحْمَتِهِ بِهِمْ أَنْزَلَهَا عَلَيْكَ لِتَهْدِيَهُمْ بِهَا إِلَى مَا فِيهِ الْخَيْرُ لَهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ. وَعَلَى هَذَا كَانَ يَقْصِدُ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنْ مُتَعَلِّقِ الْبَسْمَلَةِ أَنَّنِي أَقْرَأُ السُّورَةَ عَلَيْكُمْ أَيُّهَا النَّاسُ بِاسْمِ اللهِ لَا بَاسِمِي، وَعَلَى أَنَّهَا مِنْهُ لَا مِنِّي، فَإِنَّمَا أَنَا مُبَلِّغٌ عَنْهُ - عَزَّ وَجَلَّ - (وَأُمِرْتُ لِأَنْ أَكُونَ أَوَّلَ الْمُسْلِمِينَ) (39: 12) . (وَأَنْ أَتْلُوَ الْقُرْآنَ) (2: 92) إِلَخْ.
اخْتَصَرَ الْأُسْتَاذُ الْإِمَامُ فِي الْكَلَامِ عَلَى لَفْظَ اسْمٍ وَلَفْظِ الْجَلَالَةِ؛ لِأَنَّ الْكَلَامَ فِيهِمَا مَشْهُورٌ. وَقَدْ تَكَلَّمْنَا عَلَى اللَّفْظِ الْأَوَّلِ، وَهَاكَ جُمْلَةً صَالِحَةً فِي اللَّفْظِ الْآخَرِ الْعَظِيمِ:
لَفْظُ الْجَلَالَةِ (اللهُ) عَلَمٌ عَلَى ذَاتِ وَاجِبِ الْوُجُودِ، قَالَ ابْنُ مَالِكٍ: وُضِعَ مُعَرَّفًا، وَقِيلَ: أَصْلُهُ "إِلَهٌ" فَحُذِفَتْ هَمْزَتُهُ وَأُدْخِلَتْ عَلَيْهِ الْأَلِفُ وَاللَّامُ، وَقِيلَ: أَصْلُهُ الْإِلَهُ، وَالْإِلَهُ فِي اللُّغَةِ: يُطْلَقُ عَلَى كُلِّ مَعْبُودٍ، وَلِذَلِكَ جَمَعُوهُ عَلَى آلِهَةٍ، وَمَا كُلُّ مَعْبُودٍ سَمَّوْهُ إِلَهًا يُطْلِقُونَ عَلَيْهِ اسْمَ (اللهِ) فَإِنَّ هَذَا الِاسْمَ الْكَرِيمَ كَانَ خَاصًّا فِي لُغَتِهِمْ بِخَالِقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَكُلِّ شَيْءٍ. فَالتَّعْرِيفُ فِيهِ خَصَّصَهُ بِالْوَاحِدِ الْفَرْدِ الْكَامِلِ، كَمَا جَعَلُوا لَفْظَ "النَّجْمِ" بِالتَّعْرِيفِ خَاصًّا بِالثُّرَيَّا. فَكَانَ الْعَرَبِيُّ فِي الْجَاهِلِيَّةِ إِذَا سُئِلَ مَنْ خَلَقَكَ أَوْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ؟ يَقُولُ: "اللهُ" وَإِذَا سُئِلَ عَنْ بَعْضِ
آلِهَتِهِمْ: هَلْ خَلَقَتِ اللَّاتُ وَالْعُزَّى شَيْئًا مِنْ هَذِهِ الْمَوْجُودَاتِ؟ يَقُولُ: "لَا" وَقَدِ احْتَجَّ الْقُرْآنُ عَلَيْهِمْ بِاعْتِقَادِهِمْ هَذَا كَمَا يَأْتِي فِي مَحَلِّهِ. وَإِنَّمَا كَانُوا يَتَوَسَّلُونَ بِهَا إِلَى اللهِ وَيَعْتَقِدُونَ شَفَاعَتَهَا عِنْدَهُ.
قَالَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ: إِنَّ لَفْظَ "إِلَهٍ" مِنْ أَلِهَ بِمَعْنَى عَبَدَ فَهُوَ بِمَعْنَى مَعْبُودٍ كَكِتَابٍ بِمَعْنَى الْمَكْتُوبِ، يُقَالُ: أَلِهٌ يَأْلَهُ إِلَاهَةً وَأُلُوهَةً وَأُلُوهِيَّةً، كَمَا يُقَالُ عَبَدَ يَعْبُدُ عِبَادَةً وَعُبُودَةً وَعُبُودِيَّةً فَهُوَ صِفَةٌ بِمَعْنَى اسْمِ الْمَفْعُولِ، وَقِيلَ: هُوَ مِنْ أَلِهَ بِمَعْنَى تَحَيَّرَ، وَقِيلَ: مِنْ وَلِهَ بِمَعْنَى تَحَيَّرَ. وَهُوَ إِذَا اسْتَشْكَلَ مِنْ جِهَةِ اللَّفْظِ - لِأَنَّهُ تَعَالَى مُنَزَّهٌ عَنِ الْحَيْرَةِ - يَصِحُّ أَنْ يُقَالَ مِنْ جِهَةِ الْمَعْنَى، وَالْمُرَادُ أَنَّهُ سَبَبُ الْحَيْرَةِ. لِأَنَّ النَّاظِرِينَ إِذَا ارْتَقَوْا فِي سُلَّمِ أَسْبَابِ التَّكْوِينِ يَنْتَهُونَ عِنْدَ دَرَجَةِ الْحَيْرَةِ فِي مَعْرِفَةِ الْمُوجِدِ الْأَوَّلِ الَّذِي هُوَ مَوْجُودٌ بِنَفْسِهِ لَا بِسَبَبٍ وَلَا عِلَّةٍ سَابِقَةٍ عَلَيْهِ، وَبِهِ وُجِدَ كُلُّ مَا عَدَاهُ، لَا يَسْتَطِيعُونَ الْوُصُولَ إِلَى حَقِيقَةِ هَذَا الْمَوْجُودِ الْعَظِيمِ الَّذِي لَا يُعْقَلُ وُجُودُ هَذِهِ
الْكَائِنَاتِ الْمُمْكِنَةِ إِلَّا بِوُجُودِهِ حَتَّى إِنِّ الْمَلَاحِدَةَ الْمَادِّيِّينَ لَمَّا بَحَثُوا فِي أَصْلِ الْمَوْجُودَاتِ، وَارْتَقَوْا إِلَى مَعْرِفَةِ الْبَسَائِطِ الَّتِي تَرَكَّبَتْ مِنْهَا الْكَائِنَاتُ، قَالُوا: إِنَّهُ لَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ لَهَا مَنْشَأٌ وَحْدَهُ مَجْهُولُ الذَّاتِ، ذُو قُوَّةٍ وَحَيَاةٍ.
وَالْحَاصِلُ أَنَّ اسْمَ الْجَلَالَةِ "اللهَ" عَلَمٌ عَلَى ذَاتِ الْبَارِي سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى تَجْرِي عَلَيْهِ الصِّفَاتُ وَلَا يُوَصَفُ بِهِ. وَلَفْظَ "الْإِلَهِ" صِفَةٌ. وَالْجُمْهُورُ عَلَى أَنَّ مَعْنَاهُ الشَّرْعِيَّ: الْمَعْبُودُ بِحَقٍّ، وَلِذَلِكَ أَنْكَرَ الْقُرْآنُ عَلَيْهِمْ تَسْمِيَةَ أَصْنَامِهِمْ آلِهَةً، وَالتَّحْقِيقُ أَنَّهُ أَنْكَرَ عَلَيْهِمْ تَأْلِيهَهَا وَعِبَادَتَهَا، لَا مُجَرَّدَ تَسْمِيَتِهَا، وَقَدْ سَمَّاهَا هُوَ آلِهَةً فِي قَوْلِهِ: (وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ وَلَكِنْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ فَمَا أَغْنَتْ عَنْهُمْ آلِهَتُهُمُ الَّتِي يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللهِ مِنْ شَيْءٍ لَمَّا جَاءَ أَمْرُ رَبِّكَ وَمَا زَادُوهُمْ غَيْرَ تَتْبِيبٍ) (11: 101) وَلَا يَظْهَرُ فِي هَذِهِ الْآيَةِ قَصْدُ الْحِكَايَةِ.
وَمِمَّا يَتَرَتَّبُ عَلَى قَوْلِنَا: أَنَّ لَفْظَ الْجَلَالَةِ (اللهَ) عَلَمٌ يُوصَفُ وَلَا يُوصَفُ بِهِ أَنَّ أَسْمَاءَ اللهِ الْحُسْنَى صِفَاتٌ تَجْرِي عَلَى هَذَا الِاسْمِ الْعَظِيمِ، وَلِكَوْنِهَا صِفَاتٍ وُصِفَتْ بِالْحُسْنَى. قَالَ تَعَالَى: (وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ) (7: 180) وَتُسْنَدُ إِلَيْهِ تَعَالَى أَفْعَالُ هَذِهِ الصِّفَاتِ، وَيُقَالُ: رَحِمَ اللهُ فُلَانًا، وَيَرْحَمُهُ اللهُ، وَاللهَمَّ ارْحَمْ فُلَانًا، وَتُضَافُ إِلَيْهِ مَصَادِرُهَا فَيُقَالُ: رَحْمَةُ اللهِ وَرُبُوبِيَّتُهُ وَمَغْفِرَتُهُ
(إِنَّ رَحْمَةَ اللهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ) (7: 56) وَهَذِهِ الْأَسْمَاءُ الْمُشْتَقَّةُ كُلٌّ مِنْهَا يَدُلُّ عَلَى ذَاتِ اللهِ تَعَالَى وَعَلَى الصِّفَةِ الَّتِي اشْتُقَّ مِنْهَا مَعًا بِالْمُطَابَقَةِ، وَعَلَى الذَّاتِ وَحْدَهَا أَوِ الصِّفَةِ بِالتَّضَمُّنِ، وَلِكُلٍّ مِنْهَا لَوَازِمُ يُدَلُّ عَلَيْهَا بِالِالْتِزَامِ، كَدَلَالَةِ الرَّحْمَنِ عَلَى الْإِحْسَانِ وَالْإِنْعَامِ، وَدَلَالَةِ الْحَكِيمِ عَلَى الْإِتْقَانِ وَالنِّظَامِ، وَدَلَالَةِ الرَّبِّ عَلَى الْبَعْثِ وَالْجَزَاءِ؛ لِأَنَّ الرَّبَّ الْكَامِلَ لَا يَتْرُكُ مَرْبُوبِيهِ سُدًى، وَمَنْ عَرَفَ الْأَسْمَاءَ الْحُسْنَى، وَالصِّفَاتِ الْعُلْيَا، عَرَفَ أَنَّ اسْمَ الْجَلَالَةِ الْأَعْظَمَ (اللهَ) يَدُلُّ عَلَيْهَا كُلِّهَا وَعَلَى لَوَازِمِهَا الْكَمَالِيَّةِ وَعَلَى تَنَزُّهِهِ عَنْ أَضْدَادِهَا السَّلْبِيَّةِ، فَدَلَّ هَذَا الِاسْمُ الْأَعْلَى عَلَى اتِّصَافِ مُسَمَّاهُ بِجَمِيعِ صِفَاتِ الْكَمَالِ، وَتَنَزُّهِهِ عَنْ جَمِيعِ النَّقَائِصِ، فَسُبْحَانَ اللهِ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ وَلَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَاللهُ أَكْبَرُ، اهـ مَا أَحْبَبْتُ زِيَادَتَهُ الْآنَ.
قَالَ الْأُسْتَاذُ الْإِمَامُ مَا مَعْنَاهُ: وَالرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ مُشْتَقَّانِ مِنَ الرَّحْمَةِ وَهِيَ مَعْنَى يُلِمُّ بِالْقَلْبِ فَيَبْعَثُ صَاحِبَهُ وَيَحْمِلُهُ عَلَى الْإِحْسَانِ إِلَى غَيْرِهِ، وَهُوَ مُحَالٌ عَلَى اللهِ تَعَالَى بِالْمَعْنَى الْمَعْرُوفِ عِنْدَ الْبَشَرِ؛ لِأَنَّهُ فِي الْبَشَرِ أَلَمٌ فِي النَّفْسِ شِفَاؤُهُ الْإِحْسَانُ وَاللهُ تَعَالَى مُنَزَّهٌ عَنِ الْآلَامِ وَالِانْفِعَالَاتِ، فَالْمَعْنَى الْمَقْصُودُ بِالنِّسْبَةِ إِلَيْهِ مِنَ الرَّحْمَةِ أَثَرُهَا وَهُوَ الْإِحْسَانُ. وَقَدْ مَشَى الْجَلَالُ فِي تَفْسِيرِهِ وَتَبِعَهُ الصَّبَّانُ عَلَى أَنَّ الرَّحْمَنَ وَالرَّحِيمَ بِمَعْنًى وَاحِدٍ، وَأَنَّ الثَّانِيَ تَأْكِيدٌ لِلْأَوَّلِ. وَمِنَ الْعَجِيبِ أَنْ يَصْدُرَ مِثْلُ هَذَا الْقَوْلِ عَنْ عَالِمٍ مُسْلِمٍ وَمَا هِيَ إِلَّا غَفْلَةٌ نَسْأَلُ اللهَ أَنْ يُسَامِحَ صَاحِبَهَا.
(قَالَ) : وَأَنَا لَا أُجِيزُ لِمُسْلِمٍ أَنْ يَقُولَ فِي نَفْسِهِ أَوْ بِلِسَانِهِ: إِنَّ فِي الْقُرْآنِ كَلِمَةً تُغَايِرُ أُخْرَى، ثُمَّ تَأْتِي لِمُجَرَّدِ تَأْكِيدِ غَيْرِهَا بِدُونِ أَنْ يَكُونَ لَهَا فِي نَفْسِهَا مَعْنًى تَسْتَقِلُّ بِهِ. نَعَمْ قَدْ يَكُونُ فِي مَعْنَى الْكَلِمَةِ مَا يَزِيدُ مَعْنَى الْأُخْرَى تَقْرِيرًا أَوْ إِيضَاحًا، وَلَكِنَّ الَّذِي لَا أُجِيزُهُ هُوَ أَنْ يَكُونَ مَعْنَى الْكَلِمَةِ هُوَ عَيْنُ مَعْنَى الْأُخْرَى بِدُونِ زِيَادَةٍ، ثُمَّ يُؤْتَى بِهَا لِمُجَرَّدِ التَّأْكِيدِ لَا غَيْرَ بِحَيْثُ تَكُونُ مِنْ قَبِيلِ مَا يُسَمَّى بِالْمُتَرَادِفِ فِي عُرْفِ أَهْلِ اللُّغَةِ. فَإِنَّ ذَلِكَ لَا يَقَعُ إِلَّا فِي كَلَامِ مَنْ يَرْمِي فِي لَفْظِهِ إِلَى مُجَرَّدِ التَّنْمِيقِ وَالتَّزْوِيقِ. وَفِي الْعَرَبِيَّةِ طُرُقٌ لِلتَّأْكِيدِ لَيْسَ هَذَا مِنْهَا، وَأَمَّا مَا يُسَمُّونَهُ بِالْحَرْفِ الزَّائِدِ الَّذِي يَأْتِي لِلتَّأْكِيدِ فَهُوَ حَرْفٌ وُضِعَ لِذَلِكَ، وَمَعْنَاهُ هُوَ التَّأْكِيدُ وَلَيْسَ مَعْنَاهُ مَعْنَى الْكَلِمَةِ الَّتِي يُؤَكِّدُهَا، الْبَاءُ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: "(وَكَفَى بِاللهِ شَهِيدًا" تُؤَكِّدُ مَعْنَى اتِّصَالِ الْكِفَايَةِ بِجَانِبِ
اللهِ جَلَّ شَأْنُهُ بِذَاتِهَا وَمَعْنَاهَا الَّذِي وُضِعَتْ لَهُ. وَمَعْنَى وَصْفِهَا بِالزِّيَادَةِ أَنَّهَا كَذَلِكَ فِي الْإِعْرَابِ، وَكَذَلِكَ مَعْنَى "مِنْ" فِي قَوْلِهِ "(وَمَا هُمْ بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللهِ" وَنَحْوُ ذَلِكَ. أَمَّا التَّكْرَارُ لِلتَّأْكِيدِ أَوِ التَّقْرِيعِ أَوِ التَّهْوِيلِ فَأَمْرٌ سَائِغٌ فِي أَبْلَغِ الْكَلَامِ عِنْدَمَا يَظْهَرُ ذَلِكَ الْقَصْدُ مِنْهُ كَتَكْرَارِ جُمْلَةِ "(فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ" وَنَحْوِهَا عَقِبَ ذِكْرِ كُلِّ نِعْمَةٍ، وَهِيَ عِنْدَ التَّأَمُّلِ لَيْسَتْ مُكَرَّرَةً، فَإِنَّ مَعْنَاهَا عِنْدَ ذِكْرِ كُلِّ نِعْمَةٍ: أَفَبِهَذِهِ النِّعْمَةِ تُكَذِّبَانِ. وَهَكَذَا كُلُّ مَا جَاءَ فِي الْقُرْآنِ عَلَى هَذَا النَّحْوِ.
وَالْجُمْهُورُ عَلَى أَنَّ مَعْنَى "الرَّحْمَنِ" الْمُنْعِمُ بِجَلَائِلِ النِّعَمِ، وَمَعْنَى "الرَّحِيمِ" الْمُنْعِمُ بِدَقَائِقِهَا، وَبَعْضُهُمْ يَقُولُ: إِنَّ الرَّحْمَنَ هُوَ الْمُنْعِمُ بِنِعَمٍ عَامَّةٍ تَشْمَلُ الْكَافِرِينَ مَعَ غَيْرِهِمْ، وَالرَّحِيمَ هُوَ الْمُنْعِمُ بِالنِّعَمِ الْخَاصَّةِ بِالْمُؤْمِنِينَ. وَكُلُّ هَذَا تَحَكُّمٌ فِي اللُّغَةِ مَبْنِيٌّ عَلَى أَنَّ زِيَادَةَ الْمَبْنَى تَدُلُّ عَلَى زِيَادَةِ الْمَعْنَى. وَلَكِنَّ الزِّيَادَةَ تَدُلُّ عَلَى زِيَادَةِ الْوَصْفِ مُطْلَقًا، فَصِفَةُ الرَّحْمَنِ تَدُلُّ عَلَى كَثْرَةِ الْإِحْسَانِ الَّذِي يُعْطِيهِ سَوَاءٌ كَانَ جَلِيلًا أَوْ دَقِيقًا. وَأَمَّا كَوْنُ أَفْرَادِ الْإِحْسَانِ الَّذِي يَدُلُّ عَلَيْهَا اللَّفْظُ الْأَكْثَرُ حُرُوفًا أَعْظَمَ مِنْ أَفْرَادِ الْإِحْسَانِ الَّتِي يَدُلُّ عَلَيْهَا اللَّفْظُ الْأَقَلُّ حُرُوفًا فَهُوَ غَيْرُ مَعْنِيٍّ وَلَا مُرَادٍ. وَقَدْ قَارَبَ مَنْ قَالَ: إِنَّ مَعْنَى الرَّحْمَنِ الْمُحْسِنُ بِالْإِحْسَانِ الْعَامِّ، وَلَكِنَّهُ أَخْطَأَ فِي تَخْصِيصِ مَدْلُولِ الرَّحِيمِ بِالْمُؤْمِنِينَ، وَلَعَلَّ الَّذِي حَمَلَ مَنْ قَالَ: إِنَّ الثَّانِيَ مُؤَكِّدٌ لِلْأَوَّلِ عَلَى قَوْلِهِ هَذَا هُوَ عَدَمُ الِاقْتِنَاعِ بِمَا قَالُوهُ مِنَ التَّفْرِقَةِ مَعَ عَدَمِ التَّفَطُّنِ لِمَا هُوَ أَحْسَنُ مِنْهُ.
قَالَ الْأُسْتَاذُ الْإِمَامُ: وَالَّذِي أَقُولُ إِنَّ صِيغَةَ "فَعْلَانَ" تَدُلُّ عَلَى وَصْفِ "فَعْلَى" فِيهِ مَعْنَى الْمُبَالَغَةِ كَفَعَّالٍ وَهُوَ فِي اسْتِعْمَالِ اللُّغَةِ لِلصِّفَاتِ الْعَارِضَةِ كَعَطْشَانَ وَغَرْثَانَ وَغَضْبَانَ، وَأَمَّا صِيغَةُ فَعِيلٍ فَإِنَّهَا تَدُلُّ فِي الِاسْتِعْمَالِ عَلَى الْمَعَانِي الثَّابِتَةِ كَالْأَخْلَاقِ وَالسَّجَايَا فِي النَّاسِ كَعَلِيمٍ وَحَكِيمٍ وَحَلِيمٍ وَجَمِيلٍ. وَالْقُرْآنُ لَا يَخْرُجُ عَنِ الْأُسْلُوبِ الْعَرَبِيِّ الْبَلِيغِ فِي الْحِكَايَةِ عَنْ صِفَاتِ اللهِ - عَزَّ وَجَلَّ - الَّتِي تَعْلُو عَنْ مُمَاثَلَةِ صِفَاتِ الْمَخْلُوقِينَ. فَلَفْظُ الرَّحْمَنِ يَدُلُّ عَلَى مَنْ تَصْدُرُ عَنْهُ آثَارُ الرَّحْمَةِ بِالْفِعْلِ وَهِيَ إِفَاضَةُ النِّعَمِ وَالْإِحْسَانُ، وَلَفْظُ الرَّحِيمِ يَدُلُّ عَلَى مَنْشَأٍ هَذِهِ الرَّحْمَةِ وَالْإِحْسَانِ
وَعَلَى أَنَّهَا مِنَ الصِّفَاتِ الثَّابِتَةِ الْوَاجِبَةِ. وَبِهَذَا الْمَعْنَى لَا يُسْتَغْنَى بِأَحَدِ الْوَصْفَيْنِ عَنِ الْآخَرِ وَلَا يَكُونُ الثَّانِي مُؤَكِّدًا لِلْأَوَّلِ، فَإِذَا سَمِعَ الْعَرَبِيُّ وَصْفَ اللهِ جَلَّ ثَنَاؤُهُ بِالرَّحْمَنِ وَفَهِمَ مِنْهُ أَنَّهُ الْمُفِيضُ لِلنِّعَمِ فِعْلًا لَا يَعْتَقِدُ
مِنْهُ أَنَّ الرَّحْمَةَ مِنَ الصِّفَاتِ الْوَاجِبَةِ لَهُ دَائِمًا. لِأَنَّ الْفِعْلَ قَدْ يَنْقَطِعُ إِذَا لَمْ يَكُنْ عَنْ صِفَةٍ لَازِمَةٍ ثَابِتَةٍ وَإِنْ كَانَ كَثِيرًا، فَعِنْدَمَا يَسْمَعُ لَفْظَ الرَّحِيمِ يَكْمُلُ اعْتِقَادُهُ عَلَى الْوَجْهِ الَّذِي يَلِيقُ بِاللهِ تَعَالَى وَيُرْضِيهِ سُبْحَانَهُ. وَيَعْلَمُ أَنَّ لِلَّهِ صِفَةً ثَابِتَةً هِيَ الرَّحْمَةُ الَّتِي عَنْهَا يَكُونُ أَثَرُهَا، وَإِنْ كَانَتْ تِلْكَ الصِّفَةُ عَلَى غَيْرِ مِثَالِ صِفَاتِ الْمَخْلُوقِينَ، وَيَكُونُ ذِكْرُهَا بَعْدَ الرَّحْمَنِ كَذِكْرِ الدَّلِيلِ بَعْدَ الْمَدْلُولِ لِيَقُومَ بُرْهَانًا عَلَيْهِ اهـ.
أَقُولُ قَدْ سَبَقَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْقَيِّمِ إِلَى مِثْلِ هَذِهِ التَّفْرِقَةِ، وَلَكِنَّهُ عَكَسَ فِي دَلَالَةِ الِاسْمَيْنِ الْكَرِيمَيْنِ. قَالَ: وَأَمَّا الْجَمْعُ بَيْنَ الرَّحْمَنِ وَالرَّحِيمِ فَفِيهِ مَعْنًى بَدِيعٌ، وَهُوَ أَنَّ الرَّحْمَنَ دَالٌّ عَلَى الصِّفَةِ الْقَائِمَةِ بِهِ سُبْحَانَهُ، وَالرَّحِيمَ دَالٌّ عَلَى تَعَلُّقِهَا بِالْمَرْحُومِ، وَكَأَنَّ الْأَوَّلَ الْوَصْفُ وَالثَّانِيَ الْفِعْلُ، فَالْأَوَّلُ دَالٌّ عَلَى أَنَّ الرَّحْمَةَ صِفَتُهُ أَيْ صِفَةُ ذَاتٍ لَهُ سُبْحَانَهُ، وَالثَّانِي دَالٌّ عَلَى أَنَّهُ يَرْحَمُ خَلْقَهُ بِرَحْمَتِهِ، أَيْ صِفَةُ فِعْلٍ لَهُ سُبْحَانَهُ، فَإِذَا أَرَدْتَ فَهْمَ هَذَا فَتَأَمَّلْ قَوْلَهُ تَعَالَى: (وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا) ، (إِنَّهُ بِهِمْ رَءُوفٌ رَحِيمٌ) وَلِمَ يَجِيءْ قَطُّ رَحْمَنُ بِهِمْ، فَعَلِمْتُ أَنَّ رَحْمَنَ هُوَ الْمَوْصُوفُ بِالرَّحْمَةِ. وَرَحِيمٌ هُوَ الرَّاحِمُ بِرَحْمَتِهِ. قَالَ رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى: هَذِهِ النُّكْتَةُ لَا تَكَادُ تَجِدُهَا فِي كِتَابٍ، وَإِنْ تَنَفَّسَتْ عِنْدَهَا مِرْآةُ قَلْبِكَ لَمْ تَنْجَلِ لَكَ صُورَتُهَا.
وَقَالَ فِي كِتَابٍ آخَرَ عِنْدَ ذِكْرِ الِاسْمَيْنِ الْكَرِيمَيْنِ: وَكَرَّرَ أَذَانًا (أَيْ إِعْلَامًا) بِثُبُوتِ الْوَصْفِ وَحُصُولِ أَثَرِهِ وَتَعَلُّقِهِ بِمُتَعَلِّقَاتِهِ، فَالرَّحْمَنُ: الَّذِي الرَّحْمَةُ وَصَفُهُ، وَالرَّحِيمُ: الرَّاحِمُ لِعِبَادِهِ، وَلِهَذَا يَقُولُ تَعَالَى: (وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا) . (إِنَّهُ بِهِمْ رَءُوفٌ رَحِيمٌ) وَلِمَ يَجِيءْ رَحْمَنُ بِعِبَادِهِ وَلَا رَحْمَنُ بِالْمُؤْمِنِينَ، مَعَ مَا فِي اسْمِ الرَّحْمَنِ الَّذِي هُوَ عَلَى وَزْنِ (فَعْلَانَ) مِنْ سَعَةِ هَذَا الْوَصْفِ وَثُبُوتِ جَمِيعِ مَعْنَاهُ لِلْمَوْصُوفِ بِهِ، أَلَا تَرَى أَنَّهُمْ يَقُولُونَ: غَضْبَانُ لِلْمُمْتَلِئِ غَضَبًا، وَنَدْمَانُ وَحَيْرَانُ وَسَكْرَانُ وَلَهْفَانُ لِمَنْ مُلِئَ بِذَلِكَ، فَبِنَاءُ فَعْلَانَ لِلسَّعَةِ وَالشُّمُولِ الْمُرَادِ مِنْهُ. اهـ.
أَقُولُ: إِنَّ هَذِهِ الْأَمْثِلَةَ تُؤَيِّدُ مَا قَالَهُ الْأُسْتَاذُ الْإِمَامُ مِنْ أَنَّ صِيغَةَ (فَعْلَانَ) تَدُلُّ عَلَى الصِّفَةِ الْعَارِضَةِ، وَلَا تَدُلُّ عَلَى الدَّائِمَةِ، فَاحْتِيجَ إِلَى صِيغَةٍ أُخْرَى تَدُلُّ عَلَى الصِّفَةِ الثَّابِتَةِ الدَّائِمَةِ وَهِيَ صِيغَةُ (فَعِيلٍ) فَهَذَا أَقْوَى مَا قِيلَ فِي نُكْتَةِ الْجَمْعِ بَيْنَ الِاسْمَيْنِ الْكَرِيمَيْنِ بِالصِّيغَتَيْنِ. وَيَلِيهِ دَلَالَةُ أَحَدِهِمَا عَلَى الرَّحْمَةِ بِالْقُوَّةِ، وَالْآخِرِ دَلَالَتُهُ
عَلَيْهَا بِالْفِعْلِ، وَهَذَا مَعْنَى آخَرُ أَلَمَّ بِهِ هَذَانِ الْإِمَامَانِ، وَلَكِنَّ ابْنَ الْقَيِّمِ جَعَلَ لَفْظَ الرَّحِيمِ هُوَ الدَّالَّ عَلَى الرَّحْمَةِ بِالْفِعْلِ بِدَلِيلِ الْآيَتَيْنِ
اللَّتَيْنِ أَوْرَدَهُمَا، وَلَفْظُ الرَّحْمَنِ هُوَ الدَّالُّ عَلَيْهَا بِالْقُوَّةِ لِعَدَمِ تَعَلُّقِ مِثْلِ ذَلِكَ الظَّرْفِ بِهِ، وَهُوَ قَوِيٌّ. وَعَكَسَ (مُحَمَّدُ عَبْدُهُ) وَجَعَلَ ذَلِكَ مِنْ مَدْلُولِ الصِّيغَةِ بِاللُّزُومِ.
(الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ قَالُوا: إِنَّ مَعْنَى الْحَمْدِ الثَّنَاءُ بِاللِّسَانِ، وَقَيَّدُوهُ بِالْجَمِيلِ؛ لِأَنَّ كَلِمَةَ "ثَنَاءٍ" تُسْتَعْمَلُ فِي الْمَدْحِ وَالذَّمِّ جَمِيعًا، يُقَالُ: أَثْنَى عَلَيْهِ شَرًّا، كَمَا يُقَالُ: أَثْنَى عَلَيْهِ خَيْرًا. وَيَقُولُونَ: إِنَّ "أل" الَّتِي فِي الْحَمْدِ هِيَ لِلْجِنْسِ فِي أَيِّ فَرَدٍ مِنْ أَفْرَادِهِ لَا لِلِاسْتِغْرَاقِ وَلَا لِلْعَهْدِ الْمَخْصُوصِ؛ لِأَنَّهُ لَا يُصَارُ إِلَى كُلٍّ مِنْهُمَا فِي فَهْمِ الْكَلَامِ إِلَّا بِالْبَدِيلِ، وَهُوَ غَيْرُ مَوْجُودٍ فِي الْآيَةِ، وَمَعْنَى كَوْنِ الْحَمْدِ لِلَّهِ تَعَالَى بِأَيِّ نَوْعٍ مِنْ أَنْوَاعِهِ، هُوَ أَنَّ أَيَّ شَيْءٍ يَصِحُّ الْحَمْدُ عَلَيْهِ فَهُوَ مَصْدَرُهُ، وَإِلَيْهِ مَرْجِعُهُ، فَالْحَمْدُ لَهُ عَلَى كُلِّ حَالٍ.
وَهَذِهِ الْجُمْلَةُ خَبَرِيَّةٌ وَلَكِنَّهَا اسْتُعْمِلَتْ لِإِنْشَاءِ الْحَمْدِ - فَأَمَّا مَعْنَى الْخَبَرِيَّةِ فَهُوَ إِثْبَاتُ أَنَّ الثَّنَاءَ الْجَمِيلَ فِي أَيِّ أَنْوَاعِهِ تَحَقُّقٌ، فَهُوَ ثَابِتٌ لَهُ تَعَالَى وَرَاجِعٌ إِلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ مُتَّصِفٌ بِكُلِّ مَا يَحْمَدُ عَلَيْهِ الْحَامِدُونَ فَصِفَاتُهُ أَجَلُّ الصِّفَاتِ، وَإِحْسَانُهُ عَمَّ جَمِيعَ الْكَائِنَاتِ، وَلِأَنَّ جَمِيعَ مَا يَصِحُّ أَنْ يَتَوَجَّهَ إِلَيْهِ الْحَمْدُ مِمَّا سِوَاهُ فَهُوَ مِنْهُ جَلَّ ثَنَاؤُهُ، إِذْ هُوَ مَصْدَرُ الْكَوْنِ كُلِّهِ، فَيَكُونُ لَهُ ذَلِكَ الْحَمْدُ أَوَّلًا وَبِالذَّاتِ.
وَالْخُلَاصَةُ: أَنَّ أَيَّ حَمْدٍ يَتَوَجَّهُ إِلَى مَحْمُودٍ مَا فَهُوَ لِلَّهِ تَعَالَى، سَوَاءٌ لَاحَظَهُ الْحَامِدُ أَوْ لَمْ يُلَاحِظْهُ. وَأَمَّا مَعْنَى الْإِنْشَائِيَّةِ فَهُوَ أَنَّ الْحَامِدَ جَعَلَهَا عِبَارَةً عَمَّا وَجَّهَهُ مِنَ الثَّنَاءِ إِلَى اللهِ تَعَالَى فِي الْحَالِ.
هَذَا مُلَخَّصُ مَا قَالَهُ الْأُسْتَاذُ الْإِمَامُ، وَأَقُولُ الْآنَ: التَّعْرِيفُ الْمَشْهُورُ بَيْنَ الْعُلَمَاءِ لِلْحَمْدِ: أَنَّهُ الثَّنَاءُ بِاللِّسَانِ عَلَى الْجَمِيلِ الِاخْتِيَارِيِّ. أَيِ الْفِعْلِ الْجَمِيلِ الصَّادِرِ عَنْ فَاعِلِهِ بِاخْتِيَارِهِ، أَيْ سَوَاءٌ أَسْدَى هَذَا الْجَمِيلَ إِلَى الْحَامِدِ أَمْ لَا. اهـ وَأَزِيدُ عَلَيْهِمْ: أَنَّهُ قَدْ يُحْمَدُ غَيْرُ الْفَاعِلِ الْمُخْتَارِ تَنْزِيلًا لَهُ مَنْزِلَةَ الْفَاعِلِ فِي نَفْعِهِ، وَمِنْهُ: "إِنَّمَا يَحْمَدُ السُّوقَ مَنْ رَبِحَ" . وَهَذَا هُوَ الْمُتَبَادِرُ مِنَ اسْتِعْمَالِ اللُّغَةِ. وَحَذَفَ بَعْضُهُمْ قَيْدَ الِاخْتِيَارِ ليدخل
في الحمد الثناء على صفات الكمال ولذلك وصف بعضهم الجميل الاختياري بِقَوْلِهِ: سَوَاءٌ كَانَ مِنَ الْفَضَائِلِ - أَيِ الصِّفَاتِ الْكَمَالِيَّةِ لِصَاحِبِهَا -
أَوِ الْفَوَاضِلِ، وَهِيَ مَا يَتَعَدَّى أَثَرُهُ مِنَ الْفَضْلِ إِلَى غَيْرِ صَاحِبِ الْفَضْلِ. وَالظَّاهِرُ أَنَّ الْحَمْدَ عَلَى الْفَضَائِلِ وَصِفَاتِ الْكَمَالِ إِنَّمَا يَكُونُ بِاعْتِبَارِ مَا يَتَرَتَّبُ عَلَيْهَا مِنَ الْأَفْعَالِ الِاخْتِيَارِيَّةِ، مَا عَدَا هَذَا مِنَ الثَّنَاءِ تُسَمِّيهِ الْعَرَبُ مَدْحًا. يُقَالُ: مَدْحُ الرِّيَاضِ، وَمَدْحُ الْمَالِ، وَمَدْحُ الْجَمَالِ، وَلَا يُطْلَقُ الْحَمْدَ عَلَى مِثْلِ هَذِهِ الْأَشْيَاءِ، وَقِيلَ: هُمَا مُتَرَادِفَانِ. وَالْمَقَامُ الْمَحْمُودُ لِلنَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَهُوَ مَا يُحْمَدُ فِيهِ لِمَا يَنَالُهُ النَّاسُ كُلُّهُمْ مِنْ خَيْرِ دُعَائِهِ وَشَفَاعَتِهِ عَلَى الْمَشْهُورِ. وَسَيَأْتِي تَفْسِيرُهُ فِي مَوْضِعِهِ إِنْ شَاءَ اللهُ تَعَالَى. وَقَدْ يُقَالُ: إِنَّ مَا ذُكِرَ هُوَ الْحَمْدُ الَّذِي يَكُونُ مِنْ بَعْضِ النَّاسِ لِبَعْضٍ، وَأَمَّا اللهُ - عَزَّ وَجَلَّ - فَإِنَّهُ يُحْمَدُ لِذَاتِهِ بِاعْتِبَارِ أَنَّهَا مَصْدَرُ جَمِيعِ الْوُجُودِ الْمُمْكِنِ وَمَا فِيهِ مِنَ الْخَيِّرَاتِ وَالنِّعَمِ، أَوْ مُطْلَقًا خُصُوصِيَّةً لَهُ، إِذْ لَيْسَتْ ذَاتُ أَحَدٍ مِنَ الْخَلْقِ كَذَاتِهِ، وَيُحْمَدُ لِصِفَاتِهِ بِاعْتِبَارِ تَعَلُّقِهَا وَآثَارِهَا كَمَا سَتَرَى بَيَانَهُ فِي تَفْسِيرِ الرَّبِّ وَالرَّحْمَنِ وَالرَّحِيمِ.
(رَبِّ الْعَالَمِينَ يُشْعِرُ هَذَا الْوَصْفُ بِبَيَانِ وَجْهِ الثَّنَاءِ الْمُطْلَقِ، وَمَعْنَى الرَّبِّ: السَّيِّدُ الْمُرَبِّي الَّذِي يَسُوسُ مَسُودَهُ وَيُرَبِّيهِ وَيُدَبِّرُهُ، وَلَفْظُ "الْعَالِمَيْنِ" جَمْعُ عَالَمٍ بِفَتْحِ اللَّامِ جُمِعَ جَمْعِ الْمُذَكَّرِ الْعَاقِلِ تَغْلِيبًا، وَأُرِيدَ بِهِ جَمِيعُ الْكَائِنَاتِ الْمُمْكِنَةِ، أَيْ: إِنَّهُ رَبُّ كُلِّ مَا يَدْخُلُ فِي مَفْهُومِ لَفْظِ الْعَالَمِ. وَمَا جَمَعَتِ الْعَرَبُ لَفْظَ الْعَالَمِ هَذَا الْجَمْعَ إِلَّا لِنُكْتَةٍ تُلَاحِظُهَا فِيهِ، وَهِيَ أَنَّ هَذَا اللَّفْظَ لَا يُطْلَقُ عِنْدَهُمْ عَلَى كُلِّ كَائِنٍ وَمَوْجُودٍ كَالْحَجَرِ وَالتُّرَابِ، وَإِنَّمَا يُطْلِقُونَهُ عَلَى كُلِّ جُمْلَةٍ مُتَمَايِزَةٍ لِأَفْرَادِهَا صِفَاتٌ تُقَرِّبُهَا مِنَ الْعَاقِلِ الَّذِي جُمِعَتْ جَمْعَهُ، إِنْ لَمْ تَكُنْ مِنْهُ فَيُقَالُ: عَالَمُ الْإِنْسَانِ، وَعَالَمُ الْحَيَوَانِ، وَعَالَمُ النَّبَاتِ. وَنَحْنُ نَرَى أَنَّ هَذِهِ الْأَشْيَاءَ هِيَ الَّتِي يَظْهَرُ فِيهَا مَعْنَى التَّرْبِيَةِ الَّذِي يُعْطِيهِ لَفْظُ "رَبٍّ" ؛ لِأَنَّ فِيهَا مَبْدَأَهَا وَهُوَ الْحَيَاةُ وَالتَّغَذِّي وَالتَّوَلُّدُ، وَهَذَا ظَاهِرٌ فِي الْحَيَوَانِ. وَلَقَدْ كَانَ السَّيِّدُ (أَيْ جَمَالُ الدِّينِ الْأَفْغَانِيُّ) رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى يَقُولُ: الْحَيَوَانُ شَجَرَةٌ قُطِعَتْ رِجْلُهَا مِنَ الْأَرْضِ فَهِيَ تَمْشِي، وَالشَّجَرَةُ حَيَوَانٌ سَاخَتْ رِجْلَاهُ فِي الْأَرْضِ، فَهُوَ قَائِمٌ فِي مَكَانِهِ يَأْكُلُ وَيَشْرَبُ، وَإِنْ كَانَ لَا يَنَامُ وَلَا يَغْفُلُ.
هَذَا مُلَخَّصُ مَا قَالَهُ الْأُسْتَاذُ الْإِمَامُ. وَأَزِيدُ الْآنَ أَنَّ بَعْضَ الْعُلَمَاءِ قَالَ:
إِنَّ الْمُرَادَ بِالْعَالَمِينِ هُنَا أَهْلُ الْعِلْمِ وَالْإِدْرَاكِ مِنَ الْمَلَائِكَةِ وَالْإِنْسِ وَالْجِنِّ، وَيُؤْثَرُ عَنْ جَدِّنَا الْإِمَامِ جَعْفَرٍ الصَّادِقِ عَلَيْهِ الرِّضْوَانُ. أَنَّ الْمُرَادَ بِهِ النَّاسُ فَقَطْ كَمَا يَدُلُّ عَلَى هَذَا وَذَاكَ اسْتِعْمَالُ الْقُرْآنِ فِي مِثْلِ: "(أَتَأْتُونَ الذُّكْرَانَ مِنَ الْعَالَمِينَ) (26: 165) أَيِ النَّاسِ، وَمِثْلِ" (لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا) (25: 1) "وَيَرَى بَعْضُهُمْ: أَنَّهُ عَلَى هَذَا مُشْتَقٌّ مِنَ الْعِلْمِ. وَمَنْ قَالَ: يَعُمُّ جَمِيعَ أَجْنَاسِ الْمَخْلُوقَاتِ يَرَى أَنَّهُ مُشْتَقٌّ مِنَ الْعَلَامَةِ، وَرُبُوبِيَّةُ اللهِ لِلنَّاسِ تَظْهَرُ بِتَرْبِيَتِهِ إِيَّاهُمْ، وَهَذِهِ التَّرْبِيَةُ قِسْمَانِ:"
تَرْبِيَةٌ خَلْقِيَّةٌ بِمَا يَكُونُ بِهِ نُمُوُّهُمْ، وَكَمَالُ أَبْدَانِهِمْ وَقُوَاهُمُ النَّفْسِيَّةُ وَالْعَقْلِيَّةُ - وَتَرْبِيَةٌ شَرْعِيَّةٌ تَعْلِيمِيَّةٌ وَهِيَ مَا يُوحِيهِ إِلَى أَفْرَادٍ مِنْهُمْ لِيُكْمِلَ بِهِ فِطْرَتَهُمْ بِالْعِلْمِ وَالْعَمَلِ إِذَا اهْتَدَوْا بِهِ. فَلَيْسَ لِغَيْرِ رَبِّ النَّاسِ أَنْ يُشَرِّعَ لِلنَّاسِ عِبَادَةً، وَلَا أَنْ يُحَرِّمَ عَلَيْهِمْ وَيُحِلَّ لَهُمْ مِنْ عِنْدِ نَفْسِهِ بِغَيْرِ إِذْنٍ مِنْهُ تَعَالَى.
(الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ تَقَدَّمَ مَعْنَاهُمَا وَبَقِيَ الْكَلَامُ فِي إِعَادَتِهِمَا، وَالنُّكْتَةُ فِيهَا ظَاهِرَةٌ وَهِيَ أَنَّ تَرْبِيَتَهُ تَعَالَى لِلْعَالَمِينَ لَيْسَتْ لِحَاجَةٍ بِهِ إِلَيْهِمْ كَجَلْبِ مَنْفَعَةٍ أَوْ دَفْعِ مَضَرَّةٍ، وَإِنَّمَا هِيَ لِعُمُومِ رَحْمَتِهِ وَشُمُولِ إِحْسَانِهِ. وَثَمَّ نُكْتَةٌ أُخْرَى وَهِيَ أَنَّ الْبَعْضَ يَفْهَمُ مِنْ مَعْنَى الرَّبِّ: الْجَبَرُوتَ وَالْقَهْرَ، فَأَرَادَ اللهُ تَعَالَى أَنْ يُذَكِّرَهُمْ بِرَحْمَتِهِ وَإِحْسَانِهِ لِيَجْتَمِعُوا بَيْنَ اعْتِقَادِ الْجَلَالِ وَالْجَمَالِ، فَذَكَرَ الرَّحْمَنَ وَهُوَ الْمُفِيضُ لِلنِّعَمِ بِسَعَةٍ وَتَجَدُّدٍ لَا مُنْتَهَى لَهُمَا، وَالرَّحِيمُ الثَّابِتُ لَهُ وَصْفُ الرَّحْمَةِ لَا يُزَايِلُهُ أَبَدًا. فَكَأَنَّ اللهَ تَعَالَى أَرَادَ أَنْ يَتَحَبَّبَ إِلَى عِبَادِهِ، فَعَرَّفَهُمْ أَنَّ رُبُوبِيَّتَهُ رُبُوبِيَّةُ رَحْمَةٍ وَإِحْسَانٍ لِيَعْلَمُوا أَنَّ هَذِهِ الصِّفَةَ هِيَ الَّتِي رُبَّمَا يَرْجِعُ إِلَيْهَا مَعْنَى الصِّفَاتِ، وَلِيَتَعَلَّقُوا بِهِ وَيُقْبِلُوا عَلَى اكْتِسَابِ مَرْضَاتِهِ، مُنْشَرِحَةً صُدُورُهُمْ، مُطْمَئِنَّةً قُلُوبُهُمْ، وَلَا يُنَافِي عُمُومُ الرَّحْمَةِ وَسَبْقُهَا مَا شَرَعَهُ اللهُ مِنَ الْعُقُوبَاتِ فِي الدُّنْيَا، وَمَا أَعَدَّهُ مِنَ الْعَذَابِ فِي الْآخِرَةِ لِلَّذِينِ يَتَعَدَّوْنَ الْحُدُودَ، وَيَنْتَهِكُونَ الْحُرُمَاتِ، فَإِنَّهُ وَإِنْ سُمِّيَ قَهْرًا بِالنِّسْبَةِ لِصُورَتِهِ وَمَظْهَرِهِ فَهُوَ فِي حَقِيقَتِهِ وَغَايَتِهِ مِنَ الرَّحْمَةِ؛ لِأَنَّ فِيهِ تَرْبِيَةً لِلنَّاسِ وَزَجْرًا لَهُمْ عَنِ الْوُقُوعِ فِيمَا يَخْرُجُ عَنْ حُدُودِ الشَّرِيعَةِ الْإِلَهِيَّةِ، وَفِي الِانْحِرَافِ عَنْهَا شَقَاؤُهُمْ وَبَلَاؤُهُمْ، وَفِي الْوُقُوفِ عِنْدَهَا سَعَادَتُهُمْ وَنَعِيمُهُمْ، وَالْوَالِدُ الرَّءُوفُ يُرَبِّي وَلَدَهُ بِالتَّرْغِيبِ فِيمَا يَنْفَعُهُ وَالْإِحْسَانِ عَلَيْهِ إِذَا قَامَ بِهِ، وَرُبَّمَا لَجَأَ إِلَى التَّرْهِيبِ وَالْعُقُوبَةِ إِذَا اقْتَضَتْ ذَلِكَ الْحَالُ، وَلِلَّهِ الْمَثَلُ الْأَعْلَى لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَإِلَيْهِ يُرْجَعُونَ.
أَقُولُ الْآنَ: إِنَّنِي لَا أَرَى وَجْهًا لِلْبَحْثِ فِي عَدِّ ذِكْرِ "الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ" فِي سُورَةِ الْفَاتِحَةِ تَكْرَارًا أَوْ إِعَادَةً مُطْلَقًا، أَمَّا عَلَى الْقَوْلِ بِأَنَّ الْبَسْمَلَةَ لَيْسَتْ آيَةً مِنْهَا فَظَاهِرٌ، وَأَمَّا عَلَى الْقَوْلِ بِأَنَّهَا آيَةٌ مِنْهَا فَيَحْتَاجُ إِلَى بَيَانٍ، وَهُوَ أَنَّ جَعْلَهَا آيَةً مِنْهَا وَمِنْ كُلِّ سُورَةٍ يُرَادُ بِهِ مَا تَقَدَّمَ شَرْحُهُ آنِفًا مِنْ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يُلَقِّنُهَا وَيُبَلِّغُهَا لِلنَّاسِ عَلَى أَنَّهَا (أَيِ السُّورَةُ) مُنَزَّلَةٌ مِنْ عِنْدِ اللهِ تَعَالَى أَنْزَلَهَا بِرَحْمَتِهِ لِهِدَايَةِ خَلْقِهِ، وَأَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَا كَسْبَ لَهُ فِيهَا وَلَا صُنْعَ، وَإِنَّمَا هُوَ مُبَلِّغٌ لَهَا بِأَمْرِ اللهِ تَعَالَى. فَهِيَ مُقَدِّمَةٌ لِلسُّوَرِ كُلِّهَا إِلَّا سُورَةَ بَرَاءَةَ الْمُنَزَّلَةَ بِالسَّيْفِ، وَكَشْفِ السِّتَارِ عَنْ نِفَاقِ الْمُنَافِقِينَ، فَهِيَ بَلَاءٌ عَلَى مَنْ أُنْزِلَ أَكْثَرُهَا فِي شَأْنِهِمْ لَا رَحْمَةً بِهِمْ. وَإِذَا كَانَ الْمُرَادُ بِبَدْءِ الْفَاتِحَةِ بِالْبَسْمَلَةِ أَنَّهَا مُنَزَّلَةٌ مِنَ اللهِ رَحْمَةً بِعِبَادِهِ فَلَا يُنَافِي ذَلِكَ أَنْ يَكُونَ مِنْ مَوْضُوعِ هَذِهِ السُّورَةِ بَيَانُ رَحْمَةِ اللهِ تَعَالَى مَعَ بَيَانِ رُبُوبِيَّتِهِ لِلْعَالَمِينَ، وَكَوْنِهِ الْمَلِكَ الَّذِي يَمْلِكُ وَحْدَهُ جَزَاءَ الْعَامِلِينَ عَلَى أَعْمَالِهِمْ، وَأَنَّهُ بِهَذِهِ الْأَسْمَاءِ وَالصِّفَاتِ كَانَ
مُسْتَحِقًّا لِلْحَمْدِ مِنْ عِبَادِهِ، كَمَا أَنَّهُ مُسْتَحِقٌّ لَهُ فِي ذَاتِهِ، وَلِهَذَا نُسِبَ الْحَمْدُ إِلَى اسْمِ الذَّاتِ، الْمَوْصُوفِ بِهَذِهِ الصِّفَاتِ.
وَالْحَاصِلُ: أَنَّ مَعْنَى الرَّحْمَةِ فِي بَسْمَلَةِ كُلِّ سُورَةٍ، هُوَ أَنَّ السُّورَةَ مُنَزَّلَةٌ بِرَحْمَةِ اللهِ وَفَضْلِهِ فَلَا يُعَدُّ مَا عَسَاهُ يَكُونُ فِي أَوَّلِ السُّورَةِ أَوْ أَثْنَائِهَا مِنْ ذِكْرِ الرَّحْمَةِ مُكَرَّرًا مَعَ مَا فِي الْبَسْمَلَةِ، وَإِنْ كَانَ مَقْرُونًا بِذِكْرِ التَّنْزِيلِ كَأَوَّلِ سُورَةِ فُصِّلَتْ (حم تَنْزِيلٌ مِنَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ) (41: 1 - 2) لِأَنَّ الرَّحْمَةَ فِي الْبَسْمَلَةِ لِلْمَعْنَى الْعَامِّ فِي الْوَحْيِ وَالتَّنْزِيلِ، وَفِي السُّوَرِ لِلْمَعْنَى الْخَاصِّ الَّذِي تُبَيِّنُهُ السُّورَةُ، وَقَدْ لَاحَظَ هَذَا الْمَعْنَى مَنْ قَالَ: إِنَّ الْبَسْمَلَةَ آيَةٌ مُسْتَقِلَّةٌ فَاصِلَةٌ بَيْنَ السُّوَرِ. وَأَمَّا مَنْ قَالَ: إِنَّهَا آيَةٌ مِنْ كُلِّ سُورَةٍ فَمُرَادُهُ أَنَّهَا تُقْرَأُ عِنْدَ الشُّرُوعِ فِي قِرَاءَتِهَا، وَأَنَّ مَنْ حَلَفَ لَيَقْرَأَنَّ سُورَةَ كَذَا لَا يَبْرَأُ إِلَّا إِذَا قَرَأَ الْبَسْمَلَةَ مَعَهَا، وَأَنَّ الصَّلَاةَ لَا تَصِحُّ إِلَّا بِقِرَاءَتِهَا أَيْضًا.
هَذَا - وَأَمَّا حَظُّ الْعَبْدِ مِنْ وَصْفِ اللهِ بِالرُّبُوبِيَّةِ فَهُوَ أَنْ يَحْمَدَهُ تَعَالَى وَيَشْكُرَهُ بِاسْتِعْمَالِ نِعَمِهِ الَّتِي تَتَرَبَّى بِهَا الْقُوَى الْجَسَدِيَّةُ وَالْعَقْلِيَّةُ فِيمَا خُلِقَتْ لِأَجْلِهِ، فَلْيُحْسِنْ تَرْبِيَةَ نَفْسِهِ وَتَرْبِيَةَ مَنْ يُوكَلُ إِلَيْهِ تَرْبِيَتُهُ مِنْ أَهْلٍ وَوَلَدٍ وَمُرِيدٍ وَتِلْمِيذٍ، وَبِاسْتِعْمَالِ نِعْمَتِهِ بِهِدَايَةِ الدِّينِ فِي تَرْبِيَةِ نَفْسِهِ الرُّوحِيَّةِ وَالِاجْتِمَاعِيَّةِ، وَكَذَا تَرْبِيَةُ مَنْ
يُوكَلُ إِلَيْهِ تَرْبِيَتُهُمْ وَأَلَّا يَبْغِيَ كَمَا بَغَى فِرْعَوْنُ فَيَدَّعِيَ أَنَّهُ رَبُّ النَّاسِ، وَكَمَا بَغَى فَرَاعِنَةٌ كَثِيرُونَ وَلَا يَزَالُونَ يَبْغُونَ بِجَعْلِ أَنْفُسِهِمْ شَارِعِينَ يَتَحَكَّمُونَ فِي دِينِ النَّاسِ بِوَضْعِ الْعِبَادَاتِ الَّتِي لَمْ يُنَزِّلْهَا اللهُ تَعَالَى، وَبِقَوْلِهِمْ: هَذَا حَلَالٌ وَهَذَا حَرَامٌ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ أَوْ مِنْ عِنْدِ أَمْثَالِهِمْ، فَيَجْعَلُونَ أَنْفُسَهُمْ شُرَكَاءَ لِلَّهِ فِي رُبُوبِيَّتِهِ. قَالَ تَعَالَى: (أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللهُ) (42: 21) وَفَسَّرَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - اتِّخَاذَ أَهْلِ الْكِتَابِ أَحْبَارَهِمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا بِمِثْلِ هَذَا.
وَأَمَّا حَظُّ الْعَبْدِ مَنْ وَصْفِ اللهِ بِالرَّحْمَةِ فَهُوَ أَنْ يُطَالِبَ نَفْسَهُ بِأَنْ يَكُونَ رَحِيمًا بِكُلِّ مَنْ يَرَاهُ مُسْتَحِقًّا لِلرَّحْمَةِ مِنْ خَلْقِ اللهِ تَعَالَى حَتَّى الْحَيَوَانُ الْأَعْجَمُ، وَأَنْ يَتَذَكَّرَ دَائِمًا أَنَّهُ يَسْتَحِقُّ بِذَلِكَ رَحْمَةَ اللهِ تَعَالَى، قَالَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "إِنَّمَا يَرْحَمُ اللهُ مِنْ عِبَادِهِ الرُّحَمَاءَ" رَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ عَنْ جَرِيرٍ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ، وَقَالَ: "الرَّاحِمُونَ يَرْحَمُهُمُ الرَّحْمَنُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى، ارْحَمُوا مَنْ فِي الْأَرْضِ يَرْحَمُكُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ" رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ وَالْحَاكِمُ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ، وَرُوِّينَاهُ مُسَلْسَلًا بِالْأَوَّلِيَّةِ مِنْ طَرِيقِ الشَّيْخِ أَبِي الْمَحَاسِنِ مُحَمَّدٍ الْقَاوَقْجِيِّ الطَّرَابُلُسِيِّ الشَّامِيِّ. وَقَالَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "مَنْ رَحِمَ وَلَوْ ذَبِيحَةَ عُصْفُورٍ رَحِمَهُ اللهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ" رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ فِي الْأَدَبِ الْمُفْرِدِ وَالطَّبَرَانِيِّ عَنْ أَبِي أُمَامَةَ، وَأَشَارَ السُّيُوطِيُّ فِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ إِلَى صِحَّتِهِ. وَمِمَّا يَدُلُّ عَلَى التَّرْغِيبِ فِي رَحْمَةِ الْحَيَوَانِ وَالرِّفْقِ بِهِ بِغَيْرِ لَفْظِ الرَّحْمَةِ حَدِيثُ: "فِي كُلِّ ذَاتِ كَبِدٍ حَرَّى أَجْرٌ" رَوَاهُ أَحْمَدُ وَابْنُ مَاجَهْ عَنْ سُرَاقَةَ بْنِ مَالِكٍ، وَأَحْمَدُ أَيْضًا عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرٍو. وَهُوَ حَدِيثٌ صَحِيحٌ.
وَمِنْ مَبَاحِثِ اللُّغَةِ أَنَّ لَفْظَ الرَّحْمَنِ خَاصٌّ بِاللهِ تَعَالَى كَلَفْظِ الْجَلَالَةِ. قَالُوا: لَمْ يُسْمَعْ عَنْ أَحَدٍ مِنَ الْعَرَبِ أَنَّهُ أَطْلَقَهُ عَلَى غَيْرِ اللهِ تَعَالَى، وَكَذَلِكَ لَفْظُ "رَحْمَنٍ" غَيْرُ مُعَرَّفٍ، قَالُوا: لَمْ يُرِدْ إِطْلَاقَهُ عَلَى غَيْرِ اللهِ تَعَالَى إِلَّا فِي شِعْرٍ لِبَعْضِ الَّذِينَ فُتِنُوا بِمُسَيْلِمَةَ الْكَذَّابِ قَالَ فِيهِ: ""
وَأَنْتَ غَيْثُ الْوَرَى لَا زِلْتَ رَحْمَانًا
"وَقِيلَ: إِنَّ هَذَا تَعَنُّتٌ وَغُلُوٌّ لَا مِنَ الِاسْتِعْمَالِ الْمَعْرُوفِ عِنْدَ الْعَرَبِ، وَأَمَّا الْعَرَبُ فَكَانَتْ تُطْلِقُ لَفْظَ رَبٍّ عَلَى النَّاسِ، يَقُولُونَ: رَبُّ الدَّارِ وَرَبُّ هَذِهِ الْأَنْعَامِ مَثَلًا لَا رَبُّ الْأَنْعَامِ مُطْلَقًا. قَالَ عَبْدُ الْمُطَّلِبِ فِي يَوْمِ الْفِيلِ: أَمَّا الْإِبِلُ فَأَنَا رَبُّهَا، وَأَمَّا الْبَيْتُ فَإِنَّ لَهُ رَبًّا يَحْمِيهِ، وَقَالَ"
تَعَالَى فِي حِكَايَةِ قَوْلِ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلَامُ فِي مَوْلَاهُ عَزِيزِ مِصْرَ: (إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوَايَ) (12: 23) وَيَرَى بَعْضُ الْعُلَمَاءِ أَنَّ هَذَا الِاسْتِعْمَالَ مَمْنُوعٌ فِي الْإِسْلَامِ، وَاسْتَدَلَّ بِالنَّهْيِ فِي الْحَدِيثِ عَنْ قَوْلِ الْمَمْلُوكِ لِسَيِّدِهِ "رَبِّي" وَالصَّوَابُ أَنْ يُمْنَعَ مَا وَرَدَ النَّصُّ بِهِ كَهَذَا الِاسْتِعْمَالِ، وَمَا مِنْ شَأْنِهِ أَلَّا يُقَالَ إِلَّا فِي الْبَارِئِ تَعَالَى كَلَفْظِ الرَّبِّ بِالتَّعْرِيفِ مُطْلَقًا، وَلَفْظِ رَبِّ النَّاسِ، رَبِّ الْمَخْلُوقَاتِ، رَبِّ الْعَالَمِينَ، وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ.
(مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ
قَرَأَ عَاصِمٌ وَالْكِسَائِيُّ وَيَعْقُوبُ: "مَالِكِ" وَالْبَاقُونَ "مَلِكِ" وَعَلَيْهَا أَهْلُ الْحِجَازِ وَالْفَرْقُ بَيْنَهُمَا أَنَّ الْمَالِكَ ذُو الْمِلْكِ بِكَسْرِ الْمِيمِ، وَالْمَلِكَ ذُو الْمُلْكِ بِضَمِّهَا، وَالْقُرْآنُ يَشْهَدُ لِلْأَوْلَى بِمِثْلِ قَوْلِهِ: (يَوْمَ لَا تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْسٍ شَيْئًا) (82: 19) وَلِلثَّانِيَةِ بِقَوْلِهِ: (لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ) (40: 16) قَالَ بَعْضُهُمْ: إِنَّ قِرَاءَةَ مَلِكٍ أَبْلَغُ؛ لِأَنَّ هَذَا اللَّفْظَ يُفْهَمُ مِنْهُ مَعْنَى السُّلْطَانِ وَالْقُوَّةِ وَالتَّدْبِيرِ. قَالَ آخَرُونَ: إِنَّ الْقِرَاءَةَ الْأُخْرَى أَبْلَغُ؛ لِأَنَّ الْمَلِكَ هُوَ الَّذِي يُدَبِّرُ أَعْمَالَ رَعِيَّتِهِ الْعَامَّةَ، وَلَا تَصَرُّفَ لَهُ بِشَيْءٍ مِنْ شُئُونِهِمُ الْخَاصَّةِ، وَالْمَالِكُ سُلْطَتُهُ أَعَمُّ، فَلَا رَيْبَ أَنَّ مَالِكَهُ هُوَ الَّذِي يَتَوَلَّى جَمِيعَ شُئُونِهِ دُونَ سُلْطَانِهِ.
وَأَقُولُ الْآنَ: الظَّاهِرُ أَنَّ قِرَاءَةَ "مَلِكٍ" أَبْلَغُ؛ لِأَنَّ مَعْنَاهَا الْمُتَصَرِّفُ فِي أُمُورِ الْعُقَلَاءِ الْمُخْتَارِينَ بِالْأَمْرِ وَالنَّهْيِ وَالْجَزَاءِ، وَلِهَذَا يُقَالُ: (مَلِكُ النَّاسِ) وَلَا يُقَالُ مَلِكُ الْأَشْيَاءِ. قَالَهُ الرَّاغِبُ. وَقَالَ فِي (مَلِكِ يَوْمِ الدِّينِ) تَقْدِيرُهُ الْمَلِكُ فِي يَوْمِ الدِّينِ؛ لِقَوْلِهِ: (لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ) اهـ. وَإِنَّمَا كَانَ هَذَا أَبْلَغَ؛ لِأَنَّ السِّيَاقَ يَدُلُّنَا عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِالْآيَةِ تَذْكِيرُ الْمُكَلَّفِينَ بِمَا يَنْتَظِرُهُمْ مِنَ الْجَزَاءِ عَلَى أَعْمَالِهِمْ رَجَاءَ أَنْ تَسْتَقِيمَ أَحْوَالُهُمْ، وَمَعْنَى (مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ) قَدْ يُسْتَفَادُ مِنْ قَوْلِهِ "(رَبِّ الْعَالَمِينَ" عَلَى أَنَّ مَجْمُوعَ الْقِرَاءَتَيْنِ يَدُلُّ عَلَى الْمَعْنَيَيْنِ فَكِلَاهُمَا ثَابِتٌ، وَلَكِنَّ الْقِرَاءَةَ فِي الصَّلَاةِ بِمَلِكِ يَوْمِ الدِّينِ تُثِيرُ مِنَ الْخُشُوعِ مَا لَا تُثِيرُهُ الْقِرَاءَةُ الْأُخْرَى الَّتِي يُفَضِّلُهَا بَعْضُهُمْ؛ لِأَنَّهَا تَزِيدُ حَرْفًا فِي النُّطْقِ. وَوَرَدَ فِي الْحَدِيثِ أَنَّ لِلْقَارِئِ بِكُلِّ
حَرْفٍ كَذَا حَسَنَةٍ، وَلَكِنْ فَاتَهُمْ أَنَّ حَسَنَةً وَاحِدَةً تَكُونُ أَكْبَرَ تَأْثِيرًا فِي الْقَلْبِ خَيْرٌ مِنْ مِائَةِ حَسَنَةٍ يَكُنَّ دُونَهَا فِي التَّأْثِيرِ.
وَ (الدِّينُ) يُطْلَقُ فِي اللُّغَةِ عَلَى الْحِسَابِ وَعَلَى الْمُكَافَأَةِ، وَوَرَدَ "كَمَا تَدِينُ تُدَانُ" وَقَالَ الشَّاعِرُ:
وَلَمْ يَبْقَ سِوَى الْعُدْوَا ... نِ دِنَّاهُمْ كَمَا دَانُوا
وَعَلَى الْجَزَاءِ وَهُوَ قَرِيبٌ مِنْ مَعْنَى الْمُكَافَأَةِ، وَعَلَى الطَّاعَةِ، وَعَلَى الْإِخْضَاعِ، وَعَلَى السِّيَاسَةِ؛ يُقَالُ: دِنْتُهُ، وَدَيَّنْتُهُ فُلَانًا (بِالتَّشْدِيدِ) أَيْ وَلَّيْتُهُ سِيَاسَتَهُ، وَهُوَ قَرِيبٌ مِنْ مَعْنَى الْإِخْضَاعِ، وَعَلَى الشَّرِيعَةِ: مَا يُؤْخَذُ الْعِبَادُ بِهِ مِنَ التَّكَالِيفِ. وَالْمُنَاسِبُ هُنَا مِنْ هَذِهِ الْمَعَانِي الْجَزَاءُ وَالْخُضُوعُ وَإِنَّمَا قَالَ "يَوْمِ الدِّينِ" وَلَمْ يَقُلِ "الدِّينِ" لِتَعْرِيفِنَا بِأَنَّ لِلدِّينِ يَوْمًا مُمْتَازًا عَنْ سَائِرِ الْأَيَّامِ، وَهُوَ الْيَوْمُ الَّذِي يَلْقَى فِيهِ كُلُّ عَامِلٍ عَمَلَهُ وَيُوَفَّى جَزَاءَهُ.
وَلِسَائِلٍ أَنْ يَسْأَلَ: أَلَيْسَتْ كُلُّ الْأَيَّامِ أَيَّامَ جَزَاءٍ. وَكُلُّ مَا يُلَاقِيهِ النَّاسُ فِي هَذِهِ الْحَيَاةِ مِنَ الْبُؤْسِ هُوَ جَزَاءٌ عَلَى تَفْرِيطِهِمْ فِي أَدَاءِ الْحُقُوقِ وَالْقِيَامِ بِالْوَاجِبَاتِ الَّتِي عَلَيْهِمْ؟ وَالْجَوَابُ: بَلَى إِنَّ أَيَّامَنَا الَّتِي نَحْنُ فِيهَا قَدْ يَقَعُ فِيهَا الْجَزَاءُ عَلَى أَعْمَالِنَا، وَلَكِنْ رُبَّمَا لَا يَظْهَرُ لِأَرْبَابِهِ إِلَّا عَلَى بَعْضِهَا دُونَ جَمِيعِهَا. وَالْجَزَاءُ عَلَى التَّفْرِيطِ فِي الْعَمَلِ الْوَاجِبِ إِنَّمَا يَظْهَرُ فِي الدُّنْيَا ظُهُورًا تَامًّا بِالنِّسْبَةِ إِلَى مَجْمُوعِ الْأُمَّةِ لَا إِلَى كُلِّ فَرْدٍ مِنَ الْأَفْرَادِ، فَمَا مِنْ أُمَّةٍ انْحَرَفَتْ عَنْ صِرَاطِ اللهِ الْمُسْتَقِيمِ وَلَمْ تُرَاعِ سُنَنَهُ فِي خَلِيقَتِهِ إِلَّا وَأَحَلَّ بِهَا الْعَدْلُ الْإِلَهِيُّ مَا تَسْتَحِقُّ مِنَ الْجَزَاءِ كَالْفَقْرِ وَالذُّلِّ وَفَقْدِ الْعِزَّةِ وَالسُّلْطَةِ. وَأَمَّا الْأَفْرَادُ فَإِنَّنَا نَرَى كَثِيرًا مِنَ الْمُسْرِفِينَ الظَّالِمِينَ يَقْضُونَ أَعْمَارَهُمْ مُنْغَمِسِينَ فِي الشَّهَوَاتِ وَاللَّذَّاتِ، نَعَمْ إِنَّ ضَمَائِرَهُمْ تُوَبِّخُهُمْ أَحْيَانًا وَإِنَّهُمْ لَا يَسْلَمُونَ مِنَ الْمُنَغِّصَاتِ،
وَقَدْ يُصِيبُهُمُ النَّقْصُ فِي أَمْوَالِهِمْ، وَعَافِيَةِ أَبْدَانِهِمْ، وَقُوَّةِ عُقُولِهِمْ. وَلَكِنَّ هَذَا كُلَّهُ لَا يُقَابِلُ بَعْضَ أَعْمَالِهِمُ الْقَبِيحَةِ، لَا سِيَّمَا الْمُلُوكُ وَالْأُمَرَاءُ الَّذِينَ تَشْقَى بِأَعْمَالِهِمُ السَّيِّئَةِ أُمَمٌ وَشُعُوبٌ. كَذَلِكَ نَرَى مِنَ الْمُحْسِنِينَ فِي أَنْفُسِهِمْ وَلِلنَّاسِ مَنْ يُبْتَلَى بِهَضْمِ حُقُوقِهِ، وَلَا يَنَالُ الْجَزَاءَ الَّذِي يَسْتَحِقُّهُ عَلَى عَمَلِهِ، فَإِنْ كَانَ قَدْ يَنَالُ رِضَاءَ نَفْسِهِ وَسَلَامَةَ أَخْلَاقِهِ وَصِحَّةَ مَلَكَاتِهِ، فَمَا ذَلِكَ كُلُّ مَا يَسْتَحِقُّ، وَفِي ذَلِكَ الْيَوْمِ يُوَفَّى كُلُّ فَرْدٍ مِنْ أَفْرَادِ الْعَالَمِينَ جَزَاءَهُ كَامِلًا لَا يُظْلَمُ شَيْئًا مِنْهُ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: (فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ)
(99: 7 - 8)
عَلَّمَنَا اللهُ أَنَّهُ رَحْمَنُ رَحِيمٌ لِيَجْذِبَ قُلُوبَنَا إِلَيْهِ، وَلَكِنْ هَلْ يَشْعُرُ كُلُّ عِبَادِهِ بِهَذِهِ الْمِنَّةِ فَيَنْجَذِبُوا إِلَيْهِ الِانْجِذَابَ الْمَطْلُوبَ؟ أَلَيْسَ فِينَا مَنْ يَسْلُكُ كُلَّ سَبِيلٍ لَا يُبَالِي بِمُسْتَقِيمٍ وَمُعْوَجٍّ؟ بَلَى، وَلِهَذَا أَعْقَبَ سُبْحَانَهُ ذِكْرَ الرَّحْمَةِ بِذِكْرِ الدِّينِ، فَعَرَفْنَا أَنَّهُ يَدِينُ الْعِبَادَ وَيُجَازِيهِمْ عَلَى أَعْمَالِهِمْ فَكَانَ مِنْ رَحْمَتِهِ بِعِبَادِهِ أَنْ رَبَّاهُمْ بِنَوْعَيِ التَّرْبِيَةِ كِلَيْهِمَا: التَّرْغِيبِ وَالتَّرْهِيبِ، كَمَا تَشْهَدُ بِذَلِكَ آيَاتُ الْقُرْآنِ الْكَثِيرَةُ (نَبِّئْ عِبَادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ وَأَنَّ عَذَابِي هُوَ الْعَذَابُ الْأَلِيمُ) (15: 49 - 50) .
(إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ مَا هِيَ الْعِبَادَةُ؟ يَقُولُونَ هِيَ الطَّاعَةُ مَعَ غَايَةِ الْخُضُوعِ، وَمَا كُلُّ عِبَارَةٍ تُمَثِّلُ الْمَعْنَى تَمَامَ التَّمْثِيلِ، وَتُجَلِّيهِ لِلْأَفْهَامِ وَاضِحًا لَا يَقْبَلُ التَّأْوِيلَ، فَكَثِيرًا مَا يُفَسِّرُونَ الشَّيْءَ بِبَعْضِ لَوَازِمِهِ وَيُعَرِّفُونَ الْحَقِيقَةَ بِرُسُومِهَا، بَلْ يَكْتَفُونَ أَحْيَانًا بِالتَّعْرِيفِ اللَّفْظِيِّ وَيُبَيِّنُونَ الْكَلِمَةَ بِمَا يَقْرُبُ مِنْ مَعْنَاهَا، وَمِنْ ذَلِكَ هَذِهِ الْعِبَارَةُ الَّتِي شَرَحُوا بِهَا مَعْنَى الْعِبَادَةِ، فَإِنَّ فِيهَا إِجْمَالًا وَتَسَاهُلًا. وَإِنَّنَا إِذَا تَتَبَّعْنَا آيَ الْقُرْآنِ وَأَسَالِيبَ اللُّغَةِ وَاسْتِعْمَالَ الْعَرَبِ لِـ "عَبَدَ" وَمَا يُمَاثِلُهَا وَيُقَارِبُهَا فِي الْمَعْنَى - كَخَضَعَ وَخَنَعَ وَأَطَاعَ وَذَلَّ - نَجِدُ أَنَّهُ لَا شَيْءَ مِنْ هَذِهِ الْأَلْفَاظِ يُضَاهِي "عَبَدَ" وَيَحِلُّ مَحَلَّهَا وَيَقَعُ مَوْقِعَهَا، وَلِذَلِكَ قَالُوا: إِنَّ لَفْظَ "الْعِبَادِ" مَأْخُوذٌ مِنَ الْعِبَادَةِ، فَتَكْثُرُ إِضَافَتُهُ إِلَى اللهِ تَعَالَى، وَلَفْظَ "الْعَبِيدِ" تَكْثُرُ إِضَافَتُهُ إِلَى غَيْرِ اللهِ تَعَالَى؛ لِأَنَّهُ مَأْخُوذٌ مِنَ الْعُبُودِيَّةِ بِمَعْنَى الرِّقِّ، وَفَرْقٌ بَيْنَ الْعِبَادَةِ وَالْعُبُودِيَّةِ بِذَلِكَ الْمَعْنَى، وَمِنْ هُنَا قَالَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ: إِنَّ الْعِبَادَةَ لَا تَكُونُ فِي اللُّغَةِ إِلَّا لِلَّهِ تَعَالَى، وَلَكِنَّ اسْتِعْمَالَ الْقُرْآنِ يُخَالِفُهُ.
يَغْلُو الْعَاشِقُ فِي تَعْظِيمِ مَعْشُوقِهِ وَالْخُضُوعِ لَهُ غُلُوًّا كَبِيرًا حَتَّى يَفْنَى هَوَاهُ فِي هَوَاهُ، وَتَذُوبَ إِرَادَتُهُ فِي إِرَادَتِهِ، وَمَعَ ذَلِكَ لَا يُسَمَّى خُضُوعُهُ هَذَا عِبَادَةً بِالْحَقِيقَةِ، وَيُبَالِغُ كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ فِي تَعْظِيمِ الرُّؤَسَاءِ وَالْمُلُوكِ وَالْأُمَرَاءِ، فَتَرَى مِنْ خُضُوعِهِمْ لَهُمْ وَتَحَرِّيهِمْ مَرْضَاتَهُمْ مَا لَا تَرَاهُ مِنَ الْمُتَحَنِّثِينَ الْقَانِتِينَ، دَعْ سَائِرَ الْعَابِدِينَ، وَلَمْ يَكُنِ الْعَرَبُ يُسَمُّونَ شَيْئًا مِنْ هَذَا الْخُضُوعِ عِبَادَةً، فَمَا هِيَ الْعِبَادَةُ إِذًا؟
تَدَلُّ الْأَسَالِيبُ الصَّحِيحَةُ، وَالِاسْتِعْمَالُ الْعَرَبِيُّ الصُّرَاحُ عَلَى أَنَّ الْعِبَادَةَ ضَرْبٌ
مِنَ الْخُضُوعِ بَالِغٌ حَدَّ النِّهَايَةِ، نَاشِئٌ عَنِ اسْتِشْعَارِ الْقَلْبِ عَظَمَةً لِلْمَعْبُودِ لَا يَعْرِفُ مَنْشَأَهَا، وَاعْتِقَادِهِ بِسُلْطَةٍ لَهُ لَا يُدْرِكُ كُنْهَهَا وَمَاهِيَتَهَا. وَقُصَارَى مَا يَعْرِفُهُ مِنْهَا أَنَّهَا مُحِيطَةٌ بِهِ، وَلَكِنَّهَا فَوْقَ إِدْرَاكِهِ، فَمَنْ يَنْتَهِي إِلَى أَقْصَى الذُّلِّ لِمَلِكٍ مِنَ الْمُلُوكِ لَا يُقَالُ إِنَّهُ عَبَدَهُ وَإِنْ قَبَّلَ مَوْطِئَ أَقْدَامِهِ، مَا دَامَ سَبَبُ الذُّلِّ وَالْخُضُوعِ مَعْرُوفًا وَهُوَ الْخَوْفُ مِنْ ظُلْمِهِ الْمَعْهُودِ، أَوِ الرَّجَاءُ بِكَرَمِهِ الْمَحْدُودِ، اللهُمَّ إِلَّا بِالنِّسْبَةِ إِلَى الَّذِينَ يَعْتَقِدُونَ أَنَّ الْمُلْكَ قُوَّةٌ غَيْبِيَّةٌ سَمَاوِيَّةٌ أُفِيضَتْ عَلَى الْمُلُوكِ مِنَ الْمَلَأِ الْأَعْلَى، وَاخْتَارَتْهُمْ لِلِاسْتِعْلَاءِ عَلَى سَائِرِ أَهْلِ الدُّنْيَا، لِأَنَّهُمْ أَطْيَبُ النَّاسِ عُنْصُرًا، وَأَكْرَمُهُمْ جَوْهَرًا، وَهَؤُلَاءِ هُمُ الَّذِينَ انْتَهَى بِهِمْ هَذَا الِاعْتِقَادُ إِلَى الْكُفْرِ وَالْإِلْحَادِ، فَاتَّخَذُوا الْمُلُوكَ آلِهَةً وَأَرْبَابًا وَعَبَدُوهُمْ عِبَادَةً حَقِيقِيَّةً.
لِلْعِبَادَةِ صُوَرٌ كَثِيرَةٌ فِي كُلِّ دِينٍ مِنَ الْأَدْيَانِ شُرِعَتْ لِتَذْكِيرِ الْإِنْسَانِ بِذَلِكَ الشُّعُورِ بِالسُّلْطَانِ الْإِلَهِيِّ الْأَعْلَى الَّذِي هُوَ رُوحُ الْعِبَادَةِ وَسِرُّهَا، وَلِكُلِّ عِبَادَةٍ مِنَ الْعِبَادَاتِ الصَّحِيحَةِ أَثَرٌ فِي تَقْوِيمِ أَخْلَاقِ الْقَائِمِ بِهَا وَتَهْذِيبِ نَفْسِهِ، وَالْأَثَرُ إِنَّمَا يَكُونُ عَنْ ذَلِكَ الرُّوحِ، وَالشُّعُورِ الَّذِي قُلْنَا إِنَّهُ مَنْشَأُ التَّعْظِيمِ وَالْخُضُوعِ، فَإِذَا وُجِدَتْ صُورَةُ الْعِبَادَةِ خَالِيَةً مِنْ هَذَا الْمَعْنَى لَمْ تَكُنْ عِبَادَةً، كَمَا أَنَّ صُورَةَ الْإِنْسَانِ وَتِمْثَالَهُ لَيْسَ إِنْسَانًا.
خُذْ إِلَيْكَ عِبَادَةَ الصَّلَاةِ مَثَلًا، وَانْظُرْ كَيْفَ أَمَرَ اللهُ بِإِقَامَتِهَا دُونَ مُجَرَّدِ الْإِتْيَانِ بِهَا، وَإِقَامَةُ الشَّيْءِ: هِيَ الْإِتْيَانُ بِهِ مُقَوَّمًا كَامِلًا يَصْدُرُ عَنْ عِلَّتِهِ وَتَصْدُرُ عَنْهُ آثَارُهُ. وَآثَارُ الصَّلَاةِ وَنَتَائِجُهَا هِيَ مَا أَنْبَأَنَا اللهُ تَعَالَى بِهَا بِقَوْلِهِ: (إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ) (29: 45) وَقَوْلِهِ - عَزَّ وَجَلَّ: (إِنَّ الْإِنْسَانَ خُلِقَ هَلُوعًا إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعًا وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعًا إِلَّا الْمُصَلِّينَ) (70: 19 - 22) وَقَدْ تَوَعَّدَ الَّذِينَ يَأْتُونَ بِصُورَةِ الصَّلَاةِ مِنَ الْحَرَكَاتِ وَالْأَلْفَاظِ مَعَ السَّهْوِ عَنْ مَعْنَى الْعِبَادَةِ وَسِرِّهَا فِيهَا الْمُؤَدِّي إِلَى غَايَتِهَا بِقَوْلِهِ: (فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ الَّذِينَ هُمْ يُرَاءُونَ وَيَمْنَعُونَ الْمَاعُونَ) (107: 4 - 7) فَسَمَّاهُمْ مُصَلِّينَ، لِأَنَّهُمْ أَتَوْا بِصُورَةِ الصَّلَاةِ، وَوَصَفَهُمْ بِالسَّهْوِ عَنِ الصَّلَاةِ الْحَقِيقِيَّةِ الَّتِي هِيَ تَوَجُّهُ الْقَلْبِ إِلَى اللهِ تَعَالَى الْمُذَكِّرُ بِخَشْيَتِهِ، وَالْمُشْعِرُ لِلْقُلُوبِ
بِعِظَمِ سُلْطَانِهِ، ثُمَّ وَصَفَهُمْ بِأَثَرِ هَذَا السَّهْوِ وَهُوَ الرِّيَاءُ وَمَنْعُ الْمَاعُونِ. وَذَكَرَ الْأُسْتَاذُ الْإِمَامُ أَنَّ الرِّيَاءَ ضَرْبَانِ: رِيَاءُ النِّفَاقِ وَهُوَ الْعَمَلُ لِأَجْلِ رُؤْيَةِ النَّاسِ، وَرِيَاءُ الْعَادَةِ وَهُوَ الْعَمَلُ بِحُكْمِهَا مِنْ غَيْرِ مُلَاحِظَةِ مَعْنَى الْعَمَلِ وَسِرِّهِ وَفَائِدَتِهِ، وَلَا مُلَاحَظَةِ مَنْ يَعْمَلُ لَهُ وَيَتَقَرَّبُ إِلَيْهِ بِهِ، وَهُوَ مَا عَلَيْهِ أَكْثَرُ النَّاسِ، فَإِنَّ صَلَاةَ أَحَدِهِمْ فِي طَوْرِ الرُّشْدِ وَالْعَقْلِ هِيَ عَيْنُ مَا كَانَ يُحَاكِي بِهِ أَبَاهُ فِي طَوْرِ الطُّفُولِيَّةِ عِنْدَمَا يَرَاهُ يُصَلِّي - يَسْتَمِرُّ عَلَى ذَلِكَ بِحُكْمِ الْعَادَةِ مِنْ غَيْرِ فَهْمٍ وَلَا عَقْلٍ، وَلَيْسَ لِلَّهِ شَيْءٌ فِي هَذِهِ الصَّلَاةِ، وَقَدْ وَرَدَ فِي بَعْضِ الْأَحَادِيثِ: أَنَّ "مَنْ لَمْ تَنْهَهُ صَلَاتُهُ عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ لَمْ يَزْدَدْ مِنَ اللهِ إِلَّا بُعْدًا" وَأَنَّهَا تُلَفُّ كَمَا يُلَفُّ
الثَّوْبُ الْبَالِي وَيُضْرَبُ بِهَا وَجْهُهُ "وَأَمَّا الْمَاعُونُ فَهُوَ الْمَعُونَةُ وَالْخَيْرُ الَّذِي تَقَدَّمَ فِي الْآيَةِ الْأُخْرَى أَنَّ مِنْ شَأْنِ الْإِنْسَانِ أَنْ يَكُونَ مَنُوعًا لَهُ إِلَّا الْمُصَلِّينَ."
وَالِاسْتِعَانَةُ: طَلَبُ الْمَعُونَةِ، وَهِيَ إِزَالَةُ الْعَجْزِ وَالْمُسَاعَدَةُ عَلَى إِتْمَامِ الْعَمَلِ الَّذِي يَعْجِزُ الْمُسْتَعِينُ عَنِ الِاسْتِقْلَالِ بِهِ بِنَفْسِهِ.
ثُمَّ تَكَلَّمَ الْأُسْتَاذُ الْإِمَامُ عَلَى حَصْرِ الْعِبَادَةِ وَالِاسْتِعَانَةِ فِي اللهِ تَعَالَى الَّذِي دَلَّ عَلَيْهِ تَقْدِيمُ الْمَفْعُولِ (إِيَّاكَ) عَلَى الْفِعْلِ (نَعْبُدُ) وَ (نَسْتَعِينُ) فَقَالَ مَا مِثَالُهُ:
أَمَرَنَا اللهُ تَعَالَى بِأَلَّا نَعْبُدَ غَيْرَهُ؛ لِأَنَّ السُّلْطَةَ الْغَيْبِيَّةَ الَّتِي هِيَ وَرَاءَ الْأَسْبَابِ لَيْسَتْ إِلَّا لَهُ دُونَ غَيْرِهِ، فَلَا يُشَارِكُهُ فِيهَا أَحَدٌ فَيُعَظَّمُ تَعْظِيمَ الْعِبَادَةِ، وَأَمَرَنَا بِأَلَّا نَسْتَعِينَ بِغَيْرِهِ أَيْضًا، وَهَذَا يَحْتَاجُ إِلَى الْبَيَانِ؛ لِأَنَّهُ أَمَرَنَا أَيْضًا فِي آيَاتٍ أُخْرَى بِالتَّعَاوُنِ: (وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى) (5: 2) فَمَا مَعْنَى حَصْرِ الِاسْتِعَانَةِ بِهِ مَعَ ذَلِكَ؟
الْجَوَابُ: أَنَّ كُلَّ عَمَلٍ يَعْمَلُهُ الْإِنْسَانُ تَتَوَقَّفُ ثَمَرَتُهُ وَنَجَاحُهُ عَلَى حُصُولِ الْأَسْبَابِ الَّتِي اقْتَضَتِ الْحِكْمَةُ الْإِلَهِيَّةُ أَنْ تَكُونَ مُؤَدِّيَةً إِلَيْهِ وَانْتِفَاءِ الْمَوَانِعِ الَّتِي مِنْ شَأْنِهَا بِمُقْتَضَى الْحِكْمَةِ أَنْ تَحُولَ دُونَهُ وَقَدْ مَكَّنَ اللهُ تَعَالَى الْإِنْسَانَ بِمَا أَعْطَاهُ مِنَ الْعِلْمِ وَالْقُوَّةِ مِنْ دَفْعِ بَعْضِ الْمَوَانِعِ وَكَسْبِ بَعْضِ الْأَسْبَابِ، وَحَجَبَ عَنْهُ الْبَعْضَ الْآخَرَ، فَيَجِبُ عَلَيْنَا أَنْ نَقُومَ بِمَا فِي اسْتِطَاعَتِنَا مِنْ ذَلِكَ. وَنَبْذُلَ فِي إِتْقَانِ أَعْمَالِنَا كُلَّ مَا نَسْتَطِيعُ مِنْ حَوْلٍ وَقُوَّةٍ، وَأَنْ نَتَعَاوَنَ وَيُسَاعِدَ بَعْضُنَا بَعْضًا عَلَى ذَلِكَ. وَنُفَوِّضَ الْأَمْرَ فِيمَا وَرَاءَ كَسْبِنَا إِلَى الْقَادِرِ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ، وَنَلْجَأَ إِلَيْهِ وَحْدَهُ، وَنَطْلُبَ الْمَعُونَةَ الْمُتَمِّمَةَ لِلْعَمَلِ
وَالْمُوَاصَلَةِ لِثَمَرَتِهِ مِنْهُ سُبْحَانَهُ دُونَ سِوَاهُ، إِذْ لَا يَقْدِرُ عَلَى مَا وَرَاءَ الْأَسْبَابِ الْمَمْنُوحَةِ لِكُلِّ الْبِشْرِ عَلَى السَّوَاءِ إِلَّا مُسَبِّبُ الْأَسْبَابِ، وَرَبُّ الْأَرْبَابِ، فَقَوْلُهُ تَعَالَى: "(وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ" مُتَمِّمٌ لِمَعْنَى قَوْلِهِ: "(إِيَّاكَ نَعْبُدُ" لِأَنَّ الِاسْتِعَانَةَ بِهَذَا الْمَعْنَى فَزَعٌ مِنَ الْقَلْبِ إِلَى اللهِ وَتَعَلُّقٌ مِنَ النَّفْسِ بِهِ، وَذَلِكَ مِنْ مُخِّ الْعِبَادَةِ، فَإِذَا تَوَجَّهَ الْعَبْدُ بِهَا إِلَى غَيْرِ اللهِ تَعَالَى كَانَ ضَرْبًا مِنْ ضُرُوبِ الْعِبَادَةِ الْوَثَنِيَّةِ الَّتِي كَانَتْ ذَائِعَةً فِي زَمَنِ التَّنْزِيلِ وَقَبْلَهُ، وَخُصَّتْ بِالذِّكْرِ لِئَلَّا يَتَوَهَّمَ الْجُهَلَاءُ أَنَّ الِاسْتِعَانَةَ بِمَنِ اتَّخَذُوهُمْ أَوْلِيَاءَ مَنْ دُونِ اللهِ، وَاسْتَعَانُوا بِهِمْ فِيمَا وَرَاءَ الْأَسْبَابِ الْمُكْتَسِبَةِ لِعَامَّةِ النَّاسِ، هِيَ كَالِاسْتِعَانَةِ بِسَائِرِ النَّاسِ فِي الْأَسْبَابِ الْعَامَّةِ، فَأَرَادَ الْحَقُّ جَلَّ شَأْنُهُ أَنْ يَرْفَعَ هَذَا اللَّبْسَ عَنْ عِبَادِهِ بِبَيَانِ أَنَّ الِاسْتِعَانَةَ بِالنَّاسِ فِيمَا هُوَ فِي اسْتِطَاعَةِ النَّاسِ إِنَّمَا هُوَ ضَرْبٌ مِنَ اسْتِعْمَالِ الْأَسْبَابِ الْمَسْنُونَةِ، وَمَا مَنْزِلَتُهَا إِلَّا كَمَنْزِلَةِ الْآلَاتِ فِيمَا هِيَ آلَاتٌ لَهُ، بِخِلَافِ الِاسْتِعَانَةِ بِهِمْ فِي شُئُونٍ تَفُوقُ الْقُدْرَةَ وَالْقُوَى الْمَوْهُوبَةَ لَهُمْ، وَالْأَسْبَابَ الْمُشْتَرِكَةَ بَيْنَهُمْ، كَالِاسْتِعَانَةِ فِي شِفَاءِ الْمَرَضِ بِمَا وَرَاءَ الدَّوَاءِ، وَعَلَى غَلَبَةِ الْعَدُوِّ بِمَا وَرَاءَ الْعُدَّةِ وَالْعِدَّةِ، فَإِنَّ ذَلِكَ مِمَّا لَا يَجُوزُ الْفَزَعُ وَالتَّوَجُّهُ فِيهِ إِلَى غَيْرِ اللهِ تَعَالَى صَاحِبِ السُّلْطَانِ الْأَعْظَمِ، عَلَى مَا لَا يَصِلُ إِلَيْهِ سُلْطَانُ أَحَدٍ مِنَ الْعَالَمِ:
ضَرَبَ الْأُسْتَاذُ الْإِمَامُ مَثَلًا لِذَلِكَ، الزَّارِعُ يَبْذُلُ جُهْدَهُ فِي الْحَرْثِ وَالْعَزْقِ وَتَسْمِيدِ الْأَرْضِ وَرَيِّهَا، وَيَسْتَعِينُ بِاللهِ تَعَالَى عَلَى إِتْمَامِ ذَلِكَ بِمَنْعِ الْآفَاتِ وَالْجَوَائِحِ السَّمَاوِيَّةِ أَوِ الْأَرْضِيَّةِ، وَمَثَّلَ بِالتَّاجِرِ يَحْذِقُ فِي اخْتِيَارِ الْأَصْنَافِ، وَيَمْهَرُ فِي صِنَاعَةِ التَّرْوِيجِ، ثُمَّ يَتَوَكَّلُ عَلَى اللهِ فِيمَا بَعْدَ ذَلِكَ. ثُمَّ قَالَ: وَمِنْ هُنَا تَعْلَمُونَ أَنَّ الَّذِينَ يَسْتَعِينُونَ بِأَصْحَابِ الْأَضْرِحَةِ وَالْقُبُورِ عَلَى قَضَاءِ حَوَائِجِهِمْ، وَتَيْسِيرِ أُمُورِهِمْ، وَشِفَاءِ أَمْرَاضِهِمْ، وَنَمَاءِ حَرْثِهِمْ وَزَرْعِهِمْ، وَهَلَاكِ أَعْدَائِهِمْ، وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْمَصَالِحِ، هُمْ عَنْ صِرَاطِ التَّوْحِيدِ نَاكِبُونَ، وَعَنْ ذِكْرِ اللهِ مُعْرِضُونَ. أَرْشَدَتْنَا هَذِهِ الْكَلِمَةُ الْوَجِيزَةُ "(وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ" إِلَى أَمْرَيْنِ عَظِيمَيْنِ هُمَا مِعْرَاجُ السَّعَادَةِ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ:
(أَحَدُهُمَا) : أَنْ نَعْمَلَ الْأَعْمَالَ النَّافِعَةَ، وَنَجْتَهِدَ فِي إِتْقَانِهَا مَا اسْتَطَعْنَا؛ لِأَنَّ طَلَبَ الْمَعُونَةِ لَا يَكُونُ إِلَّا عَلَى عَمَلٍ بَذَلَ فِيهِ الْمَرْءُ طَاقَتَهُ فَلَمْ
يُوَفِّهِ حَقَّهُ، أَوْ يَخْشَى أَلَّا يَنْجَحَ فِيهِ، فَيَطْلُبَ الْمَعُونَةَ عَلَى إِتْمَامِهِ وَكَمَالِهِ، فَمَنْ وَقَعَ مِنْ يَدِهِ الْقَلَمُ عَلَى الْمَكْتَبِ لَا يَطْلُبُ الْمَعُونَةَ مَنْ أَحَدٍ عَلَى إِمْسَاكِهِ، وَمَنْ وَقَعَ تَحْتَ عِبْءٍ ثَقِيلٍ يَعْجَزُ عَنِ النُّهُوضِ بِهِ وَحْدَهُ، يَطْلُبُ الْمَعُونَةَ مِنْ غَيْرِهِ عَلَى رَفْعِهِ، وَلَكِنْ بَعْدَ اسْتِفْرَاغِ الْقُوَّةِ فِي الِاسْتِقْلَالِ بِهِ، وَهَذَا الْأَمْرُ هُوَ مِرْقَاةُ السَّعَادَةِ الدُّنْيَوِيَّةِ، وَرُكْنٌ مِنْ أَرْكَانِ السَّعَادَةِ الْأُخْرَوِيَّةِ.
(ثَانِيهِمَا) : مَا أَفَادَهُ الْحَصْرُ مِنْ وُجُوبِ تَخْصِيصِ الِاسْتِعَانَةِ بِاللهِ تَعَالَى وَحْدَهُ فِيمَا وَرَاءَ ذَلِكَ، وَهُوَ رُوحُ الدِّينِ، وَكَمَالُ التَّوْحِيدِ الْخَالِصِ الَّذِي يَرْفَعُ نُفُوسَ مُعْتَقِدِيهِ وَيُخَلِّصُهَا مِنْ رِقِّ الْأَغْيَارِ، وَيَفُكُّ إِرَادَتَهُمْ مِنْ أَسْرِ الرُّؤَسَاءِ الرُّوحَانِيِّينَ، وَالشُّيُوخِ الدَّجَّالِينَ، وَيُطْلِقُ عَزَائِمَهُمْ مَنْ قَيْدِ الْمُهَيْمِنِينَ الْكَاذِبِينَ، مِنَ الْأَحْيَاءِ وَالْمَيِّتِينَ، فَيَكُونُ الْمُؤْمِنُ مَعَ النَّاسِ حُرًّا خَالِصًا وَسَيِّدًا كَرِيمًا، وَمَعَ اللهِ عَبْدًا خَاضِعًا (وَمَنْ يُطِعِ اللهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا) (33: 71) .
وَأَقُولُ أَيْضًا: عِبَادَةُ اللهِ تَعَالَى هِيَ غَايَةُ الشُّكْرِ لَهُ فِي الْقِيَامِ بِمَا يَجِبُ لِأُلُوهِيَّتِهِ، وَاسْتِعَانَتُهُ هِيَ غَايَةُ الشُّكْرِ لَهُ فِي الْقِيَامِ بِمَا يَجِبُ لِرُبُوبِيَّتِهِ، أَمَّا الْأَوَّلُ فَظَاهِرٌ؛ لِأَنَّهُ هُوَ الْإِلَهُ الْحَقُّ فَلَا يُعْبَدُ بِحَقٍّ سِوَاهُ، وَأَمَّا الثَّانِي: فَلِأَنَّهُ هُوَ الْمُرَبِّي لِلْعِبَادِ الَّذِي وَهَبَ لَهُمْ جَمِيعَ مَا تَكْمُلُ بِهِ تَرْبِيَتُهُمُ الصُّورِيَّةُ وَالْمَعْنَوِيَّةُ، وَمِنْ هُنَا تَعْلَمُ أَنَّ إِيرَادَ ذِكْرِ الْعِبَادَةِ وَالِاسْتِعَانَةِ بَعْدَ ذِكْرِ اسْمِ الْجَلَالَةِ الْأَعْظَمِ، وَاسْمِ الرَّبِّ الْأَكْرَمِ، إِنَّمَا هُوَ لِتَرَتُّبِهِمَا عَلَيْهِمَا مِنْ قَبِيلِ تَرْتِيبِ النَّشْرِ عَلَى اللَّفِّ. وَالِاسْتِعَانَةُ بِهَذَا الْمَعْنَى تَرَادِفُ التَّوَكُّلَ عَلَى اللهِ وَتَحُلُّ مَحَلَّهُ، وَهُوَ كَمَالُ التَّوْحِيدِ وَالْعِبَادَةِ الْخَالِصَةِ، وَلِذَلِكَ جَمَعَ الْقُرْآنُ بَيْنَهُمَا فِي مِثْلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: (وَلِلَّهِ غَيْبُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الْأَمْرُ كُلُّهُ فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ) (11: 123) .
فَهَذِهِ الِاسْتِعَانَةُ هِيَ ثَمَرَةُ التَّوْحِيدِ وَاخْتِصَاصُ اللهِ تَعَالَى بِالْعِبَادَةِ، فَإِنَّ مِنْ مَعْنَى الْعِبَادَةِ: الشُّعُورَ بِأَنَّ السُّلْطَةَ الْغَيْبِيَّةَ الَّتِي هِيَ وَرَاءَ الْأَسْبَابِ الْعَامَّةِ، الْمَوْهُوبَةِ مِنَ اللهِ تَعَالَى لِعِبَادِهِ كَافَّةً، هِيَ لِلَّهِ وَحْدَهُ، كَمَا تَنْطِقُ بِهِ الْآيَةُ الَّتِي اسْتَشْهَدْنَا بِهَا آنِفًا عَلَى قَرْنِ الْعِبَادَةِ بِالتَّوَكُّلِ، فَمَنْ كَانَ
مُوَحِّدًا خَالِصًا لَا يَسْتَعِينُ بِغَيْرِ اللهِ تَعَالَى قَطُّ، فَمَا كَانَ مِنْ أَنْوَاعِ الْمَعُونَةِ دَاخِلًا فِي حَلَقَاتِ سِلْسِلَةِ الْأَسْبَابِ كَانَ طَلَبَهُ بِسَبَبِهِ طَلَبًا مِنَ اللهِ تَعَالَى وَلَكِنَّهُ يَحْتَاجُ فِي تَحَقُّقِ ذَلِكَ إِلَى قَصْدٍ وَمُلَاحَظَةٍ وَشُهُودٍ قَلْبِيٍّ، وَمَا كَانَ غَيْرَ
دَاخِلٍ فِيهَا يَتَوَجَّهُ فِي طَلَبِهِ إِلَى اللهِ تَعَالَى بِلَا وَاسِطَةٍ وَلَا حِجَابٍ، وَبِهَذَا الْبَيَانِ تَعْلَمُ أَنَّهُ لَا مُنَافَاةَ بَيْنَ التَّوْحِيدِ وَالتَّوَكُّلِ وَبَيْنَ الْأَخْذِ بِالْأَسْبَابِ وَإِقَامَةِ سُنَنِ اللهِ تَعَالَى فِيهَا، بَلِ الْكَمَالُ وَالْأَدَبُ فِي الْجَمْعِ بَيْنَهُمَا، فَالسَّيِّدُ الْمَالِكُ إِذَا نَصَبَ لِعَبْدِهِ وَخَدَمِهِ مَائِدَةً يَأْكُلُونَ مِنْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا، وَجَعَلَ لَهُمْ خَدَمًا يَقُومُونَ بِأَمْرِهَا، لَا يَكُونُ طَلَبُ الطَّعَامِ مِنْهُ إِلَّا بِالِاخْتِلَافِ إِلَى الْمَائِدَةِ، وَإِنَّمَا يَنْبَغِي أَلَّا يَغْفُلُوا بِهَا وَبِخَدَمِهَا عَنْ ذِكْرِ صَاحِبِ الْفَضْلِ الَّذِي أَنْشَأَهَا بِمَالِهِ وَسَخَّرَ أُولَئِكَ الْخَدَمَ لِلْآكِلِينَ عَلَيْهَا، وَلَا عَنْ حَمْدِهِ وَشُكْرِهِ، فَهَذَا مِثَالُ مَائِدَةِ الْكَوْنِ بِأَسْبَابِهِ وَمُسَبِّبَاتِهِ، وَالْعَبْدُ إِذَا احْتَاجَ شَيْئًا مِنَ الْأَشْيَاءِ الَّتِي لَمْ يَجْعَلْهَا سَيِّدُهُ مَبْذُولَةً لِجَمِيعِ عَبِيدِهِ فِي كُلِّ وَقْتٍ، طَلَبَهُ مِنْهُ دُونَ سِوَاهُ، فَإِنْ أَظْهَرَ الْحَاجَةَ إِلَى غَيْرِهِ كَانَ ذَلِكَ مِنْ قِلَّةِ ثِقَتِهِ بِمَوْلَاهُ، وَجَعَلَ ذَلِكَ الْغَيْرَ فِي مَرْتَبَتِهِ أَوْ أَجْدَرَ مِنْهُ بِالْفَضْلِ. هَذَا فِي الْعَبِيدِ مَعَ السَّادَةِ الَّذِينَ لَهُمْ نُظَرَاءٌ وَأَنْدَادٌ، فَكَيْفَ إِذَا كَانَ الْعَبْدُ الَّذِي يَتَوَجَّهُ إِلَى غَيْرِ مَوْلَاهُ، لَا يَجِدُ مَنْ يَتَوَجَّهُ إِلَيْهِ سِوَاهُ، إِلَّا أَمْثَالَهُ مِنَ الْعَبِيدِ الْمُحْتَاجِينَ إِلَى الْمَوْلَى مِثْلِهِ؛ لِأَنَّهُ هُوَ السَّيِّدُ الصَّمَدُ الَّذِي لَيْسَ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ؟
ثُمَّ إِنَّ لَفْظَ الِاسْتِعَانَةِ يُشْعِرُ بِأَنْ يَطْلُبَ الْعَبْدُ مِنَ الرَّبِّ تَعَالَى الْإِعَانَةَ عَلَى شَيْءٍ لَهُ فِيهِ كَسْبٌ لِيُعِينَهُ عَلَى الْقِيَامِ بِهِ، وَفِي هَذَا تَكْرِيمٌ لِلْإِنْسَانِ بِجَعْلِ عَمَلِهِ أَصْلًا فِي كُلِّ مَا يَحْتَاجُ إِلَيْهِ لِإِتْمَامِ تَرْبِيَةِ نَفْسِهِ وَتَزْكِيَتِهَا، وَإِرْشَادٍ لَهُ إِلَى أَنَّ تَرْكَ الْعَمَلِ وَالْكَسْبِ، لَيْسَ مِنْ سُنَّةِ الْفِطْرَةِ وَلَا مِنْ هَدْيِ الشَّرِيعَةِ، فَمَنْ تَرَكَهُ كَانَ كَسُولًا مَذْمُومًا لَا مُتَوَكِّلًا مَحْمُودًا، وَبِتَذْكِيرِهِ مِنْ جِهَةٍ أُخْرَى بِضَعْفِهِ لِكَيْلَا يَغْتَرَّ، فَيَتَوَهَّمَ أَنَّهُ مُسْتَغْنٍ بِكَسْبِهِ عَنْ عِنَايَةِ رَبِّهِ، فَيَكُونَ مِنَ الْهَالِكِينَ فِي عَاقِبَةِ أَمْرِهِ.
إِذَا تَدَبَّرْتَ هَذَا فَهِمْتَ مِنْهُ نُكْتَةً مِنْ نُكَتِ تَقْدِيمِ الْعِبَادَةِ عَلَى الِاسْتِعَانَةِ، وَهِيَ أَنَّ الثَّانِيَةَ ثَمَرَةٌ لِلْأَوْلَى، وَلَا يُنَافِي هَذَا أَنَّ الْعِبَادَةَ نَفْسَهَا مِمَّا يُسْتَعَانُ عَلَيْهِ بِاللهِ تَعَالَى لِيُوَفَّقَ الْعَابِدُ لِلْإِتْيَانِ بِهَا عَلَى الْوَجْهِ الْمُرْضِي لَهُ - عَزَّ وَجَلَّ -. لَا مُنَافَاةَ بَيْنَ الْأَمْرَيْنِ؛ لِأَنَّ الثَّمَرَةَ الَّتِي تَخْرُجُ مِنَ الشَّجَرَةِ تَكُونُ حَاوِيَةً لِلنَّوَاةِ الَّتِي تَخْرُجُ مِنْهَا شَجَرَةٌ أُخْرَى. فَالْعِبَادَةُ تَكُونُ سَبَبًا لِلْمَعُونَةِ مِنْ وَجْهٍ، وَالْمَعُونَةُ تَكُونُ سَبَبًا لِلْعِبَادَةِ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ، كَذَلِكَ الْأَعْمَالُ تُكَوِّنُ الْأَخْلَاقَ الَّتِي هِيَ مَنَاشِئُ الْأَعْمَالِ، فَكُلٌّ مِنْهُمَا سَبَبٌ وَمُسَبَّبٌ وَعِلَّةٌ وَمَعْلُولٌ، وَالْجِهَةُ مُخْتَلِفَةٌ فَلَا دَوْرَ فِي الْمَسْأَلَةِ.
وَأَقُولُ أَيْضًا إِنَّ نُكْتَةَ تَقْدِيمِ "إِيَّاكِ" عَلَى الْفِعْلَيْنِ "نَعْبُدُ، وَنَسْتَعِينُ" هِيَ إِفَادَةُ الِاخْتِصَاصِ وَالْحَصْرِ عَلَى الْمَشْهُورِ الَّذِي جَرَى عَلَيْهِ الْأُسْتَاذُ الْإِمَامُ كَغَيْرِهِ فَالْمَعْنَى إِذًا: نَعْبُدُكَ وَلَا نَعْبُدُ غَيْرَكَ وَنَسْتَعِينُكَ وَلَا نَسْتَعِينُ بِسِوَاكَ. وَقَدِ اسْتَخْرَجَ لَهُ بَعْضُ الْغَوَّاصِينَ عَلَى الْمَعَانِي
نُكَتًا أُخْرَى (مِنْهَا) أَنَّ "إِيَّاكَ" ضَمِيرٌ رَاجِعٌ إِلَى اللهِ تَعَالَى، وَقِيلَ إِنَّ "إِيَّا" اسْمٌ ظَاهِرٌ مُضَافٌ إِلَى الضَّمِيرِ الَّذِي هُوَ الْكَافُ، فَتَقْدِيمُهُ عَلَى الْوَجْهَيْنِ يُؤْذِنُ بِالِاهْتِمَامِ بِهِ الَّذِي هُوَ الْعِلَّةُ الْأَصْلِيَّةُ الْعَامَّةُ لِلتَّقْدِيمِ فِي هَذِهِ اللُّغَةِ (وَمِنْهَا) أَنَّهُ مِنَ الْأَدَبِ أَيْضًا، (وَمِنْهَا) أَنَّ إِفَادَةَ الْحَصْرِ بِهَذَا الِاسْمِ أَوِ "الضَّمِيرِ" الْمُقَدَّمِ عَلَى الْفِعْلِ أَبْلَغُ مِنْ إِفَادَةِ الْحَصْرِ بِالضَّمِيرِ الْمُتَّصِلِ الَّذِي يُقْرَنُ بِهِ مَا يَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ مِنَ الْكَلِمِ، كَقَوْلِكَ: إِنَّمَا نَعْبُدُكَ وَإِنَّمَا نَسْتَعِينُكَ، أَوْ نَسْتَعِينُ بِكَ وَحْدَكَ وَإِعَادَةُ، إِيَّاكَ مَعَ الْفِعْلِ الثَّانِي يُفِيدُ أَنَّ كُلًّا مِنَ الْعِبَادَةِ وَالِاسْتِعَانَةِ مَقْصُودٌ بِالذَّاتِ فَلَا يَسْتَلْزِمُ كُلٌّ مِنْهُمَا الْآخَرَ. ذَلِكَ بِأَنَّ الِاسْتِعَانَةَ بِاللهِ تَعَالَى يَجِبُ أَنْ تَكُونَ عَامَّةً فِي كُلِّ شَيْءٍ، وَمِنَ النَّاسِ مَنْ لَا يَسْتَعِينُ بِاللهِ عَلَى شَيْءٍ مِنْ أَعْمَالِهِ الِاخْتِيَارِيَّةِ، زَعْمًا مِنْهُمْ أَنَّهُمْ يَسْتَقِلُّونَ بِذَلِكَ بِدُونِ إِعَانَةٍ خَاصَّةٍ مِنْهُ تَعَالَى كَالْقَدَرِيَّةِ. وَأَفْضَلُ الِاسْتِعَانَةِ مَا كَانَ عَلَى الطَّاعَةِ وَالْخَيْرِ، وَقَدْ أَخَذَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِيَدِ مُعَاذٍ يَوْمًا وَقَالَ: "وَاللهِ إِنِّي لِأُحِبُّكَ، أُوصِيكِ يَا مُعَاذُ لَا تَدَعَنَّ فِي دُبُرِ كُلِّ صَلَاةٍ أَنْ تَقُولَ:" اللهُمَّ أَعِنِّي عَلَى ذِكْرِكَ وَشُكْرِكَ عِبَادَتِكَ "وَقَدْ رَوَيْنَا هَذَا الْمَعْنَى فِي الْأَحَادِيثِ الْمُسَلْسَلَةِ. قَالَ لِي شَيْخُنَا أَبُو الْمَحَاسِنِ مُحَمَّدٌ الْقَاوَقْجِيُّ فِي طَرَابُلُسَ الشَّامِ:" إِنِّي أُحِبُّكَ فَقُلِ: اللهُمَّ أَعِنِّي عَلَى ذِكْرِكَ وَشُكْرِكَ وَحُسْنِ عِبَادَتِكَ "، قَالَ لِي شَيْخُنَا مُحَمَّدُ عَابِدٌ السَّنَدِيُّ فِي الْحَرَمِ النَّبَوِيِّ الشَّرِيفِ:" إِنِّي أُحِبُّكَ "إِلَخْ وَذَكَرَ سَنَدَهُ إِلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -."
(اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ
ذَكَرَ الْأُسْتَاذُ الْإِمَامُ أَوَّلًا مَا قَالُوهُ فِي مَعْنَى الْهِدَايَةِ لُغَةً مِنْ أَنَّهَا: الدَّلَالَةُ بِلُطْفٍ عَلَى مَا يُوَصِّلُ إِلَى الْمَطْلُوبِ، ثُمَّ بَيَّنَ أَنْوَاعَهَا وَمَرَاتِبَهَا فَقَالَ مَا مِثَالُهُ: مَنَحَ اللهُ تَعَالَى الْإِنْسَانَ أَرْبَعَ هِدَايَاتٍ يَتَوَصَّلُ بِهَا إِلَى سَعَادَتِهِ.
(أُولَاهَا) : هِدَايَةُ الْوُجْدَانِ الطَّبِيعِيِّ وَالْإِلْهَامُ الْفِطْرِيُّ. وَتَكُونُ لِلْأَطْفَالِ مُنْذُ وِلَادَتِهِمْ، فَإِنَّ الطِّفْلَ بَعْدَ مَا يُولَدُ
يَشْعُرُ بِأَلَمِ الْحَاجَةِ إِلَى الْغِذَاءِ فَيَصْرُخُ طَالِبًا لَهُ بِفِطْرَتِهِ، وَعِنْدَمَا يَصِلُ الثَّدْيُ إِلَى فِيهِ يُلْهَمُ الْتِقَامَهُ وَامْتِصَاصَهُ.
(الثَّانِيَةُ) : هِدَايَةُ الْحَوَّاسِ وَالْمَشَاعِرِ، وَهِيَ مُتَمِّمَةٌ لِلْهِدَايَةِ الْأُولَى فِي الْحَيَاةِ الْحَيَوَانِيَّةِ، وَيُشَارِكُ الْإِنْسَانَ فِيهِمَا الْحَيَوَانُ الْأَعْجَمُ، بَلْ هُوَ فِيهِمَا أَكْمَلُ مِنَ الْإِنْسَانِ، فَإِنَّ حَوَاسَّ الْحَيَوَانِ وَإِلْهَامَهُ يَكْمُلَانِ لَهُ بَعْدَ وِلَادَتِهِ بِقَلِيلٍ، بِخِلَافِ الْإِنْسَانِ فَإِنَّ ذَلِكَ يَكْمُلُ فِيهِ بِالتَّدْرِيجِ فِي زَمَنٍ غَيْرِ قَصِيرٍ، أَلَا تَرَاهُ عَقِبَ الْوِلَادَةِ لَا تَظْهَرُ عَلَيْهِ عَلَامَاتُ إِدْرَاكِ الْأَصْوَاتِ وَالْمَرْئِيَّاتِ، ثُمَّ بَعْدَ مُدَّةٍ يُبْصِرُ، وَلَكِنَّهُ لِقِصَرِ نَظَرِهِ يَجْهَلُ تَحْدِيدَ الْمَسَافَاتِ، فَيَحْسَبُ الْبَعِيدَ قَرِيبًا فَيَمُدُّ يَدَيْهِ إِلَيْهِ لِيَتَنَاوَلَهُ وَإِنْ كَانَ قَمَرَ السَّمَاءِ وَلَا يَزَالُ يَغْلَطُ حِسُّهُ حَتَّى فِي طَوْرِ الْكَمَالِ:
(الْهِدَايَةُ الثَّالِثَةُ) : الْعَقْلُ، خَلَقَ اللهُ الْإِنْسَانَ لِيَعِيشَ مُجْتَمِعًا وَلَمْ يُعْطَ مِنَ الْإِلْهَامِ وَالْوِجْدَانِ مَا يَكْفِي مَعَ الْحِسِّ الظَّاهِرِ لِهَذِهِ الْحَيَاةِ الِاجْتِمَاعِيَّةِ كَمَا أُعْطِيَ النَّحْلُ وَالنَّمْلُ، فَإِنَّ اللهَ قَدْ مَنَحَهَا
مِنَ الْإِلْهَامِ مَا يَكْفِيهَا، لِأَنْ تَعِيشَ مُجْتَمِعَةً يُؤَدِّي كُلٌّ وَاحِدٌ مِنْهَا وَظِيفَةَ الْعَمَلِ لِجَمِيعِهَا، وَيُؤَدِّي الْجَمِيعُ وَظِيفَةَ الْعَمَلِ لِلْوَاحِدِ، وَبِذَلِكَ قَامَتْ حَيَاةُ أَنْوَاعِهَا كَمَا هُوَ مُشَاهَدٌ.
أَمَّا الْإِنْسَانُ فَلَمْ يَكُنْ مِنْ خَاصَّةِ نَوْعِهِ أَنْ يَتَوَفَّرَ لَهُ مِثْلُ ذَلِكَ الْإِلْهَامُ، فَحَبَاهُ اللهُ هِدَايَةً هِيَ أَعْلَى مِنْ هِدَايَةِ الْحِسِّ وَالْإِلْهَامِ، وَهِيَ الْعَقْلُ الَّذِي يُصَحِّحُ غَلَطَ الْحَوَاسِّ وَالْمَشَاعِرِ وَيُبَيِّنُ أَسْبَابَهُ، وَذَلِكَ أَنَّ الْبَصَرَ يَرَى الْكَبِيرَ عَلَى الْبُعْدِ صَغِيرًا، وَيَرَى الْعُودَ الْمُسْتَقِيمَ فِي الْمَاءِ مُعْوَجًّا، وَالصَّفْرَاوِيَّ يَذُوقُ الْحُلْوَ مُرًّا. وَالْعَقْلُ هُوَ الَّذِي يَحْكُمُ بِفَسَادِ مِثْلِ هَذَا الْإِدْرَاكِ.
(الْهِدَايَةُ الرَّابِعَةُ) : الدِّينُ، يُغَلِّطُ الْعَقْلَ فِي إِدْرَاكِهِ كَمَا تَغْلَطُ الْحَوَاسُّ، وَقَدْ يُهْمِلُ الْإِنْسَانُ اسْتِخْدَامَ حَوَاسِّهِ وَعَقْلِهِ فِيمَا فِيهِ سَعَادَتُهُ الشَّخْصِيَّةُ النَّوْعِيَّةُ وَيَسْلُكُ بِهَذِهِ الْهِدَايَاتِ مَسَالِكَ الضَّلَالِ، فَيَجْعَلُهَا مُسَخَّرَةً لِشَهَوَاتِهِ وَلَذَّاتِهِ حَتَّى تُورِدَهُ مَوَارِدَ الْهَلَكَةِ. فَإِذَا وَقَعَتِ الْمَشَاعِرُ فِي مَزَالِقِ الزَّلَلِ، وَاسْتَرَقَّتِ الْحُظُوظُ وَالْأَهْوَاءُ الْعَقْلَ فَصَارَ يَسْتَنْبِطُ لَهَا ضُرُوبَ الْحِيَلِ، فَكَيْفَ يَتَسَنَّى لِلْإِنْسَانِ مَعَ ذَلِكَ أَنْ يَعِيشَ سَعِيدًا؟ وَهَذِهِ الْحُظُوظُ وَالْأَهْوَاءُ لَيْسَ لَهَا حَدٌّ يَقِفُ الْإِنْسَانُ عِنْدَهُ وَمَا هُوَ بِعَائِشٍ وَحْدَهُ، وَكَثِيرًا مَا تَتَطَاوَلُ بِهِ إِلَى مَا فِي يَدِ غَيْرِهِ، فَهِيَ لِهَذَا تَقْتَضِي أَنْ يَعْدُوَ بَعْضُ أَفْرَادِهِ عَلَى بَعْضٍ، فَيَتَنَازَعُونَ وَيَتَدَافَعُونَ، وَيَتَجَادَلُونَ وَيَتَجَالَدُونَ، وَيَتَوَاثَبُونَ وَيَتَنَاهَبُونَ
حَتَّى يُفْنِيَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا، وَلَا تُغْنِيَ عَنْهُمْ تِلْكَ الْهِدَايَاتُ شَيْئًا فَاحْتَاجُوا إِلَى هِدَايَةٍ تُرْشِدُهُمْ فِي ظُلُمَاتِ أَهْوَائِهِمْ، إِذَا هِيَ غَلَبَتْ عَلَى عُقُولِهِمْ، وَتُبَيِّنُ لَهُمْ حُدُودَ أَعْمَالِهِمْ لِيَقِفُوا عِنْدَهَا وَيَكُفُّوا أَيْدِيَهُمْ عَمَّا وَرَاءَهَا. ثُمَّ إِنَّ مِمَّا أُودِعَ فِي غَرَائِزِ الْإِنْسَانِ الشُّعُورُ بِسُلْطَةٍ غَيْبِيَّةٍ مُتَسَلِّطَةٍ عَلَى الْأَكْوَانِ يَنْسِبُ إِلَيْهَا كُلَّ مَا لَا يَعْرِفُ لَهُ سَبَبًا. لِأَنَّهَا هِيَ الْوَاهِبَةُ كُلَّ مَوْجُودٍ مَا بِهِ قِوَامُ وُجُودِهِ، وَبِأَنَّ لَهُ حَيَاةً وَرَاءَ هَذِهِ الْحَيَاةِ الْمَحْدُودَةِ، فَهَلْ يَسْتَطِيعُ أَنْ يَصِلَ بِتِلْكَ الْهِدَايَاتِ الثَّلَاثِ إِلَى تَحْدِيدِ مَا يَجِبُ عَلَيْهِ لِصَاحِبِ تِلْكَ السُّلْطَةِ الَّذِي خَلَقَهُ وَسَوَّاهُ، وَوَهَبَهُ هَذِهِ الْهِدَايَاتِ وَغَيْرَهَا، وَمَا فِيهِ سَعَادَتُهُ فِي تِلْكَ الْحَيَاةِ الثَّانِيَةِ؟ كَلَّا إِنَّهُ فِي أَشَدِّ الْحَاجَةِ إِلَى هَذِهِ الْهِدَايَةِ الرَّابِعَةِ - الدِّينِ - وَقَدْ مَنَحَهُ اللهُ تَعَالَى إِيَّاهَا.
أَشَارَ الْقُرْآنُ إِلَى أَنْوَاعِ الْهِدَايَةِ الَّتِي وَهَبَهَا اللهُ تَعَالَى لِلْإِنْسَانِ فِي آيَاتٍ كَثِيرَةٍ مِنْهَا قَوْلُهُ تَعَالَى: (وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ 90: 10) أَيْ طَرِيقَيِ السَّعَادَةِ وَالشَّقَاوَةِ وَالْخَيْرِ وَالشَّرِّ.
قَالَ الْأُسْتَاذُ الْإِمَامُ: وَهَذِهِ تَشْمَلُ هِدَايَةَ الْحَوَّاسِ الظَّاهِرَةِ وَالْبَاطِنَةِ، وَهِدَايَةَ الْعَقْلِ وَهِدَايَةَ الدِّينِ، وَمِنْهَا قَوْلُهُ تَعَالَى: (وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ فَاسْتَحَبُّوا الْعَمَى عَلَى الْهُدَى) (41: 17) أَيْ دَلَلْنَاهُمْ عَلَى طَرِيقَيِ الْخَيْرِ وَالشَّرِّ، فَسَلَكُوا سُبُلَ الشَّرِّ الْمُعَبِّرِ عَنْهُ بِالْعَمَى. وَذَكَرَ غَيْرَ هَاتَيْنِ الْآيَتَيْنِ مِمَّا فِي مَعْنَاهُمَا ثُمَّ قَالَ:
بَقِيَ مَعَنَا هِدَايَةٌ أُخْرَى وَهِيَ الْمُعَبَّرُ عَنْهَا بِقَوْلِهِ تَعَالَى: (أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهِ) (6: 90) فَلَيْسَ الْمُرَادُ مِنْ هَذِهِ الْهِدَايَةِ مَا سَبَقَ ذِكْرُهُ، فَالْهِدَايَةُ فِي الْآيَاتِ السَّابِقَةِ
بِمَعْنَى الدَّلَالَةِ، وَهِيَ بِمَنْزِلَةِ إِيقَافِ الْإِنْسَانِ عَلَى رَأْسِ الطَّرِيقَيْنِ: الْمُهْلِكُ، وَالْمُنْجِي، مَعَ بَيَانِ مَا يُؤَدِّي إِلَيْهِ كُلٌّ مِنْهُمَا، وَهِيَ مِمَّا تَفَضَّلَ اللهُ بِهِ عَلَى جَمِيعِ أَفْرَادِ الْبَشَرِ. وَأَمَّا هَذِهِ الْهِدَايَةُ فَهِيَ أَخَصُّ مِنْ تِلْكَ، وَالْمُرَادُ بِهَا إِعَانَتُهُمْ وَتَوْفِيقُهُمْ لِلسَّيْرِ فِي طَرِيقِ الْخَيْرِ وَالنَّجَاةُ مَعَ الدَّلَالَةِ، وَهِيَ لَمْ تَكُنْ مَمْنُوحَةً لِكُلِّ أَحَدٍ كَالْحَوَاسِّ وَالْعَقْلِ وَشَرْعِ الدِّينِ.
وَلَمَّا كَانَ الْإِنْسَانُ عُرْضَةً لِلْخَطَأِ وَالضَّلَالِ فِي فَهْمِ الدِّينِ وَفِي اسْتِعْمَالِ الْحَوَاسِّ وَالْعَقْلِ عَلَى مَا قَدَّمْنَا، كَانَ مُحْتَاجًا إِلَى الْمَعُونَةِ الْخَاصَّةِ، فَأَمَرَنَا اللهُ بِطَلَبِهَا مِنْهُ فِي قَوْلِهِ (اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ) فَمَعْنَى "(اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ" دُلَّنَا دَلَالَةً تَصْحَبُهَا مَعُونَةٌ غَيْبِيَّةٌ مِنْ لَدُنْكَ تَحَفَظُنَا بِهَا مِنَ الضَّلَالِ وَالْخَطَأِ، وَمَا كَانَ هَذَا أَوَّلَ دُعَاءٍ عَلَّمَنَا اللهُ إِيَّاهُ، إِلَّا لِأَنَّ حَاجَتَنَا إِلَيْهِ أَشَدُّ مِنْ حَاجَتِنَا إِلَى كُلِّ شَيْءٍ سِوَاهُ.
ثُمَّ بَيَّنَ مَعْنَى الصِّرَاطِ (وَهُوَ الطَّرِيقُ) وَاشْتِقَاقُهُ، وَقِرَاءَةُ الصِّرَاطِ بِالسِّينِ الْمُهْمَلَةِ وَاشْتِقَاقُهَا عَلَى نَحْوِ مَا فِي كُتُبِ اللُّغَةِ وَالتَّفْسِيرِ، وَمَعْنَى الْمُسْتَقِيمِ: وَهُوَ ضِدُّ الْمُعْوَجِّ، وَقَالَ: لَيْسَ الْمُرَادُ بِمُقَابِلِ الْمُسْتَقِيمِ الْمُعْوَجَّ ذَا التَّمَوُّجِ وَالتَّعَارِيجِ، بَلِ الْمُرَادُ: كُلُّ مَا فِيهِ انْحِرَافٌ عَنِ الْغَايَةِ الَّتِي يَجِبُ أَنْ يَنْتَهِيَ سَالِكُهُ إِلَيْهَا. وَالْمُسْتَقِيمُ فِي عُرْفِ الْهَنْدَسَةِ: أَقْرَبُ مُوَصِّلٍ بَيْنَ طَرَفَيْنِ، وَهَذَا الْمَعْنَى لَازِمٌ لِلْمَعْنَى اللُّغَوِيِّ كَمَا هُوَ ظَاهِرٌ بِالْبَدَاهَةِ. وَإِنَّمَا قُلْنَا: إِنَّ الْمُرَادَ بِمُقَابِلِ الْمُسْتَقِيمِ كُلُّ مَا فِيهِ انْحِرَافٌ؛ لِأَنَّ كُلَّ مَنْ يَمِيلُ وَيَنْحَرِفُ عَنِ الْجَادَّةِ يَكُونُ أَضَلَّ عَنِ الْغَايَةِ مِمَّنْ يَسِيرُ عَلَيْهَا فِي خَطٍّ ذِي تَعَارِيجَ؛ لِأَنَّ هَذَا الْأَخِيرَ قَدْ يَصِلُ إِلَى الْغَايَةِ بَعْدَ زَمَنٍ طَوِيلٍ. وَلَكِنَّ الْأَوَّلَ لَا يَصِلُ إِلَيْهَا أَبَدًا. بَلْ يَزْدَادُ عَنْهَا بُعْدًا كُلَّمَا أَوْغَلَ فِي السَّيْرِ وَانْهَمَكَ فِيهِ.
وَقَدْ قَالُوا: إِنَّ الْمُرَادَ بِالصِّرَاطِ الْمُسْتَقِيمِ، الدِّينُ، أَوِ الْحَقُّ، أَوِ الْعَدْلُ، أَوِ الْحُدُودُ.
وَنَحْنُ نَقُولُ: إِنَّهُ جُمْلَةُ مَا يُوَصِّلُنَا إِلَى سَعَادَةِ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ مِنْ عَقَائِدَ وَآدَابٍ وَأَحْكَامٍ وَتَعَالِيمَ.
لِمَ سُمِّيَ الْمُوَصِّلُ إِلَى السَّعَادَةِ مِنْ ذَلِكَ صِرَاطًا وَطَرِيقًا؟ خُذِ الْحَقَّ مَثَلًا وَهُوَ الْعِلْمُ الصَّحِيحُ بِاللهِ وَبِالنُّبُوَّةِ وَبِأَحْوَالِ الْكَوْنِ وَالنَّاسِ، تَرَى مَعْنَى الصِّرَاطِ فِيهِ وَاضِحًا؛ لِأَنَّ السَّبِيلَ أَوِ الصِّرَاطَ مَا أَسْلُكُهُ وَأَسِيرُ فِيهِ لِبُلُوغِ الْغَايَةِ الَّتِي أَقْصِدُهَا، كَذَلِكَ الْحَقُّ الَّذِي يُبَيِّنُ لِيَ الْوَاقِعَ الثَّابِتَ فِي الْعَقِيدَةِ الصَّحِيحَةِ هُوَ كَالْجَادَّةِ بَيْنَ السُّبُلِ الْمُتَفَرِّقَةِ الْمُضِلَّةِ، فَالطَّرِيقُ الْوَاضِحُ لِلْحِسِّ، يُشْبِهُ الْحَقَّ لِلْعَقْلِ وَالنَّفْسِ، سَيْرٌ حِسِّيٌّ، وَسَيْرٌ مَعْنَوِيٌّ، كَذَلِكَ إِذَا اعْتَبَرْتَ
هَذَا الْمَعْنَى فِي الْحُدُودِ وَالْأَحْكَامِ تَجِدُهُ وَاضِحًا - قَسَّمْتَ أَحْكَامَ الْأَعْمَالِ إِلَى: وَاجِبٍ، وَمَنْدُوبٍ، وَمُبَاحٍ، وَمُحَرَّمٍ وَمَكْرُوهٍ، فَكَانَ هَذَا مُرِيحًا لَنَا مِنْ تَمْيِيزِ الْخَيْرِ مِنَ الشَّرِّ بِأَنْفُسِنَا وَاجْتِهَادِنَا، فَبَيَانُ الْأَحْكَامِ بِالْهِدَايَةِ الْكُبْرَى
وَهِيَ الدِّينُ كَالطَّرِيقِ الْوَاضِحِ يُسْلَكُ بِالْعَمَلِ. وَمَعَ هَذَا تَجِدُ الشَّهَوَاتِ تَتَلَاعَبُ بِالْأَحْكَامِ وَتُرْجِعُهَا إِلَى أَهْوَائِهَا كَمَا يَصْرِفُ السُّفَهَاءُ عُقُولَهُمْ وَحَوَاسَّهُمْ فِيمَا يُرْدِيهِمْ. وَهَذَا التَّلَاعُبُ بِالدِّينِ إِنَّمَا يَصْدُرُ مِنْ عُلَمَائِهِ. وَضَرَبَ الْأُسْتَاذُ الْإِمَامُ لِذَلِكَ مَثَلًا أَحَدَ الشُّيُوخِ الْمُتَفَقِّهِينَ، سَرَقَ كِتَابًا مِنْ وَقْفِ أَحَدِ الْأَرْوِقَةِ فِي الْأَزْهَرِ مُسْتَحِلًّا لَهُ بِحُجَّةِ أَنَّ قَصْدَ الْوَاقِفِ الِانْتِفَاعُ بِهِ، وَهُوَ يَحْصُلُ بِوُجُودِ الْكِتَابِ عِنْدَهُ، وَأَنَّهُ قَدْ يَفُوتُ النَّفْعُ بِبَقَائِهِ فِي الرِّوَاقِ حَيْثُ وَضَعَهُ الْوَاقِفُ، إِذْ لَا يُوجَدُ فِيهِ مَنْ يَفْهَمُهُ مِثْلَهُ بِزَعْمِهِ! ! وَاسْتِحْلَالُ الْمُحَرَّمَاتِ بِمِثْلِ هَذَا التَّأْوِيلِ لَيْسَ بِقَلِيلٍ، وَلِذَلِكَ كَانَ الْإِنْسَانُ مُحْتَاجًا أَشَدَّ الِاحْتِيَاجِ إِلَى الْعِنَايَةِ الْإِلَهِيَّةِ الْخَاصَّةِ لِأَجْلِ الِاسْتِقَامَةِ وَالسَّيْرِ فِي تِلْكَ الْهِدَايَاتِ الْأَرْبَعِ سَيْرًا مُسْتَقِيمًا يُوَصِّلُ إِلَى السَّعَادَةِ. لِهَذَا نَبَّهْنَا اللهُ جَلَّ شَأْنُهُ أَنْ نَلْجَأَ إِلَيْهِ، وَنَسْأَلَهُ الْهِدَايَةَ لِيَكُونَ عَوْنًا لَنَا يَنْصُرَنَا عَلَى أَهْوَائِنَا وَشَهَوَاتِنَا، وَأَنْ تَكُونَ اسْتِعَانَتُنَا فِي ذَلِكَ بِهِ لَا بِسِوَاهُ، بَعْدَ أَنْ نَبْذُلَ مَا نَسْتَطِيعُ مِنَ الْفِكْرِ وَالْجِهَادِ فِي مَعْرِفَةِ مَا أُنْزِلُ إِلَيْنَا مِنَ الشَّرِيعَةِ وَالْأَحْكَامِ وَأَخْذِ أَنْفُسِنَا بِمَا نَعْلَمُ مِنْ ذَلِكَ. وَهَذَا أَفْضَلُ مَا نَطْلُبُ فِيهِ الْمَعُونَةَ مِنْهُ جَلَّ شَأْنُهُ لِاشْتِمَالِهِ عَلَى خَيْرَيِ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ. فَهُوَ بِهَذِهِ الْآيَةِ يُعَلِّمُنَا كَيْفَ نَسْتَعِينُ بَعْدَ أَنْ عَلَّمَنَا اخْتِصَاصَهُ بِالِاسْتِعَانَةِ فِي قَوْلِهِ: "وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ" .
(صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ (قَالَ الْأُسْتَاذُ) : الصِّرَاطُ الْمُسْتَقِيمُ: هُوَ الطَّرِيقُ الْمُوَصِّلُ إِلَى الْحَقِّ، وَلَكِنَّهُ تَعَالَى مَا بَيَّنَهُ بِذَلِكَ كَمَا بَيَّنَهُ فِي نَحْوِ سُورَةِ الْعَصْرِ وَإِنَّمَا بَيَّنَهُ بِإِضَافَتِهِ إِلَى مَنْ سَلَكَ هَذَا الصِّرَاطَ كَمَا قَالَ فِي سُورَةِ الْأَنْعَامِ: (فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهِ) وَقَدْ قُلْنَا: إِنَّ الْفَاتِحَةَ مُشْتَمِلَةٌ عَلَى إِجْمَالِ مَا فُصِّلَ فِي الْقُرْآنِ حَتَّى مِنَ الْأَخْبَارِ، الَّتِي هِيَ مِثْلُ الذِّكْرَى وَالِاعْتِبَارِ، وَيَنْبُوعُ الْعِظَةِ وَالِاسْتِبْصَارِ، وَأَخْبَارُ الْقُرْآنِ كُلُّهَا تَنْطَوِي فِي إِجْمَالِ هَذِهِ الْآيَةِ.
(قَالَ) : فَسَّرَ بَعْضُهُمُ الْمُنْعَمَ عَلَيْهِمْ بِالْمُسْلِمِينَ، وَالْمَغْضُوبَ عَلَيْهِمْ: بِالْيَهُودِ، وَالضَّالِّينَ بِالنَّصَارَى، وَنَحْنُ نَقُولُ إِنَّ الْفَاتِحَةَ أَوَّلُ سُورَةٍ نَزَلَتْ كَمَا قَالَ الْإِمَامُ عَلِيٌّ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، وَهُوَ أَعْلَمُ بِهَذَا مِنْ غَيْرِهِ؛ لِأَنَّهُ تَرَبَّى فِي حِجْرِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، وَأَوَّلُ مَنْ
آمَنَ بِهِ، وَإِنْ لَمْ تَكُنْ أَوَّلَ سُورَةٍ عَلَى الْإِطْلَاقِ فَلَا خِلَافَ فِي أَنَّهَا مِنْ أَوَائِلِ السُّوَرِ (كَمَا مَرَّ فِي الْمُقَدِّمَةِ)
وَلَمْ يَكُنِ الْمُسْلِمُونَ فِي أَوَّلِ نُزُولِ الْوَحْيِ بِحَيْثُ يَطْلُبُ الِاهْتِدَاءَ بِهُدَاهُمْ، وَمَا هُدَاهُمْ إِلَّا مِنَ الْوَحْيِ ثُمَّ هُمُ الْمَأْمُورُونَ بِأَنْ يَسْأَلُوا اللهَ أَنْ يَهْدِيَهُمْ هَذِهِ السَّبِيلَ، سَبِيلَ مَنْ أَنْعَمَ اللهُ عَلَيْهِمْ مِنْ قَبْلِهِمْ، فَأُولَئِكَ غَيْرُهُمْ، وَإِنَّمَا الْمُرَادُ بِهَذَا مَا جَاءَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: "(فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهِ" وَهُمُ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيَّيْنِ وَالصَّدِيقَيْنِ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ مِنَ الْأُمَمِ السَّالِفَةِ. فَقَدْ أَحَالَ عَلَى مَعْلُومٍ أَجْمَلَهُ فِي الْفَاتِحَةِ وَفَصَّلَهُ فِي سَائِرِ الْقُرْآنِ بِقَدْرِ الْحَاجَةِ، فَثَلَاثَةُ أَرْبَاعِ الْقُرْآنِ تَقْرِيبًا قَصَصٌ. وَتَوْجِيهٌ لِلْأَنْظَارِ إِلَى الِاعْتِبَارِ بِأَحْوَالِ الْأُمَمِ، فِي كُفْرِهِمْ وَإِيمَانِهِمْ، وَشَقَاوَتِهِمْ وَسَعَادَتِهِمْ، وَلَا شَيْءَ يَهْدِي الْإِنْسَانَ كَالْمَثُلَاتِ وَالْوَقَائِعِ. فَإِذَا امْتَثَلْنَا الْأَمْرَ وَالْإِرْشَادَ، وَنَظَرْنَا فِي أَحْوَالِ الْأُمَمِ السَّالِفَةِ، وَأَسْبَابِ عِلْمِهِمْ وَجَهْلِهِمْ، وَقُوَّتِهِمْ وَضَعْفِهِمْ، وَعِزِّهِمْ وَذُلِّهِمْ، وَغَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا يَعْرِضُ لِلْأُمَمِ - كَانَ لِهَذَا النَّظَرِ أَثَرٌ فِي نُفُوسِنَا يَحْمِلُنَا عَلَى حُسْنِ الْأُسْوَةِ وَالِاقْتِدَاءِ بِأَخْبَارِ تِلْكَ الْأُمَمِ فِيمَا كَانَ سَبَبَ السَّعَادَةِ وَالتَّمَكُّنِ فِي الْأَرْضِ، وَاجْتِنَابِ مَا كَانَ سَبَبَ الشَّقَاوَةِ أَوِ الْهَلَاكِ وَالدَّمَارِ. وَمِنْ هُنَا يَنْجَلِي لِلْعَاقِلِ شَأْنُ عِلْمِ التَّارِيخِ وَمَا فِيهِ مِنَ الْفَوَائِدِ وَالثَّمَرَاتِ، وَتَأْخُذُهُ الدَّهْشَةُ وَالْحَيْرَةُ إِذَا سَمِعَ أَنَّ كَثِيرًا مِنْ رِجَالِ الدِّينِ مِنْ أُمَّةٍ هَذَا كِتَابُهَا يُعَادُونَ التَّارِيخَ بِاسْمِ الدِّينِ وَيَرْغَبُونَ عَنْهُ، وَيَقُولُونَ: إِنَّهُ لَا حَاجَةَ إِلَيْهِ وَلَا فَائِدَةَ لَهُ. وَكَيْفَ لَا يُدْهَشُ وَيَحَارُ وَالْقُرْآنُ يُنَادِي بِأَنَّ مَعْرِفَةَ أَحْوَالِ الْأُمَمِ مِنْ أَهَمِّ مَا يَدْعُو إِلَيْهِ هَذَا الدِّينُ؟ (وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالسَّيِّئَةِ قَبْلَ الْحَسَنَةِ وَقَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِمُ الْمَثُلَاتُ) (13: 6) .
وَهَاهُنَا سُؤَالٌ وَهُوَ: كَيْفَ يَأْمُرُنَا اللهُ تَعَالَى بِاتِّبَاعِ صِرَاطِ مَنْ تَقَدَّمَنَا وَعِنْدَنَا أَحْكَامٌ وَإِرْشَادَاتٌ لَمْ تَكُنْ عِنْدَهُمْ، وَبِذَلِكَ كَانَتْ شَرِيعَتُنَا أَكْمَلَ مِنْ شَرَائِعِهِمْ، وَأَصْلَحَ لِزَمَانِنَا وَمَا بَعْدَهُ؟ وَالْقُرْآنُ يُبَيِّنُ لَنَا الْجَوَابَ وَهُوَ أَنَّهُ يُصَرِّحُ بِأَنَّ دِينَ اللهِ فِي جَمِيعِ الْأُمَمِ وَاحِدٌ، وَإِنَّمَا تَخْتَلِفُ الْأَحْكَامُ بِالْفُرُوعِ الَّتِي تَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ الزَّمَانِ، وَأَمَّا الْأُصُولُ فَلَا خِلَافَ فِيهَا. قَالَ تَعَالَى: (قُلْ يَاأَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ) (3: 64) الْآيَةَ، وَقَالَ تَعَالَى: (إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ) (4: 163) الْآيَةَ. فَالْإِيمَانُ بِاللهِ وَبِرُسُلِهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ، وَتَرْكُ الشَّرِّ وَعَمَلُ الْبِرِّ،
وَالتَّخَلُّقُ بِالْأَخْلَاقِ الْفَاضِلَةِ مُسْتَوٍ فِي الْجَمِيعِ. وَقَدْ أَمَرَنَا اللهُ بِالنَّظَرِ فِيمَا كَانُوا عَلَيْهِ وَالِاعْتِبَارِ بِمَا صَارُوا إِلَيْهِ: لِنَقْتَدِيَ بِهِمْ فِي الْقِيَامِ عَلَى أُصُولِ الْخَيْرِ. وَهُوَ أَمْرٌ يَتَضَمَّنُ الدَّلِيلَ عَلَى أَنَّ فِي ذَلِكَ الْخَيْرَ وَالسَّعَادَةَ. عَلَى حَسَبِ طَرِيقَةِ الْقُرْآنِ فِي قَرْنِ الدَّلِيلِ بِالْمَدْلُولِ وَالْعِلَّةِ بِالْمَعْلُولِ، وَالْجَمْعِ بَيْنَ السَّبَبِ وَالْمُسَبِّبِ. وَتَفْصِيلُ الْأَحْكَامِ الَّتِي هَذِهِ كُلِّيَّاتُهَا بِالْإِجْمَالِ، نَعْرِفُهُ مِنْ شَرْعِنَا وَهَدْيِ نَبِيِّنَا عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ اهـ بِتَفْصِيلٍ وَإِيضَاحٍ. وَأَزِيدُ هُنَا أَنَّ فِي الْإِسْلَامِ مِنْ ضُرُوبِ الْهِدَايَةِ مَا قَدْ يُعَدُّ مِنَ الْأُصُولِ الْخَاصَّةِ بِالْإِسْلَامِ، وَيَرَى أَنَّهُ مِمَّا يُسْتَدْرَكُ عَلَى مَا قَرَّرَهُ الْأُسْتَاذُ الْإِمَامُ، كَبِنَاءِ الْعَقَائِدِ فِي الْقُرْآنِ عَلَى الْبَرَاهِينِ الْعَقْلِيَّةِ وَالْكَوْنِيَّةِ، وَبِنَاءِ الْأَحْكَامِ الْأَدَبِيَّةِ وَالْعَمَلِيَّةِ عَلَى قَوَاعِدِ الْمَصَالِحِ وَالْمَنَافِعِ وَدَفْعِ الْمَضَارِّ وَالْمَفَاسِدِ، وَكَبَيَانِ أَنَّ لِلْكَوْنِ سُنَنًا مُطَّرِدَةً تَجْرِي عَلَيْهِ عَوَالِمُهُ الْعَاقِلَةُ وَغَيْرُ الْعَاقِلَةِ، وَكَالْحَثِّ
عَلَى النَّظَرِ فِي الْأَكْوَانِ، لِلْعِلْمِ وَالْمَعْرِفَةِ بِمَا فِيهَا مِنَ الْحِكَمِ وَالْأَسْرَارِ الَّتِي يَرْتَقِي بِهَا الْعَقْلُ وَتَتَّسِعُ بِهَا أَبْوَابُ الْمَنَافِعِ لِلْإِنْسَانِ، وَكُلُّ ذَلِكَ مِمَّا امْتَازَ بِهِ الْقُرْآنُ. وَالْجَوَابُ عَنْ هَذَا أَنَّهُ تَكْمِيلٌ لِأُصُولِ الدِّينِ الثَّلَاثَةِ الَّتِي بُعِثَ بِهَا كُلُّ نَبِيٍّ مُرْسَلٍ لِجَعْلِ بِنَائِهِ رَصِينًا مُنَاسِبًا لِارْتِقَاءِ الْإِنْسَانِ. وَأَمَّا تِلْكَ الْأُصُولُ وَهِيَ: الْإِيمَانُ الصَّحِيحُ، وَعِبَادَةُ اللهِ تَعَالَى وَحْدَهُ، وَحُسْنُ الْمُعَامَلَةِ مَعَ النَّاسِ، فَهِيَ الَّتِي لَا خِلَافَ فِيهَا.
وَأَمَّا وَصْفُهُ تَعَالَى الَّذِينَ أُنْعِمَ عَلَيْهِمْ بِأَنَّهُمْ غَيْرُ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ، فَالْمُخْتَارُ فِيهِ أَنَّ الْمَغْضُوبَ عَلَيْهِمْ هُمُ الَّذِينَ خَرَجُوا عَنِ الْحَقِّ بَعْدَ عِلْمِهِمْ بِهِ، وَالَّذِينَ بَلَغَهُمْ شَرْعُ اللهِ وَدِينُهُ فَرَفَضُوهُ وَلَمْ يَتَقَبَّلُوهُ، انْصِرَافًا عَنِ الدَّلِيلِ، وَرِضَاءً بِمَا وَرِثُوهُ مِنَ الْقِيلِ، وَوُقُوفًا عِنْدَ التَّقْلِيدِ، وَعُكُوفًا عَلَى هَوًى غَيْرِ رَشِيدٍ، وَغَضَبُ اللهِ يُفَسِّرُونَهُ بِلَازِمِهِ: وَهُوَ الْعِقَابُ، وَوَافَقَهُمُ الْأُسْتَاذُ الْإِمَامُ، وَالَّذِي يَنْطَبِقُ عَلَى مَذْهَبِ السَّلَفِ أَنْ يُقَالَ: إِنَّهُ شَأْنٌ مِنْ شُئُونِهِ تَعَالَى يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ عُقُوبَتُهُ وَانْتِقَامُهُ، وَإِنَّ الضَّالِّينَ هُمُ الَّذِينَ لَمْ يَعْرِفُوا الْحَقَّ أَلْبَتَّةَ، أَوْ لَمْ يَعْرِفُوهُ عَلَى الْوَجْهِ الصَّحِيحِ الَّذِي يُقْرَنُ بِهِ الْعَمَلُ كَمَا سَيَأْتِي تَفْصِيلُهُ. وَقَرَنَ الْمَعْطُوفَ فِي قَوْلِهِ "(وَلَا الضَّالِّينَ" بِلَا لِمَا فِي "غَيْرِ" مِنْ مَعْنَى النَّفْيِ، أَيْ وَغَيْرِ الضَّالِّينَ، فَفِيهِ تَأْكِيدٌ لِلنَّفْيِ. وَهُوَ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الطَّوَائِفَ ثَلَاثٌ: الْمُنْعَمُ عَلَيْهِمْ، وَالْمَغْضُوبُ عَلَيْهِمْ، وَالضَّالُّونَ. وَلَا شَكَّ أَنَّ الْمَغْضُوبَ عَلَيْهِمْ ضَالُّونَ
أَيْضًا لِأَنَّهُمْ بِنَبْذِهِمُ الْحَقُّ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ قَدِ اسْتَدْبَرُوا الْغَايَةَ وَاسْتَقْبَلُوا غَيْرَ وِجْهَتِهَا، فَلَا يَصِلُونَ مِنْهَا إِلَى الْمَطْلُوبِ، وَلَا يَهْتَدُونَ فِيهَا إِلَى مَرْغُوبٍ، وَلَكِنَّ فَرْقًا بَيْنَ مَنْ عَرَفَ الْحَقَّ فَأَعْرَضَ عَنْهُ عَلَى عِلْمٍ، وَبَيْنَ مَنْ لَمْ يَظْهَرْ لَهُ الْحَقُّ فَهُوَ تَائِهٌ بَيْنَ الطُّرُقِ، لَا يَهْتَدِي إِلَى الْجَادَّةِ الْمُوَصِّلَةِ مِنْهَا، وَهُمْ مَنْ لَمْ تَبْلُغْهُمُ الرِّسَالَةُ، أَوْ بَلَغَتْهُمْ عَلَى وَجْهٍ لَمْ يَتَبَيَّنْ لَهُمْ فِيهِ الْحَقُّ. فَهَؤُلَاءِ هُمْ أَحَقُّ بِاسْمِ الضَّالِّينَ، فَإِنَّ الضَّالَّ حَقِيقَةً: هُوَ التَّائِهُ الْوَاقِعُ فِي عَمَايَةٍ لَا يَهْتَدِي مَعَهَا إِلَى الْمَطْلُوبِ، وَالْعَمَايَةُ فِي الدِّينِ: هِيَ الشُّبَهَاتُ الَّتِي تَلْبِسُ الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتُشَبِّهُ الصَّوَابَ بِالْخَطَأِ.
الْأُسْتَاذُ الْإِمَامُ: الضَّالُّونَ عَلَى أَقْسَامٍ: -
الْقِسْمُ الْأَوَّلُ مَنْ لَمْ تَبْلُغْهُمُ الدَّعْوَةُ إِلَى الرِّسَالَةِ، أَوْ بَلَغَتْهُمْ عَلَى وَجْهٍ لَا يَسُوقُ إِلَى النَّظَرِ. فَهَؤُلَاءِ لَمْ يَتَوَفَّرْ لَهُمْ مِنْ أَنْوَاعِ الْهِدَايَةِ سِوَى مَا يَحْصُلُ بِالْحِسِّ وَالْعَقْلِ، وَحُرِمُوا رُشْدَ الدِّينِ، فَإِنْ لَمْ يَضِلُّوا فِي شُئُونِهِمُ الدُّنْيَوِيَّةِ ضَلُّوا لَا مَحَالَةَ فِيمَا تُطْلَبُ بِهِ نَجَاةُ الْأَرْوَاحِ وَسَعَادَتُهَا فِي الْحَيَاةِ الْأُخْرَى. عَلَى أَنَّ مِنْ شَأْنِ الدِّينِ الصَّحِيحِ أَنْ يُفِيضَ عَلَى أَهْلِهِ مِنْ رُوحِ الْحَيَاةِ مَا بِهِ يَسْعَدُونَ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ مَعًا، فَمَنْ حُرِمَ الدِّينَ حُرِمَ السَّعَادَتَيْنِ، وَظَهَرَ أَثَرُ التَّخَبُّطِ وَالِاضْطِرَابِ فِي أَعْمَالِهِ الْمَعَاشِيَّةِ، وَحَلَّ بِهِ مِنَ الرَّزَايَا مَا يَتْبَعُ الضَّلَالَ وَالْخَبْطَ عَادَةً، سُنَّةُ اللهِ فِي هَذَا الْعَالَمِ وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّتِهِ تَبْدِيلًا. أَمَّا أَمْرُهُمْ فِي الْآخِرَةِ فَعَلَى أَنَّهُمْ لَنْ يُسَاوُوا الْمُهْتَدِينَ فِي مَنَازِلِهِمْ، وَقَدْ يَعْفُو اللهُ عَنْهُمْ وَهُوَ الْفَعَّالُ لِمَا يُرِيدُ.
وَأَزِيدُ فِي إِيضَاحِ كَلَامِ الْأُسْتَاذِ: أَنَّ الَّذِينَ حُرِمُوا هِدَايَةَ الدِّينِ لَا يُعْقَلُ أَنْ يُؤَاخَذُوا فِي الْآخِرَةِ عَلَى تَرْكِ شَيْءٍ مِمَّا لَا يُعْرَفُ إِلَّا بِهَذِهِ الْهِدَايَةِ. وَهَذَا هُوَ مَعْنَى كَوْنِهِمْ غَيْرَ مُكَلَّفِينَ، وَعَلَيْهِ جُمْهُورُ الْمُتَكَلِّمِينَ لِقَوْلِهِ تَعَالَى فِي سُورَةِ الْإِسْرَاءِ (وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا) (17: 15) وَمَنْ قَالَ: إِنَّهُمْ مُكَلَّفُونَ بِالْعَقْلِ لَا يَظْهَرُ وَجْهٌ لِقَوْلِهِ إِلَّا إِذَا أَرَادَ أَنَّ حَالَهُمْ فِي الْآخِرَةِ تَكُونُ عَلَى حَسَبِ ارْتِقَاءِ أَرْوَاحِهِمْ بِهِدَايَةِ الْعَقْلِ وَسَلَامَةِ الْفِطْرَةِ، إِذْ لَا شَكَّ أَنَّ مَنْ لَمْ يُبْعَثْ فِيهِمْ رَسُولٌ يَتَفَاوَتُونَ فِي إِدْرَاكِهِمْ وَأَعْمَالِهِمْ بِتَفَاوُتِ اسْتِعْدَادِهِمُ الْفِطْرِيِّ وَمَا يُصَادِفُونَ مِنْ حَسُنِ التَّرْبِيَةِ وَقُبْحِهَا. وَبِهَذَا يُجْمَعُ بَيْنَ الْقَوْلَيْنِ فِي تَكْلِيفِهِمْ وَعَدَمِهِ أَوْ يُفْصَلُ بَيْنَهَا. وَمَا يُعْطِيهِمُ اللهُ تَعَالَى إِيَّاهُ فِي الْآخِرَةِ عَلَى حَسَبِ حَالِهِمْ فِي الْخَيْرِ وَالشَّرِّ وَالْفَضِيلَةِ وَالرَّزِيلَةِ - يَكُونُ جَزَاءً عَادِلًا
عَلَى أَعْمَالِهِمُ الِاخْتِيَارِيَّةِ وَيَزِيدُهُمْ مِنْ فَضْلِهِ إِنْ شَاءَ وَسَأُفَصِّلُ هَذَا الْمَعْنَى فِي تَفْسِيرِ الْآيَاتِ الْمُنَزَّلَةِ فِيهِ إِنْ شَاءَ اللهُ تَعَالَى. وَأَعُودُ الْآنَ إِلَى إِتْمَامِ سِيَاقِ الْأُسْتَاذِ، قَالَ:
(الْقِسْمُ الثَّانِي) : مَنْ بَلَغَتْهُ الدَّعْوَةُ عَلَى وَجْهٍ يَبْعَثُ عَلَى النَّظَرِ، فَسَاقَ هِمَّتَهُ إِلَيْهِ، وَاسْتَفْرَغَ جُهْدَهُ فِيهِ، وَلَكِنْ لَمْ يُوَفَّقْ إِلَى الْإِيمَانِ بِمَا دُعِيَ إِلَيْهِ، وَانْقَضَى عُمْرُهُ وَهُوَ فِي الطَّلَبِ، وَهَذَا الْقِسْمُ لَا يَكُونُ إِلَّا أَفْرَادًا مُتَفَرِّقَةً فِي الْأُمَمِ، وَلَا يَعُمُّ حَالُهُ شَعْبًا مِنَ الشُّعُوبِ، فَلَا يَظْهَرُ لَهُ أَثَرٌ فِي أَحْوَالِهَا الْعَامَّةِ، وَمَا يَكُونُ لَهَا مِنْ سَعَادَةٍ وَشَقَاءٍ فِي حَيَاتِهَا الدُّنْيَا أَمَّا صَاحِبُ هَذِهِ الْحَالَةِ فَقَدْ ذَهَبَ بَعْضُ الْأَشَاعِرَةِ إِلَى أَنَّهُ مِمَّنْ تُرْجَى لَهُ رَحْمَةُ اللهِ تَعَالَى، وَيَنْقُلُ صَاحِبُ هَذَا الرَّأْيِ مِثْلَهُ عَنْ أَبِي الْحَسَنِ الْأَشْعَرِيِّ وَأَمَّا عَلَى رَأْيِ الْجُمْهُورِ فَلَا رَيْبَ أَنَّ مُؤَاخَذَتَهُ أَخَفُّ مِنْ مُؤَاخَذَةِ الْجَاحِدِ الَّذِي أَنْكَرَ التَّنْزِيلَ، وَاسْتَعْصَى عَلَى الدَّلِيلِ، وَكَفَرَ بِنِعْمَةِ الْعَقْلِ، وَرَضِيَ بِحَظِّهِ مِنَ الْجَهْلِ.
(الْقِسْمُ الثَّالِثُ) : مَنْ بَلَغَتْهُمُ الرِّسَالَةُ وَصَدَّقُوا بِهَا، بِدُونِ نَظَرٍ فِي أَدِلَّتِهَا وَلَا وُقُوفٍ عَلَى أُصُولِهَا، فَاتَّبَعُوا أَهْوَاءَهُمْ فِي فَهْمِ مَا جَاءَتْ بِهِ مِنْ أُصُولِ الْعَقَائِدِ، وَهَؤُلَاءِ هُمُ الْمُبْتَدِعَةُ فِي كُلِّ دِينٍ، وَمِنْهُمُ الْمُبْتَدِعُونَ فِي دِينِ الْإِسْلَامِ، وَهُمُ الْمُنْحَرِفُونَ فِي اعْتِقَادِهِمْ عَمَّا تَدُلُّ عَلَيْهِ جُمْلَةُ الْقُرْآنِ وَمَا كَانَ عَلَيْهِ السَّلَفُ الصَّالِحُ وَأَهْلُ الصَّدْرِ الْأَوَّلِ، فَفَرَّقُوا الْأُمَّةَ إِلَى مُشَارِبَ، يُغَصُّ بِمَائِهَا الْوَارِدُ، وَلَا يَرْتَوِي مِنْهَا الشَّارِبُ، (قَالَ) : وَإِنِّي أُشِيرُ إِلَى طَرَفٍ مِنْ آثَارِهِمْ فِي النَّاسِ: يَأْتِي الرَّجُلُ إِلَى دَوَائِرِ الْقَضَاءِ فَيُسْتَحْلَفُ بِاللهِ الْعَلِيِّ الْعَظِيمِ، أَوْ بِالْمُصْحَفِ الْكَرِيمِ وَهُوَ كَلَامُ اللهِ الْقَدِيمُ، - أَنَّهُ مَا فَعَلَ كَذَا، فَيَحْلِفُ وَعَلَامَةُ الْكَذِبِ بَادِيَةٌ عَلَى وَجْهِهِ، فَيَأْتِيهِ الْمُسْتَحْلِفُ مِنْ طَرِيقٍ آخَرَ وَيَحْمِلُهُ عَلَى الْحَلِفِ بِشَيْخٍ مِنَ الْمَشَايِخِ الَّذِينَ يَعْتَقِدُ لَهُمُ الْوِلَايَةَ، فَيَتَغَيَّرُ لَوْنُهُ، وَتَضْطَرِبُ أَرْكَانُهُ، ثُمَّ يَرْجِعُ فِي أَلْيَتِهِ وَيَقُولُ الْحَقَّ، وَيُقِرُّ بِأَنَّهُ فَعَلَ مَا حَلَفَ أَوَّلًا أَنَّهُ لَمْ يَفْعَلْهُ، تَكْرِيمًا لِاسْمِ ذَلِكَ الشَّيْخِ، وَخَوْفًا مِنْهُ أَنْ يَسْلُبَ عَنْهُ نِعْمَةً أَوْ يُحِلَّ بِهِ نِقْمَةً إِذَا حَلَفَ
بِاسْمِهِ كَاذِبًا. فَهَذَا ضَلَالٌ فِي أُصُولِ الْعَقِيدَةِ، يَرْجِعُ إِلَى الضَّلَالِ فِي الْإِيمَانِ بِاللهِ تَعَالَى وَمَا يَجِبُ لَهُ مِنَ الْوَحْدَانِيَّةِ فِي الْأَفْعَالِ، وَلَوْ أَرَدْنَا أَنْ نَسْرُدَ مَا وَقَعَ فِيهِ الْمُسْلِمُونَ مِنَ الضَّلَالِ فِي الْعَقَائِدِ الْأَصْلِيَّةِ بِسَبَبِ الْبِدَعِ الَّتِي عَرَضَتْ عَلَى دِينِ الْإِسْلَامِ لَطَالَ الْمَقَالُ، وَاحْتِيجَ إِلَى وَضْعِ مُجَلَّدَاتٍ فِي وُجُوهِ الضَّلَالِ، وَمِنْ أَشْنَعِهَا أَثَرًا، وَأَشَدِّهَا ضَرَرًا،
خَوْضُ رُؤَسَاءِ الْفِرَقِ مِنْهُمْ فِي مَسَائِلِ الْقَضَاءِ وَالْقَدَرِ، وَالِاخْتِيَارِ وَالْجَبْرِ، وَتَحْقِيقِ الْوَعْدِ وَالْوَعِيدِ، وَتَهْوِينِ مُخَالَفَةِ اللهِ عَلَى نُفُوسِ الْعَبِيدِ.
إِذَا وَزَنَّا مَا فِي أَدْمِغَتِنَا مِنَ الِاعْتِقَادَاتِ بِكِتَابِ اللهِ تَعَالَى مِنْ غَيْرِ أَنْ نُدْخِلَهَا أَوَّلًا فِيهِ يَظْهَرُ لَنَا كَوْنُنَا مُهْتَدِينَ أَوْ ضَالِّينَ. وَأَمَّا إِذَا أَدْخَلْنَا مَا فِي أَدْمِغَتِنَا فِي الْقُرْآنِ وَحَشَرْنَاهَا فِيهِ أَوَّلًا فَلَا يُمْكِنُنَا أَنْ نَعْرِفَ الْهِدَايَةَ مِنَ الضَّلَالِ لِاخْتِلَاطِ الْمَوْزُونِ بِالْمِيزَانِ. فَلَا يُدْرَى مَا هُوَ الْمَوْزُونُ مِنَ الْمَوْزُونِ بِهِ - أُرِيدُ أَنْ يَكُونَ الْقُرْآنُ أَصْلًا تُحْمَلُ عَلَيْهِ الْمَذَاهِبُ وَالْآرَاءُ فِي الدِّينِ لَا أَنْ تَكُونَ الْمَذَاهِبُ أَصْلًا وَالْقُرْآنُ هُوَ الَّذِي يُحْمَلُ عَلَيْهَا، وَيُرْجَعُ بِالتَّأْوِيلِ أَوِ التَّحْرِيفِ إِلَيْهَا، كَمَا جَرَى عَلَيْهِ الْمَخْذُولُونَ، وَتَاهَ فِيهِ الضَّالُّونَ.
(الْقِسْمُ الرَّابِعُ) : ضَلَالٌ فِي الْأَعْمَالِ، وَتَحْرِيفٌ لِلْأَحْكَامِ عَمَّا وُضِعَتْ لَهُ، كَالْخَطَأِ فِي فَهْمِ مَعْنَى الصَّلَاةِ وَالصِّيَامِ وَجَمِيعِ الْعِبَادَاتِ، وَالْخَطَأِ فِي فَهْمِ الْأَحْكَامِ الَّتِي جَاءَتْ فِي الْمُعَامَلَاتِ، وَلْنَضْرِبْ لِذَلِكَ مَثَلًا: الِاحْتِيَالُ فِي الزَّكَاةِ بِتَحْوِيلِ الْمَالِ إِلَى مِلْكِ الْغَيْرِ قَبْلَ حُلُولِ الْحَوَلِ ثُمَّ اسْتِرْدَادُهُ بَعْدَ مُضِيِّ قَلِيلٍ مِنَ الْحَوَلِ الثَّانِي، حَتَّى لَا تَجِبَ الزَّكَاةُ فِيهِ، وَيَظُنُّ الْمُحْتَالُ أَنَّهُ بِحِيلَتِهِ قَدْ خَلَصَ مِنْ أَدَاءِ الْفَرِيضَةِ، وَنَجَا مِنْ غَضَبِ مَنْ لَا تَخْفَى عَلَيْهِ خَافِيَةٌ، وَلَا يَعْلَمُ أَنَّهُ بِذَلِكَ قَدْ هَدَمَ رُكْنًا مِنْ أَهَمِّ أَرْكَانِ دِينِهِ، وَجَاءَ بِعَمَلِ مَنْ يَعْتَقِدُ أَنَّ اللهَ قَدْ فَرَضَ فَرْضًا وَشَرَعَ بِجَانِبِ ذَلِكَ الْفَرْضِ مَا يَذْهَبُ بِهِ وَيَمْحُو أَثَرَهُ، وَهُوَ مُحَالٌ عَلَيْهِ جَلَّ شَأْنُهُ.
ثَلَاثَةُ أَقْسَامٍ مِنْ هَذَا الضَّلَالِ أَوَّلُهَا وَثَالِثُهَا وَرَابِعُهَا يَظْهَرُ أَثَرُهَا فِي الْأُمَمِ فَتَخْتَلُّ قُوَى الْإِدْرَاكِ فِيهَا، وَتَفْسَدُ الْأَخْلَاقُ، وَتَضْطَرِبُ الْأَعْمَالُ، وَيَحُلُّ بِهَا الشَّقَاءُ، عُقُوبَةً مِنَ اللهِ لَا بُدَّ مِنْ نُزُولِهَا بِهِمْ، سُنَّةَ اللهِ فِي خَلْقِهِ وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّتِهِ تَحْوِيلًا. وَيُعَدُّ حُلُولُ الضَّعْفِ وَنُزُولُ الْبَلَاءِ بِأُمَّةٍ مِنَ الْأُمَمِ مِنَ الْعَلَامَاتِ وَالدَّلَائِلِ عَلَى غَضَبِ اللهِ تَعَالَى عَلَيْهَا لِمَا أَحْدَثَتْهُ فِي عَقَائِدِهَا وَأَعْمَالِهَا مِمَّا لَا يُخَالِفُ سُنَنَهُ، وَلَا يَتْبَعُ فِيهِ سُنُنَهُ. لِهَذَا عَلَّمَنَا اللهُ تَعَالَى كَيْفَ نَدْعُوهُ بِأَنْ يَهْدِيَنَا طَرِيقَ الَّذِينَ ظَهَرَتْ نِعْمَتُهُ عَلَيْهِمْ بِالْوُقُوفِ عِنْدَ حُدُودِهِ، وَتَقْوِيمِ الْعُقُولِ وَالْأَعْمَالِ بِفَهْمِ مَا هَدَانَا إِلَيْهِ، وَأَنْ يُجَنِّبَنَا طُرُقَ أُولَئِكَ
الَّذِينَ ظَهَرَتْ فِيهِمْ آثَارُ نِقَمِهِ بِالِانْحِرَافِ عَنْ شَرَائِعِهِ، سَوَاءٌ كَانَ ذَلِكَ عَمْدًا وَعِنَادًا، أَوْ غَوَايَةً وَجَهْلًا.
إِذَا ضَلَّتِ الْأُمَّةُ سَبِيلَ الْحَقِّ وَلَعِبَ الْبَاطِلُ بِأَهْوَائِهَا، فَفَسَدَتْ أَخْلَاقُهَا وَاعْتَلَّتْ أَعْمَالُهَا،
وَقَعَتْ فِي الشَّقَاءِ لَا مَحَالَةَ، وَسَلَّطَ اللهُ عَلَيْهَا مَنْ يَسْتَذِلُّهَا وَيَسْتَأْثِرُ بِشُئُونِهَا وَلَا يُؤَخِّرُ لَهَا الْعَذَابَ إِلَى يَوْمِ الْحِسَابِ، وَإِنْ كَانَتْ سَتُلَاقِي نَصِيبَهَا مِنْهُ أَيْضًا، فَإِذَا تَمَادَى بِهَا الْغَيُّ وَصَلَ بِهَا إِلَى الْهَلَاكِ، وَمَحَا أَثَرَهَا مِنَ الْوُجُودِ، هَكَذَا عَلَمَّنَا اللهُ تَعَالَى كَيْفَ نَنْظُرُ فِي أَحْوَالِ مَنْ سَبَقَنَا، وَمَنْ بَقِيَتْ آثَارُهُمْ بَيْنَ أَيْدِينَا مِنَ الْأُمَمِ، لِنَعْتَبِرَ وَنُمَيِّزَ بَيْنَ مَا بِهِ تَسْعَدُ الْأَقْوَامُ وَمَا بِهِ تَشْقَى. أَمَّا فِي الْأَفْرَادِ فَلَمْ تَجْرِ سُنَّةُ اللهِ بِلُزُومِ الْعُقُوبَةِ لِكُلِّ ضَالٍّ فِي هَذِهِ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا، فَقَدْ يُسْتَدْرَجُ الضَّالُّ مِنْ حَيْثُ لَا يَعْلَمُ، وَيُدْرِكُهُ الْمَوْتُ قَبْلَ أَنْ تَزُولَ النِّعْمَةُ عَنْهُ، وَإِنَّمَا يَلْقَى جَزَاءَهُ (يَوْمَ لَا تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْسٍ شَيْئًا وَالْأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ) (82: 19) اهـ.
فَوَائِدُ فِي تَفْسِيرِ الْفَاتِحَةِ
كَانَ غَرَضُنَا الْأَوَّلُ مِنْ كِتَابَةِ تَفْسِيرِ الْفَاتِحَةِ وَنَشْرِهِ فِي الْمَنَارِ هُوَ بَيَانُ مَا نَسْتَفِيدُهُ مِنْ دُرُوسِ شَيْخِنَا الْأُسْتَاذِ الْإِمَامِ، مَعَ شَيْءٍ مِمَّا يَفْتَحُ اللهُ بِهِ عَلَيْنَا بِالِاخْتِصَارِ، فَلِذَلِكَ اخْتَصَرْنَا فِيمَا كَتَبْنَاهُ أَوَّلًا، ثُمَّ لَمَّا طَبَعْنَا تَفْسِيرَ الْفَاتِحَةِ عَلَى حِدَتِهِ مَرَّةً ثَانِيَةً زِدْنَا فِيهِ بَعْضَ زِيَادَاتٍ، وَكَانَ بُدًّا لَنَا أَنْ نَجْعَلَ هَذَا التَّفْسِيرَ مُطَوَّلًا مُسْتَوْفًى. وَلِهَذَا زِدْنَا فِي تَفْسِيرِ الْفَاتِحَةِ هُنَا زِيَادَاتٍ كَثِيرَةً كَمَا نَبَّهْنَا عَلَى ذَلِكَ فِي الْمُقَدِّمَةِ. وَبَعْدَ الْفَرَاغِ مِنْ طَبْعِهِ رَأَيْنَا أَنْ نُعَزِّزَهُ بِالْفَوَائِدِ الْآتِيَةِ:
(حِكْمَةُ إِيثَارِ ذِكْرِ الرُّبُوبِيَّةِ وَالرَّحْمَةِ فِي أَوَّلِ الْفَاتِحَةِ عَلَى سَائِرِ الصِّفَاتِ)
قَدْ عَلِمْتَ أَنَّ اسْمَ الْجَلَالَةِ (اللهُ) هُوَ اسْمُ الذَّاتِ الْجَامِعُ لِمَعَانِي الصِّفَاتِ الْعُلْيَا، وَسَائِرِ الْأَسْمَاءِ الْحُسْنَى، وَالْأُصُولِ مِنْ هَذِهِ الْأَسْمَاءِ وَالصِّفَاتِ الَّتِي تَرْجِعُ إِلَيْهَا غَيْرُهَا، وَتَعُودُ إِلَيْهَا مَعَانِيهَا وَلَوْ بِطْرِيقِ اللُّزُومِ أَرْبَعَةٌ:
اثْنَانِ مِنْهَا ذَاتِيَّانِ وَهُمَا (الْحَيُّ الْقَيُّومُ)
وَالِاثْنَانِ الْآخَرَانِ: فِعْلِيَّانِ وَهُمَا الرَّبُّ وَالرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ، وَبِتَعْبِيرٍ أَظْهَرَ أَوْ أَصَحَّ اثْنَانِ مِنْهُمَا لَا يَتَعَلَّقَانِ بِتَدْبِيرِ الْخَلْقِ، وَاثْنَانِ يَتَعَلَّقَانِ بِهِ، فَالْحَيُّ ذُو الْحَيَاةِ وَهِيَ بِأَعَمِّ مَعَانِيهَا الصِّفَةُ الْوُجُودِيَّةُ الَّتِي هِيَ الْأَصْلُ فِي مَعْقُولِنَا لِجَمِيعِ صِفَاتِ الْكَمَالِ فِي الْوُجُودِ مِنْ صِفَاتِ ذَاتٍ وَصَفَاتِ أَفْعَالٍ كَالْعِلْمِ وَالْقُدْرَةِ وَالْإِرَادَةِ وَالسَّمْعِ وَالْبَصَرِ وَالْكَلَامِ، وَهِيَ الصِّفَاتُ الَّتِي يُسَمِّيهَا عُلَمَاءُ الْكَلَامِ صِفَاتِ الْمَعَانِي. وَيَجْعَلُونَ عَلَيْهَا مَدَارَ مَعْرِفَةِ اللهِ تَعَالَى مَعَ الصِّفَاتِ السَّلْبِيَّةِ الَّتِي يُرَادُ بِهَا تَنْزِيهُهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا لَا يَلِيقُ مِنَ النَّقْصِ وَمُشَابَهَةِ الْخَلْقِ كَالرَّحْمَةِ وَالْحِلْمِ وَالْغَضَبِ وَالْعَدْلِ وَالْعِزَّةِ وَالْخَالِقِيَّةِ وَالرَّازِقِيَّةِ إِلَخْ، وَكَمَالُ الْحَيَاةِ يَسْتَلْزِمُ الِاتِّصَافَ بِهَذِهِ الصِّفَاتِ وَبِغَيْرِهَا مِنْ صِفَاتِ الْكَمَالِ.
وَالْحَيَاةُ فِي الْخَلْقِ قِسْمَانِ: حِسِّيَّةٌ وَمَعْنَوِيَّةٌ، فَالْأُولَى: الْحَيَاةُ النَّبَاتِيَّةُ، وَالْحَيَاةُ الْحَيَوَانِيَّةُ، وَلِكُلٍّ مِنْهَا صِفَاتٌ لَازِمَةٌ لَهَا أَعْلَاهَا فِي الْحَيَاةِ الثَّانِيَةِ حَيَاةُ الْإِنْسَانِ الَّتِي مِنْ خَوَاصِّهَا الْعِلْمُ وَالْإِرَادَةُ وَالْقُدْرَةُ وَالسَّمْعُ وَالْبَصَرُ وَالْكَلَامُ وَغَيْرُ ذَلِكَ مِمَّا يَفْقِدُهُ بِالْمَوْتِ. وَالثَّانِيَةُ الْحَيَاةُ الْعَقْلِيَّةُ وَالْعِلْمِيَّةُ وَالرُّوحِيَّةُ الدِّينِيَّةُ. وَمِنَ الشَّوَاهِدِ الْقُرْآنِيَّةِ عَلَى هَذِهِ الْحَيَاةِ قَوْلُهُ تَعَالَى: (لِيُنْذَرَ مَنْ كَانَ حَيًّا) (36: 70) وَقَوْلُهُ: (اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ) (8: 28) وَكَمَالُ هَذِهِ الْحَيَاةِ لِلْبَشَرِ لَا يَكُونُ إِلَّا فِي الْآخِرَةِ وَإِنَّمَا يَكُونُ الِاسْتِعْدَادُ لَهُ فِي الدُّنْيَا بِتَزْكِيَةِ النَّفْسِ بِالْعِلْمِ وَالْعَمَلِ.
وَحَيَاةُ الْخَالِقِ تَعَالَى أَعْلَى وَأَكْمَلُ مِنْ حَيَاةِ جَمِيعِ خَلْقِهِ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ وَالْمَلَائِكَةِ
وَهِيَ لَا تُشْبِهُهَا (لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ) . وَإِنَّمَا نَفْهَمُ مِنْ إِطْلَاقِهَا اللُّغَوِيِّ مَعَ التَّنْزِيهِ أَنَّهَا الصِّفَةُ الذَّاتِيَّةُ الْوَاجِبَةُ الْأَزَلِيَّةُ الْأَبَدِيَّةُ الَّتِي يَلْزَمُهَا اتِّصَافُهُ بِمَا وَصَفَ بِهِ نَفْسَهُ مِنْ صِفَاتِ الْكَمَالِ، بِدُونِهَا، فَهِيَ لَا يَتَوَقَّفُ تَعَقُّلُهَا عَلَى غَيْرِهَا مِنَ الصِّفَاتِ، وَيَتَوَقَّفُ تَعَقُّلُ جَمِيعِ الصِّفَاتِ عَلَيْهَا، وَعَبَّرَ عَنْهَا بَعْضُهُمْ بِأَنَّهَا تُصَحِّحُ لَهُ الِاتِّصَافَ بِصِفَاتِ الْمَعَانِي.
وَأَمَّا "الْقَيُّومُ" فَأَحْسَنُ مَا قِيلَ فِي تَفْسِيرِهَا فِي مُعْجَمِ (لِسَانِ الْعَرَبِ) وَهُوَ الْقَائِمُ (أَيِ الثَّابِتُ الْمُتَحَقِّقُ) بِنَفْسِهِ مُطْلَقًا لَا بِغَيْرِهِ وَهُوَ مَعَ ذَلِكَ يَقُومُ بِهِ كُلُّ مَوْجُودٍ حَتَّى لَا يُتَصَوَّرَ وُجُودُ شَيْءٍ وَلَا دَوَامُ وَجُودِهِ إِلَّا بِهِ اهـ. وَسَبَقَهُ إِلَى مِثْلِهِ غَيْرُهُ. وَقَوْلُهُمْ: "الْقَائِمُ بِنَفْسِهِ" بِمَعْنَى قَوْلِ الْمُتَكَلِّمِينَ "وَاجِبُ الْوُجُودِ" أَيِ الَّذِي وُجُودُهُ ثَابِتٌ لِذَاتِهِ غَيْرُ مُسْتَمَدٍّ مِنْ وُجُودٍ آخَرَ فَهُوَ يَسْتَلْزِمُ الْقِدَمَ الَّذِي لَا أَوَّلَ لَهُ، وَالْبَقَاءَ
الَّذِي لَا آخِرَ لَهُ (هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ) وَقَوْلُهُمُ: الَّذِي يَقُومُ بِهِ كُلُّ مَوْجُودٍ، مَعْنَاهُ أَنَّهُ لَا وُجُودَ لِشَيْءٍ غَيْرِهِ ابْتِدَاءً وَلَا بَقَاءَ إِلَّا بِهِ، فَكُلُّ وُجُودٍ سِوَاهُ مُسْتَمَدٌّ مِنْهُ وَبَاقٍ بِبَقَائِهِ إِيَّاهُ (إِنَّ اللهَ يُمْسِكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ أَنْ تَزُولَا وَلَئِنْ زَالَتَا إِنْ أَمْسَكَهُمَا مِنْ أَحَدٍ مِنْ بَعْدِهِ) (35: 41) وَمَنْ كَانَ هَذَا وَصْفُهُ كَانَ بِالضَّرُورَةِ قَادِرًا مُرِيدًا عَلِيمًا حَكِيمًا، فَإِذَا كَانَتِ الْحَيَاةُ تُصَحِّحُ لِصَاحِبِهَا الِاتِّصَافَ بِهَذِهِ الصِّفَاتِ وَغَيْرِهَا وَتَدُلُّ عَلَيْهَا بِقَيْدِ الْكَمَالِ دَلَالَةَ الْتِزَامٍ، فَالْقَيُّومِيَّةُ تَدُلُّ عَلَيْهَا دَلَالَةً بِغَيْرِ قَيْدٍ.
وَلِجَمْعِ هَذَيْنِ الِاسْمَيْنِ الْكَرِيمَيْنِ هَذِهِ الْمَعَانِي وَغَيْرَهَا مِنْ مَعَانِي الْكَمَالِ الْأَعْلَى كَانَ الْقَوْلُ بِأَنَّهُمَا مَعَ اسْمِ الْجَلَالَةِ - مَا يُعَبَّرُ عَنْهُ بِالِاسْمِ الْأَعْظَمِ - هُوَ الْقَوْلَ الرَّاجِحَ الْمُخْتَارَ عِنْدَنَا، وَإِنَّمَا فَسَّرْنَا الِاسْمَيْنِ الْكَرِيمَيْنِ هُنَا وَذِكْرُهُمَا اسْتِطْرَادِيٌّ لَا يَدْخُلُ فِي تَفْسِيرِ الْفَاتِحَةِ؛ لِأَنَّ أَكْثَرَ الْقُرَّاءِ لَا يَفْهَمُ مَعَانِيَهُمَا الَّتِي يَدُلُّ عَلَيْهَا لَفْظُهُمَا بِطُرُقِ الدَّلَالَةِ الثَّلَاثِ: الْمُطَابَقَةُ وَالتَّضَمُّنُ وَالِالْتِزَامُ.
وَأَمَّا صِفَتَا الرُّبُوبِيَّةِ وَالرَّحْمَةِ فَهُمَا الصِّفَتَانِ الدَّالَّتَانِ عَلَى أَنَّ اللهَ تَعَالَى هُوَ الْمَالِكُ الْمُدَبِّرُ لِأُمُورِ الْعَالَمِ كُلِّهَا، وَعَلَى أَنَّ رَحْمَتَهُ تَعَالَى تَغَلِبُ غَضَبَهُ، وَإِحْسَانَهُ الَّذِي هُوَ أَثَرُ رَحْمَتِهِ يَغْلِبُ انْتِقَامَهُ، وَمَعْنَى الِانْتِقَامِ لُغَةً: الْجَزَاءُ عَلَى السَّيِّئَاتِ، فَإِذَا كَانَ جَزَاءٌ عَلَى السَّيِّئَةِ بِمِثْلِهَا كَانَ انْتِقَامَ حَقٍّ وَعَدْلٍ، وَإِنْ كَانَ بِأَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ كَانَ انْتِقَامَ بَاطِلٍ وَجَوْرٍ، وَاللهُ تَعَالَى مُنَزَّهٌ عَنِ الْبَاطِلِ وَالْجَوْرِ (وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا) (18: 49) بَلْ يَتَجَاوَزُ عَنْ بَعْضِ السَّيِّئَاتِ، وَيُضَاعِفُ جَزَاءَ الْحَسَنَاتِ (وَهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَعْفُو عَنِ السَّيِّئَاتِ وَيَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ) (25: 42) ، (وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنِ كَثِيرٍ) (30: 42) ، (إِنَّ اللهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا وَيُؤْتِ مِنْ لَدُنْهُ أَجْرًا عَظِيمًا) (4: 40) وَالْآيَاتُ فِي الْجَزَاءِ عَلَى السَّيِّئَةِ بِمِثْلِهَا وَعَلَى الْحَسَنَةِ بِعَشْرِ أَمْثَالِهَا مَعْرُوفَةٌ، وَكَذَا آيَةُ الْمُضَاعَفَةِ سَبْعِمِائَةَ ضِعْفٍ وَمَا شَاءَ اللهُ تَعَالَى.
فَمِنْ شَأْنِ الرَّبِّ الْمَالِكِ لِلْعِبَادِ الْمُدَبِّرِ لِأُمُورِهِمُ الْمُرَبِّي لَهُمْ أَنْ يُجَازِيَ كُلَّ عَامِلٍ بِعَمَلِهِ،
وَيَنْتَقِمَ لِلْمَظْلُومِ مِنْ ظَالِمِهِ، وَالْجَزَاءُ بِالْعَدْلِ مُخِيفٌ لِأَكْثَرِ النَّاسِ بَلْ لِجَمِيعِ النَّاسِ، فَإِنَّهُ مَا مِنْ أَحَدٍ إِلَّا وَيُقَصِّرُ فِيمَا يَجِبُ عَلَيْهِ لِرَبِّهِ وَلِنَفْسِهِ وَلِأَهْلِهِ وَلِوَلَدِهِ بَلْهَ مَنْ دُونَهُمْ حَقًّا عَلَيْهِ وَمَكَانَةً عِنْدَهُ، وَمِنْ حَقِّهِمْ أَنْ يَغْلِبَ الْخَوْفُ عَلَى الرَّجَاءِ فِي
قُلُوبِهِمْ، وَلِذَلِكَ قَرَنَ سُبْحَانَهُ صِفَةَ الرُّبُوبِيَّةِ بِصِفَةِ الرَّحْمَةِ، وَعَبَّرَ عَنْهَا بِاسْمَيْنِ لَا بَاسِمٍ وَاحِدٍ: اسْمِ الرَّحْمَنِ الدَّالِّ عَلَى مُنْتَهَى الْكَمَالِ فِي اتِّصَافِهِ بِهَا، وَاسْمِ الرَّحِيمِ الدَّالِّ عَلَى أَنَّهَا مِنَ الصِّفَاتِ النَّفْسِيَّةِ الْمَعْنَوِيَّةِ مَعَ تَعَلُّقِهَا بِالْحَقِّ تَعَلُّقًا تَنْجِيزِيًّا كَقَوْلِهِ تَعَالَى: (إِنَّ اللهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا) (4: 29) ، (وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا) (33: 34) وَبِهَذَا التَّفْسِيرِ ضَمَمْنَا فِي التَّفْرِقَةِ بَيْنَ الِاسْمَيْنِ مَا قَالَهُ الْمُحَقِّقُ ابْنُ الْقَيِّمِ إِلَى مَا قَالَهُ شَيْخُنَا رَحِمَهُمَا اللهُ.
وَأَمَّا دَلَالَةُ صِفَتَيِ الرُّبُوبِيَّةِ وَالرَّحْمَةِ عَلَى جَمِيعِ مَعَانِي صِفَاتِ الْأَفْعَالِ الْإِلَهِيَّةِ فَظَاهِرٌ؛ فَإِنَّ رَبَّ الْعِبَادِ هُوَ الَّذِي يُسْدِي إِلَيْهِمْ كُلَّ مَا يَتَعَلَّقُ بِخَلْقِهِمْ وَرِزْقِهِمْ وَتَدْبِيرِ شُئُونِهِمْ مِنْ فِعْلٍ دَلَّتْ عَلَيْهِ أَسْمَاؤُهُ الْحُسْنَى كَالْخَالِقِ الْبَارِئِ الْمُصَوِّرِ الْقَهَّارِ الْوَهَّابِ الرَّزَّاقِ الْفَتَّاحِ الْقَابِضِ الْبَاسِطِ الْخَافِضِ الرَّافِعِ الْمُعِزِّ الْمُذِلِّ الْحَكَمِ الْعَدْلِ اللَّطِيفِ الْخَبِيرِ الْحَلِيمِ الرَّقِيبِ الْمُقِيتِ الْبَاعِثِ الشَّهِيدِ الْمُحْصِي الْمُبْدِئِ الْمُعِيدِ الْمَحْيِي الْمُمِيتِ الْمُقَدِّمِ الْمُؤَخَّرِ الْمُغْنِي الْمَانِعِ الضَّارِّ النَّافِعِ وَأَمْثَالِهَا. وَالرَّحْمَنُ فِي ذَاتِهِ الرَّحِيمُ بِعِبَادِهِ لَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ تَوَّابًا غَفُورًا عَفُوًّا رَءُوفًا شَكُورًا حَلِيمًا وَهَّابًا.
إِذَا عَلِمْنَا هَذَا تَجَلَّتْ لَنَا حِكْمَةُ وَصْفِ اللهِ تَعَالَى فِي أَوَّلِ فَاتِحَةِ الْكِتَابِ الْعَزِيزِ بِالرُّبُوبِيَّةِ وَالرَّحْمَةِ الدَّالَّتَيْنِ عَلَى جَمِيعِ صِفَاتِ الْأَفْعَالِ دُونَ الْحَيَاةِ وَالُقَيُّومِيَّةِ الدَّالَّتَيْنِ عَلَى صِفَاتِ الذَّاتِ وَغَيْرِهَا، وَهِيَ - وَاللهُ أَعْلَمُ بِمُرَادِهِ - أَنَّ الْفَاتِحَةَ يُنْظَرُ فِيهَا مِنْ وَجْهَيْنِ (أَحَدُهُمَا) : مَا دَلَّ عَلَيْهِ اسْمُهَا هَذَا؛ أَعْنِي كَوْنَهَا فَاتِحَةً وَمَبْدَأً لِلْقُرْآنِ (وَثَانِيهُمَا) : أَنَّهَا قَدْ شُرِعَتْ لِلْقِرَاءَةِ فِي الصَّلَوَاتِ كُلَّ يَوْمٍ، وَكُلٌّ مِنْهُمَا يُنَاسِبُهُ الْبَدْءُ بِذِكْرِ رُبُوبِيَّةِ اللهِ وَرَحْمَتِهِ.
ذَلِكَ بِأَنَّ الْقُرْآنَ كَمَا قَالَ اللهُ فِي أَوَّلِ سُورَةِ الْبَقَرَةِ (هُدًى لِلْمُتَّقِينَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ) (2: 2 - 3) إِلَخْ. الْآيَاتِ. فَهُمُ الَّذِينَ يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلَاوَتِهِ، وَهُمُ الَّذِينَ يَتَدَبَّرُونَهُ وَيَتَّعِظُونَ بِهِ، وَهُمُ (الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ وَهُمْ مِنَ السَّاعَةِ مُشْفِقُونَ) (21: 49) فَالْمُنَاسِبُ فِي حَقِّهِمْ أَنْ تَكُونَ السُّورَةُ الْأُولَى وَهِيَ الْمَثَانِي الَّتِي يُثَنُّونَهَا دَائِمًا فِي صَلَاتِهِمْ وَفِي بَدْءِ أَوْرَادِهِمُ الْقُرْآنِيَّةِ الْمُسَمَّاةِ بِالْخَتَمَاتِ مَبْدُوءَةً بِذِكْرِ الصِّفَتَيْنِ الْجَامِعَتَيْنِ لِمَعَانِي الصِّفَاتِ الَّتِي تَتَعَلَّقُ بِتَدْبِيرِ اللهِ سُبْحَانَهُ لِشُئُونِهِمْ، وَبِعَدْلِهِ فِي الْحُكْمِ بَيْنَهُمْ فِيمَا يَخْتَصِمُونَ فِيهِ، وَبِمُجَازَاتِهِمْ عَلَى أَعْمَالِهِمْ، وَبِرَحْمَتِهِ لَهُمْ وَإِحْسَانِهِ إِلَيْهِمُ
الدَّالَّتَيْنِ عَلَى مَا يَجِبُ عَلَيْهِمْ مِنْ شُكْرِهِ وَتَخْصِيصِهِ بِالْعِبَادَةِ وَالِاسْتِعَانَةِ، وَالتَّوَجُّهِ إِلَيْهِ فِي طَلَبِ كَمَالِ الْهِدَايَةِ، وَهَاتَانِ الصِّفَتَانِ هُمَا الرُّبُوبِيَّةُ وَالرَّحْمَةُ.
فَبَدْءُ فَاتِحَةِ الْقُرْآنِ بِذِكْرِهِمَا فِي الْبَسْمَلَةِ ثُمَّ أَثْنَاءَ السُّورَةِ مُرْشِدٌ لِمَا ذُكِرَ، مُذَكِّرٌ لِلْمُصَلِّي وَلِلتَّالِي بِهِ. وَكَذَا بَدْءُ كُلِّ سُورَةٍ بِالْبَسْمَلَةِ الَّتِي لَمْ يُوصَفِ اسْمُ الذَّاتِ (اللهُ) فِيهَا بِغَيْرِ الرَّحْمَةِ الْكَامِلَةِ الشَّامِلَةِ، هُوَ إِعْلَامٌ مِنْهُ سُبْحَانَهُ بِأَنَّهُ أَنْزَلَهُ رَحْمَةً لِلْعَالِمِينَ، كَمَا قَالَ مُخَاطِبًا لِمَنْ أَنْزَلَهُ
عَلَيْهِ: (وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ) (21: 107) وَلِذَلِكَ لَمْ تَنْزِلِ الْبَسْمَلَةُ فِي أَوَّلِ سُورَةِ التَّوْبَةِ الَّتِي فَضَحَتْ آيَاتُهَا الْمُنَافِقِينَ، وَبُدِئَتْ بِنَبْذِ عُهُودِ الْمُشْرِكِينَ، وَشُرِعَ فِيهَا الْقِتَالُ بِصِفَةٍ أَعَمُّ مِمَّا أَنْزَلَهُ فِيمَا قَبْلَهَا مِنْ أَحْكَامِهِ.
وَهَذَا الَّذِي شَرَحْنَاهُ يُفَنِّدُ زَعْمَ بَعْضِ الْمُتَعَصِّبِينَ الْغُلَاةِ فِي ذَمِّ الْإِسْلَامِ بِالْهَوَى الْبَاطِلِ أَنَّ رَبَّ الْمُسْلِمِينَ رَبٌّ غَضُوبٌ مُنْتَقِمٌ قَهَّارٌ، وَدِينَهُمْ دِينُ رُعْبٍ وَخَوْفٍ، بِخِلَافِ دِينِ النَّصْرَانِيَّةِ الَّذِي يُسَمِّي الرَّبَّ أَبًا لِلْإِعْلَامِ بِأَنَّهُ يُعَامِلُ عِبَادَهُ كَمُعَامَلَةِ الْأَبِ لِأَوْلَادِهِ، وَقَدْ أَشَارَ شَيْخُنَا إِلَى هَذَا الزَّعْمِ وَفَنَّدَهُ فِي تَفْسِيرِ اسْمِ الرَّبِّ. وَسَنَذْكُرُ فِي فَائِدَةٍ أُخْرَى الْمُقَابَلَةَ بَيْنَ صَلَاةِ الْمُسْلِمِينَ بِقِرَاءَةِ الْفَاتِحَةِ وَصَلَاةِ النَّصَارَى بِالصِّيغَةِ الْمَعْرُوفَةِ عِنْدَهُمْ بِالصَّلَاةِ الرَّبَّانِيَّةِ، وَثَبَتَ فِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ أَنَّ الرَّبَّ أَرْحَمُ بِعِبَادِهِ مِنَ الْأُمِّ بِوَلَدِهَا الرَّضِيعِ، وَأَنَّ جَمِيعَ مَا أَوْدَعَهُ فِي قُلُوبِ خَلْقِهِ مِنَ الرَّحْمَةِ جُزْءٌ مِنْ مِائَةِ جُزْءٍ مِنْ رَحْمَتِهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى، وَيَجِدُ الْقَارِئُ تَفْصِيلَ الْقَوْلِ فِي سَعَةِ الرَّحْمَةِ الْإِلَهِيَّةِ فِي تَفْسِيرِ قَوْلِهِ - عَزَّ وَجَلَّ: (وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ) (7: 156) مِنْ سُورَةِ الْأَعْرَافِ.
تَفْسِيرُ صِفَةِ الرَّحْمَةِ عَلَى مَذْهَبِ السَّلَفِ
مَا نَقَلْنَاهُ عَنْ شَيْخِنَا فِي مَعْنَى الرَّحْمَةِ (ص 38) . تَبِعَ فِيهِ مُتَكَلِّمِي الْأَشَاعِرَةِ وَالْمُعْتَزِلَةِ وَمُفَسِّرِيهِمْ كَالزَّمَخْشَرِيِّ وَالْبَيْضَاوِيِّ ذُهُولًا. وَمُحَصَّلُهُ أَنَّ الرَّحْمَةَ لَيْسَتْ مِنْ صِفَاتِ الذَّاتِ أَوْ صِفَاتِ الْمَعَانِي الْقَائِمَةِ بِذَاتِهِ تَعَالَى لِاسْتِحَالَةِ مَعْنَاهَا اللُّغَوِيِّ عَلَيْهِ فَيَجِبُ تَأْوِيلُهَا بِلَازِمِهَا وَهُوَ الْإِحْسَانُ فَتَكُونُ مِنْ صِفَاتِ الْأَفْعَالِ كَالْخَالِقِ الرَّزَّاقِ. وَقَالَ بَعْضُهُمْ: يُمْكِنُ تَأْوِيلُهَا بِإِرَادَةِ الْإِحْسَانِ فَتَرْجِعُ إِلَى صِفَةِ الْإِرَادَةِ فَلَا تَكُونُ صِفَةً مُسْتَقِلَّةً. وَهَذَا الْقَوْلُ مِنْ فَلْسَفَةِ الْمُتَكَلِّمِينَ الْبَاطِلَةِ الْمُخَالَفَةِ لِهَدْيِ السَّلَفِ الصَّالِحِ.
وَالتَّحْقِيقُ: أَنَّ صِفَةَ الرَّحْمَةِ كَصِفَةِ الْعِلْمِ وَالْإِرَادَةِ وَالْقُدْرَةِ وَسَائِرِ مَا يُسَمِّيهِ الْأَشَاعِرَةُ صِفَاتِ الْمَعَانِي وَيَقُولُونَ إِنَّهَا صِفَاتٌ قَائِمَةٌ بِذَاتِهِ تَعَالَى خِلَافًا لِلْمُعْتَزِلَةِ. فَإِنَّ مَعَانِيَ هَذِهِ الصِّفَاتِ كُلِّهَا بِحَسْبِ مَدْلُولِهَا اللُّغَوِيِّ وَاسْتِعْمَالِهَا فِي الْبَشَرِ مُحَالٌ عَلَى اللهِ تَعَالَى إِذِ الْعِلْمُ بِحَسْبَ مَدْلُولِهِ اللُّغَوِيِّ هُوَ صُورَةُ الْمَعْلُومَاتِ فِي الذِّهْنِ، الَّتِي اسْتَفَادَهَا مِنْ إِدْرَاكِ الْحَوَاسِّ أَوْ مِنَ الْفِكْرِ، وَهِيَ بِهَذَا الْمَعْنَى مُحَالٌ عَلَى اللهِ تَعَالَى، فَإِنَّ عِلْمَهُ تَعَالَى قَدِيمٌ بِقِدَمِهِ غَيْرُ عَرَضٍ مُنْتَزَعٍ مِنْ صُوَرِ الْمَعْلُومَاتِ. وَكَذَلِكَ يُقَالُ فِي سَمْعِهِ تَعَالَى وَبَصَرِهِ وَقَدْ عَدُّوهُمَا مِنْ صِفَاتِ الْمَعَانِي الْقَائِمَةِ بِنَفْسِهِ، وَالرَّحْمَةُ مِثْلُهَا فِي هَذَا.
فَقَاعِدَةُ السَّلَفِ فِي جَمِيعِ الصِّفَاتِ الَّتِي وَصَفَ اللهُ تَعَالَى بِهَا نَفْسَهُ فِي كِتَابِهِ وَعَلَى لِسَانِ رَسُولِهِ أَنْ نُثْبِتَهَا لَهُ وَنُمِرَّهَا كَمَا جَاءَتْ مَعَ التَّنْزِيهِ عَنْ صِفَاتِ الْخَلْقِ الثَّابِتِ عَقْلًا وَنَقْلًا بِقَوْلِهِ - عَزَّ وَجَلَّ - (لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ) فَنَقُولُ: إِنَّ لِلَّهِ عِلْمًا حَقِيقِيًّا هُوَ وَصْفٌ لَهُ، وَلَكِنَّهُ لَا يُشْبِهُ عِلْمَنَا، وَإِنَّ لَهُ سَمْعًا حَقِيقِيًّا هُوَ وَصْفٌ لَهُ لَا يُشْبِهُ سَمْعَنَا، وَإِنَّ لَهُ رَحْمَةً حَقِيقِيَّةً هِيَ وَصْفٌ لَهُ لَا تُشْبِهُ رَحْمَتَنَا الَّتِي هِيَ انْفِعَالٌ فِي النَّفْسِ، وَهَكَذَا نَقُولُ فِي سَائِرِ صِفَاتِهِ تَعَالَى فَنَجْمَعُ بِذَلِكَ بَيْنَ النَّقْلِ وَالْعَقْلِ،
وَأَمَّا التَّحَكُّمُ بِتَأْوِيلِ بَعْضِ الصِّفَاتِ وَجَعْلِ إِطْلَاقِهَا مِنَ الْمَجَازِ الْمُرْسَلِ. أَوِ الِاسْتِعَارَةِ التَّمْثِيلِيَّةِ كَمَا قَالُوا فِي الرَّحْمَةِ وَالْغَضَبِ وَأَمْثَالِهِمَا دُونَ الْعِلْمِ وَالسَّمْعِ وَالْبَصَرِ وَأَمْثَالِهِمَا، فَهُوَ تَحَكُّمٌ فِي صِفَاتِ اللهِ وَإِلْحَادٌ فِيهَا، فَأَمَّا أَنْ تُجْعَلَ كُلُّهَا مِنْ بَابِ الْحَقِيقِيَّةِ مَعَ الِاعْتِرَافِ بِالْعَجْزِ عَنْ إِدْرَاكِ كُنْهِ هَذِهِ الْحَقِيقَةِ وَالِاكْتِفَاءِ بِالْإِيمَانِ بِمَعْنَى الصِّفَةِ الْعَامَّةِ مَعَ التَّنْوِيهِ عَنِ التَّشْبِيهِ، وَإِمَّا أَنْ تُجْعَلَ كُلُّهَا مِنْ بَابِ الْمَجَازِ اللُّغَوِيِّ بِاعْتِبَارِ أَنَّ وَاضِعَ اللُّغَةِ وَضَعَ هَذِهِ الْأَلْفَاظَ لِصِفَاتِ الْمَخْلُوقِينَ فَاسْتَعْمَلَهَا الشَّرْعُ فِي الصِّفَاتِ الْإِلَهِيَّةِ الْمُنَاسِبَةِ لَهَا مَعَ الْعِلْمِ بِعَدَمِ شَبَهِهَا بِهَا مِنْ بَابِ التَّجَوُّزِ.
وَقَدْ عَبَّرَ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ الْغَزَالِيُّ رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى عَنْ هَذَا الْمَعْنَى أَفْصَحَ تَعْبِيرٍ، فَقَالَ فِي كِتَابِ الشُّكْرِ مِنَ الْإِحْيَاءِ: إِنَّ اللهَ - عَزَّ وَجَلَّ - فِي جَلَالِهِ وَكِبْرِيَائِهِ صِفَةٌ يَصْدُرُ عَنْهَا الْخَلْقُ وَالِاخْتِرَاعُ وَتِلْكَ الصِّفَةُ أَعْلَى وَأَجَلُّ مِنْ أَنْ تَلْمَحَهَا عَيْنُ وَاضِعِ اللُّغَةِ حَتَّى تُعَبِّرَ عَنْهَا بِعِبَارَةٍ تَدُلُّ عَلَى كُنْهِ جَلَالِهَا وَخُصُوصِ حَقِيقَتِهَا، فَلَمْ يَكُنْ لَهَا فِي الْعَالَمِ عِبَارَةٌ لِعُلُوِّ شَأْنِهَا وَانْحِطَاطِ رُتْبَةِ وَاضِعِي اللُّغَاتِ عَنْ أَنْ يَمْتَدَّ طَرَفُ فَهْمِهِمْ إِلَى
مَبَادِئِ إِشْرَاقِهَا، فَانْخَفَضَتْ عَنْ ذُرْوَتِهَا أَبْصَارُهُمْ كَمَا تَنْخَفِضُ أَبْصَارُ الْخَفَافِيشِ عَنْ نُورِ الشَّمْسِ، لَا لِغُمُوضٍ فِي نُورِ الشَّمْسِ، وَلَكِنْ لِضَعْفِ أَبْصَارِ الْخَفَافِيشِ، فَاضْطُرَّ الَّذِينَ فُتِحَتْ أَبْصَارُهُمْ لِمُلَاحَظَةِ جَلَالِهَا إِلَى أَنْ يَسْتَعِيرُوا مِنْ حَضِيضِ عَالَمِ الْمُتَنَاطِقِينَ بِاللُّغَاتِ عِبَارَةً تُفْهِمُ مِنْ مَبَادِئِ حَقَائِقِهَا شَيْئًا ضَعِيفًا جِدًّا، فَاسْتَعَارُوا لَهَا اسْمَ الْقُدْرَةِ فَتَجَاسَرْنَا بِسَبَبِ اسْتِعَارَتِهِمْ عَلَى النُّطْقِ فَقُلْنَا: إِنَّ لِلَّهِ تَعَالَى صِفَةً هِيَ الْقُدْرَةُ، عَنْهَا يَصْدُرُ الْخَلْقُ وَالِاخْتِرَاعُ اهـ.
وَقَدْ رَجَعَ الْإِمَامُ أَبُو الْحَسَنِ الْأَشْعَرِيُّ شَيْخُ الْمُتَكَلِّمِينَ وَالنُّظَّارِ إِلَى مَذْهَبِ السَّلَفِ فِي نِهَايَةِ أَمْرِهِ، وَصَرَّحَ فِي آخِرِ كُتُبِهِ وَهُوَ (الْإِبَانَةُ) بِذَلِكَ، وَأَنَّهُ مُتَّبِعٌ لِلْإِمَامِ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ شَيْخِ السُّنَّةِ وَالْمُدَافِعِ عَنْهَا رَحِمَهُمُ اللهُ أَجْمَعِينَ.
مُعَارَضَةٌ نَصْرَانِيَّةٌ سَخِيفَةٌ، لِلْفَاتِحَةِ الشَّرِيفَةِ
عَرَفَ كُلٌّ مَنْ ذَاقَ طَعْمَ الْبَلَاغَةِ الْعَرَبِيَّةِ مِنْ مُؤْمِنٍ وَكَافِرٍ أَنَّ الْقُرْآنَ أَبْلَغُ الْكَلَامِ وَأَفْصَحُهُ، لَمْ يُكَابِرْ فِي ذَلِكَ مُكَابِرٌ، وَلَمْ يُجَادِلْ فِيهِ مُجَادِلٌ، وَأَنَّ الْفَاتِحَةَ مِنْ أَعْلَاهُ فَصَاحَةً وَبَلَاغَةً وَجَمْعًا لِلْمَعَانِي الْكَثِيرَةِ فِي الْأَلْفَاظِ الْقَلِيلَةِ، وَاشْتِمَالًا عَلَى مُهِمَّاتِ الدِّينِ مِنْ صِفَاتِ اللهِ الَّتِي تَجْذِبُ قَلْبَ مِنْ تَدَبَّرَهَا إِلَى حُبِّهِ، وَتُنْطِقُ لِسَانَهُ بِحَمْدِهِ، وَتُعْلِي هِمَّتَهُ بِتَوْحِيدِهِ. وَتُهَذِّبُ نَفْسَهُ بِمَعَانِي أَسْمَائِهِ وَصِفَاتِهِ، وَإِحَاطَةِ رُبُوبِيَّتِهِ وَمِلْكِهِ، وَتُذَكِّرُهُ يَوْمَ الدِّينِ الَّذِي يُجْزَى فِيهِ عَلَى عَمَلِهِ، وَتُوَجِّهُ وَجْهَهُ إِلَى السَّيْرِ عَلَى الصِّرَاطِ الْمُسْتَقِيمِ فِي خَاصَّةِ نَفْسِهِ، وَفِي مُعَامَلَةِ اللهِ وَمُعَامَلَةِ خَلْقِهِ، وَتُذَكِّرُهُ بِالْقُدْوَةِ الصَّالِحَةِ فِي ذَلِكَ بِإِضَافَةِ الصِّرَاطِ الَّذِي يَتَحَرَّى الِاسْتِقَامَةَ عَلَيْهِ، وَيَسْأَلُ اللهَ تَوْفِيقَهُ دَائِمًا لَهُ، إِلَى مَنْ أَسْبَغَ اللهُ عَلَيْهِمْ نِعَمَهُ، وَمَنَحَهُمْ رِضْوَانُهُ، وَجَعَلَهُمْ هُدَاةَ خَلْقِهِ بِأَقْوَالِهِمْ،
وَأُسْوَتَهُمُ الْحَسَنَةَ فِي أَفْعَالِهِمْ، وَمُثُلَ الْكَمَالِ فِي آدَابِهِمْ وَأَخْلَاقِهِمْ، مِنَ النَّبِيَّيْنِ وَالصَّدِيقَيْنِ، وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ، وَتُحَذِّرُهُ مِنْ شَرَارِ الْخَلْقِ الَّذِينَ يُؤْثِرُونَ الْبَاطِلَ عَلَى الْحَقِّ، وَيُفَضِّلُونَ الشَّرَّ عَلَى الْخَيْرِ، عَلَى عِلْمٍ مِنْهُمْ بِذَلِكَ. وَهُمُ الْمَغْضُوبُ عَلَيْهِمْ - أَوْ عَلَى جَهْلٍ بِهِ كَالَّذِينِ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا، وَهُمُ الضَّالُّونَ. وَهَذَا التَّحْذِيرُ يَتَضَمَّنُ حَثَّ
الْمُسْلِمِ الْمُتَعَبِّدِ بِالْفَاتِحَةِ الْمُكَرِّرِ لَهَا فِي صَلَاتِهِ عَلَى الْعِنَايَةِ بِتَكْمِيلِ نَفْسِهِ بِتَحَرِّي الْتِزَامِ الْحَقِّ وَعَمَلِ الْخَيْرِ، بِأَحْكَامِ الْعِلْمِ وَتَرْبِيَةِ النَّفْسِ وَالتَّمَرُّنِ عَلَى الْعَمَلِ الصَّالِحِ.
هَذِهِ السُّورَةُ الْجَلِيلَةُ الَّتِي ذَكَّرْنَاكَ أَيُّهَا الْقَارِئُ بِمُجْمَلٍ مِمَّا فَصَّلْنَاهُ فِي تَفْسِيرِهَا يَزْعُمُ أَحَدُ دُعَاةِ النَّصْرَانِيَّةِ فِي هَذَا الْعَصْرِ أَنَّهَا بِمَعْزِلٍ مِنَ الْبَلَاغَةِ بِأَنَّ مَا بَعْدَ الصِّرَاطِ الْمُسْتَقِيمِ فِيهَا "حَشْوٌ وَتَحْصِيلُ حَاصِلٍ" وَمَا قَبْلَهُ يُمْكِنُ اخْتِصَارُهُ بِمَا لَا يُضَيِّعُ شَيْئًا مِنْ مَعْنَاهُ، كَمَا فَعَلَهُ بَعْضُهُمْ، قَالَ هَذَا الْقَوْلَ دَاعِيَةٌ مِنَ الْمُبَشِّرِينَ الْمَأْجُورِينَ مِنْ قِبَلِ جَمْعِيَّاتِ التَّبْشِيرِ الْإِنْكِلِيزِيَّةِ وَالْأَمِيرِكَانِيَّةِ فِي كِتَابٍ لَفَّقَهُ فِي إِبْطَالِ إِعْجَازِ الْقُرْآنِ بِزَعْمِهِ، بَلْ أَنْكَرَ بَلَاغَتَهُ مِنْ أَصْلِهَا؛ قَالَ:
"وَمَا أَحْسَنَ قَوْلِ بَعْضِهِمْ أَنَّهُ لَوْ قَالَ: الْحَمْدُ لِلرَّحْمَنِ، رَبِّ الْأَكْوَانِ، الْمَلِكِ الدَّيَّانِ، لَكَ الْعِبَادَةُ وَبِكَ الْمُسْتَعَانُ، اهْدِنَا صِرَاطَ الْإِيمَانِ، لَأَوْجَزَ وَجَمَعَ كَلَّ الْمَعْنَى وَتَخَلَّصَ مِنْ ضَعْفِ التَّأْلِيفِ وَالْحَشْوِ وَالْخُرُوجِ عَنِ الرَّدِيءِ كَمَا بَيْنَ الرَّحِيمِ وَنَسْتَعِينُ" أهـ.
أَقُولُ لَقَدْ كَانَ خَيْرًا لِهَذَا الْمُتَعَصِّبِ الْمَأْجُورِ لِإِضْلَالِ عَوَامِّ الْمُسْلِمِينَ عَلَى شَرْطِ أَلَّا يَذْكُرَ اسْمَهُ فِي كُتَيِّبِهِ، وَلَا يَفْضَحَ نَفْسَهُ بَيْنَ قَوْمِهِ، أَنْ يَخْتَصِرَ لِمُسْتَأْجِرِيهِ آلِهَتَهُمْ وَكُتُبَهُمُ الَّتِي صَدَّتْ جَمِيعَ مُسْتَقِلِّي الْفِكْرِ مِنْ أَقْوَامِهِمْ وَشُعُوبِهِمْ عَنْ دِينِهِمْ بَلْ صَدَّتْ بَعْضَهُمْ عَنْ كُلِّ دِينٍ، فَإِنَّ اخْتِصَارَ الدَّرَارِيِّ السَّبْعِ فِي السَّمَاءِ، أَهْوَنُ مِنَ اخْتِصَارِ آيَاتِ الْفَاتِحَةِ السَّبْعِ فِي الْأَرْضِ. وَحَسْبُ الْعَالَمِ مِنْ فَضِيحَتِهِ إِيرَادُ سَخَافَتِهِ هَذِهِ وَتَشْهِيرُهُ بِهَا لَوْ كَانَ حَيًّا يَمْشِي بَيْنَ النَّاسِ.
وَأَمَّا الْعَامِّيُّ الْجَاهِلُ، الَّذِي قَدْ يَغْتَرُّ بِقَوْلِ كُلِّ قَائِلٍ، وَلَا سِيَّمَا إِذَا كَانَ فِي الطَّعْنِ بِغَيْرِ دِينِهِ، فَرُبَّمَا يَحْتَاجُ إِلَى التَّنْبِيهِ لِبَعْضِ فَضَائِحِ هَذَا الِاخْتِصَارِ، وَإِنْ كَانَتْ لَا تَخْفَى عَلَى أُولِي الْأَبْصَارِ وَنَكْتَفِي مِنْهُ بِمَا يَلِي:
(1) إِنَّ أَوَّلَ شَيْءٍ اخْتَصَرَهُ هَذَا الْجَاهِلُ الْمُتَعَصِّبُ وَجَعَلَ ذِكْرَهُ مَطْعَنًا فِي فَاتِحَةِ الْقُرْآنِ اسْمُ الْجَلَالَةِ الْأَعْظَمِ (اللهُ) الَّذِي لَا يُغْنِي عَنْهُ سَرْدُ جَمِيعِ أَسْمَاءِ اللهِ الْحُسْنَى! فَإِنَّهُ هُوَ اسْمُ الذَّاتِ الْمُلَاحَظُ مَعَهُ اتِّصَافُ تِلْكَ الذَّاتِ بِجَمِيعِ صِفَاتِ الْكَمَالِ إِجْمَالًا.
(2) أَنَّهُ اخْتَصَرَ اسْمَ الرَّحِيمِ وَقَدْ بَيَّنَّا فَائِدَتَهُ وَأَنَّ اسْمَ الرَّحْمَنِ لَا يُغْنِي عَنْهُ،
وَأَنَّى لِمِثْلِهِ أَنْ يَعْلَمَهُ؟ وَيُرَاجَعُ الْفَرْقُ بَيْنَهُمَا فِيمَا تَقَدَّمَ.
(3) أَنَّهُ اسْتَبْدَلَ الْأَكْوَانَ بِالْعَالَمِينَ وَلَيْسَ فِي هَذَا اخْتِصَارٌ، وَإِنَّمَا فِيهِ اسْتِبْدَالُ الَّذِي هُوَ أَدْنَى بِالَّذِي هُوَ خَيْرٌ وَأَوْلَى، فَإِنَّ الْأَكْوَانَ جَمْعُ كَوْنٍ، وَهُوَ فِي الْأَصْلِ مَصْدَرٌ لَا يُجْمَعُ،
وَلَهُ مَعَانٍ لَا يَصِحُّ إِضَافَةُ اسْمِ الرَّبِّ إِلَيْهَا، مِنْهَا الْحَدَثُ وَالصَّيْرُورَةُ وَالْكَفَالَةُ، وَيُطْلِقُهُ عَرَبُ الْجَزِيرَةِ عَلَى الْحَرْبِ لَعَلَّهُمْ لَا يَسْتَعْمِلُونَهُ فِي غَيْرِهَا، وَأَمَّا الْعَالَمُونَ فَجَمْعُ عَالَمٍ، وَفِي اشْتِقَاقِهِ التَّذْكِيرُ بِكَوْنِهِ عَلَامَةً وَدَلِيلًا عَلَى وُجُودِ خَالِقِهِ، وَفِي جَمْعِهِ جَمْعَ الْعُقَلَاءِ تَذْكِيرٌ لِلْقَارِئِ بِمَا فِي كَلِمَةِ رَبٍّ مِنْ مَعْنَى تَرْبِيَتِهِ جَلَّ جَلَالُهُ وَعَمَّ نَوَالُهُ لِلْأَحْيَاءِ وَلَا سِيَّمَا النَّاسُ، وَكَوْنُهُمْ يَشْكُرُونَهُ عَلَيْهَا بِقَدْرِ اسْتِعْمَالِ عُقُولِهِمْ، وَلِذَلِكَ قَالَ بَعْضُ الْأَعْلَامِ: إِنَّ لَفْظَ الْعَالَمِينَ عَامٌّ مُسْتَعْمَلٌ هُنَا فِي الْخَاصِّ، وَهُوَ عَالَمُ الْبَشَرِ، وَرَاجِعْ سَائِرَ تَفْسِيرِهِ الْمُتَقَدِّمِ.
(4) أَنَّهُ اسْتَبْدَلَ كَلِمَةَ (الدَّيَّانِ) بِكَلِمَةِ (يَوْمِ الدِّينِ) وَهِيَ لَا تَقُومُ مَقَامَهَا، وَلَا تُفِيدُ مَا فِيهَا مِنَ الْمَعَانِي الْمَطْلُوبَةِ لِذَاتِهَا، فَإِنَّ لِلدَّيَّانِ فِي اللُّغَةِ مَعَانِيَ مِنْهَا الْقَاضِي وَالْحَاسِبُ أَوِ الْمُحَاسِبُ وَالْقَاهِرُ. وَغَايَةُ مَا يُفِيدُهُ وَصْفُ الرَّبِّ بِأَنَّهُ حَاكِمٌ يَدِينُ عِبَادَهُ وَيَجْزِيهِمْ. وَأَمَّا يَوْمُ الدِّينِ: فَإِنَّهُ اسْمٌ لِيَوْمٍ مُعَيَّنٍ مَوْصُوفٍ فِي كِتَابِ اللهِ بِأَوْصَافٍ عَظِيمَةٍ هَائِلَةٍ، يُحَاسِبُ اللهُ فِيهِ الْخَلَائِقَ وَيَحْكُمُ بَيْنَهُمْ وَيَجْزِيهِمْ، وَالْإِيمَانُ بِهَذَا الْيَوْمِ رُكْنٌ مِنْ أَرْكَانِ الدِّينِ، وَإِضَافَةُ مَلِكٍ وَمَالِكٍ إِلَيْهِ تُفِيدُ أَنَّ الْأَمْرَ كُلَّهُ فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ لَهُ وَحْدَهُ فَلَا يَمْلِكُ أَحَدٌ لِأَحَدٍ فِيهِ شَيْئًا مِنْ نَفْعٍ وَلَا مِنْ كَشْفِ ضُرٍّ كَمَا تَقَدَّمَ تَفْصِيلُهُ فِي تَفْسِيرِ الْآيَةِ - فَاسْتِحْضَارُ هَذِهِ الْمَعَانِي فِي النَّفْسِ لَهُ مِنَ التَّأْثِيرِ الْمُقَوِّي لِعَقِيدَةِ التَّوْحِيدِ الْمُرَغِّبِ فِي الْعَمَلِ الصَّالِحِ الْمُرَهِّبِ الزَّاخِرِ عَنِ الشَّرِّ، مَا لَيْسَ لِاسْمِ الدَّيَّانِ وَحْدَهُ، وَيَكْفِي الْإِنْسَانَ فِي الْجَزْمِ بِهَذَا مُشَاوَرَةُ فِكْرِهِ، وَمُرَاجَعَةُ وِجْدَانِهِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ يَعْلَمُ مِنْ فُنُونِ الْبَلَاغَةِ شَيْئًا، وَهَلْ لِهَذَا الْمُبَشِّرِ الْمُتَعَصِّبِ فِكْرٌ وَوِجْدَانٌ يَهْدِيَانِهِ إِلَى مَا يَجْهَلُ مِنْ بَلَاغَةِ الْقُرْآنِ؟
(5، 6) أَنَّهُ اخْتَصَرَ قَوْلَهُ تَعَالَى: (إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ) بِقَوْلِهِ هُوَ: لَكَ الْعِبَادَةُ وَبِكَ الْمُسْتَعَانُ. وَهُوَ أَغْرَبُ مَا جَاءَ بِهِ وَسَمَّاهُ إِيجَازًا، فَإِنَّهُ اسْتَبْدَلَ أَرْبَعًا بِأَرْبَعٍ، وَلَكِنَّهَا أَطْوَلُ مِنْهَا بِزِيَادَةِ حَرْفٍ، وَتَنْقُصُ عَنْهَا فِي الْمَعْنَى، فَأَيْنَ الْإِيجَازُ؟ إِنَّهُ مَفْقُودٌ لَفْظًا وَمَعْنًى.
إِذَا أَرَادَ بِقَوْلِهِ: لَكَ الْعِبَادَةُ - أَنَّهَا كُلَّهَا لَهُ تَعَالَى فِي الْوَاقِعِ وَنَفْسِ الْأَمْرِ، فَالْجُمْلَةُ غَيْرُ صَحِيحَةٍ؛ لِأَنَّ الَّذِينَ لَا يَعْبُدُونَهُ وَحْدَهُ مِنَ الْبَشَرِ هُمُ الْأَكْثَرُونَ. وَمِنْهُمُ النَّصَارَى قَوْمُ الطَّاعِنِ فِي دِينِ التَّوْحِيدِ وَكِتَابِ التَّوْحِيدِ الْأَعْظَمِ (الْقُرْآنِ) الْمُبَدِّلِينَ لِآيَةِ التَّوْحِيدِ الْبَلِيغَةِ. وَإِنْ أَرَادَ أَنَّ الْعِبَادَةَ مُسْتَحَقَّةٌ لِلَّهِ تَعَالَى وَحْدَهُ فَالْمَعْنَى صَحِيحٌ، لَكِنَّهُ لَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْقَارِئَ، وَلَا وَاضِعَ الْجُمْلَةِ مِنَ الْقَائِمَيْنِ بِهَذَا الْحَقِّ لَهُ تَعَالَى. وَأَمَّا "إِيَّاكَ نَعْبُدُ" فَإِنَّهَا تُفِيدُ عَرْضَ عِبَادَةِ الْقَارِئِ مَعَ عِبَادَةِ جَمِيعِ الْمُؤْمِنِينَ الْمُوَحِّدِينَ عَلَيْهِ جَلَّ جَلَالُهُ، وَتُقَرِّبُهُمْ إِلَيْهِ بِأَنَّهُمْ يَعْبُدُونَهُ وَلَا يَعْبُدُونَ غَيْرَهُ.
وَأُحِيلُكَ فِي الْفَرْقِ بَيْنَ تَأْثِيرِ هَذَا وَذَاكَ عَلَى الْوِجْدَانِ الَّذِي ذَكَّرْتُكَ بِهِ فِي النَّقْدِ الَّذِي قَبْلَهُ، دَعْ مَا فِي عَرْضِ الْمُؤْمِنِ عِبَادَتَهُ وَاسْتِعَانَتَهُ عَلَى رَبِّهِ فِي ضِمْنِ عِبَادَةِ جَمِيعِ الْمُؤْمِنِينَ وَاسْتِعَانَتِهِمْ
مِنْ مُلَاحَظَةِ أُخُوَّةِ الْإِيمَانِ وَتَكَافُلِ أَهْلِهِ، وَمِنْ هَضْمِ الْفَرْدِ لِنَفْسِهِ، وَرَجَاءِ الْقَبُولِ فِي ضِمْنِ الْجَمَاعَةِ، وَغَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا يُعْلَمُ مِنْ تَفْسِيرِ الْآيَةِ.
وَمِثْلُ هَذَا يُقَالُ فِي مَسْأَلَةِ الِاسْتِعَانَةِ، وَيُمْكِنُ الزِّيَادَةُ عَلَيْهِ مِنْ جِهَةِ الْمَعْنَى وَمِنْ جِهَةِ اللَّفْظِ، وَمِنْهُ اخْتِيَارُهُ الْمَصْدَرَ الْمِيمِيَّ الَّذِي هُوَ صِيغَةُ اسْمِ الْمَفْعُولِ (الْمُسْتَعَانِ) عَلَى الْمَصْدَرِ الْأَصْلِيِّ وَهُوَ الِاسْتِعَانَةُ الْمُنَاسِبِ لِلَفْظِ الْعِبَادَةِ، وَمِنْ جِهَةِ ارْتِبَاطِهِ بِمَا بَعْدَهُ، فَإِنَّ طَلَبَنَا لِلْهِدَايَةِ مِنَ الِاسْتِعَانَةِ الَّتِي أَسْنَدْنَاهَا إِلَى أَنْفُسِنَا.
(7) اسْتِبْدَالُهُ "صِرَاطَ الْإِيمَانِ" بِالصِّرَاطِ الْمُسْتَقِيمِ، وَهَذَا أَعَمُّ مِنْهُ وَأَشْمَلُ؛ لِأَنَّهُ يَشْمَلُ الْإِيمَانَ وَالْإِسْلَامَ وَالْإِحْسَانَ، مِنَ الْعَقَائِدِ وَالْعِبَادَاتِ وَالْآدَابِ، مَعَ وَصْفِهِ بِالْمُسْتَقِيمِ الَّذِي لَا عِوَجَ فِيهِ. فَإِنَّ بَعْضَ الطُّرُقِ الْمُوَصِّلَةِ إِلَى الْمَقَاصِدِ الَّتِي يُسَمَّى سَالِكُهَا مُهْتَدِيًا إِلَى مَقْصِدِهِ فِي الْجُمْلَةِ، قَدْ يَكُونُ فِيهَا عِوَجٌ يَعُوقُ هَذَا السَّالِكَ، وَالْمُسْتَقِيمُ هُوَ أَقْرَبُ مُوَصِّلٍ بَيْنَ طَرَفَيْنِ فَسَالِكُهُ يَصِلُ إِلَى مَقْصِدِهِ فِي أَسْرَعِ وَقْتٍ، كَذَلِكَ الطُّرُقُ الْمَعْنَوِيَّةُ، مِنْهَا الْمُوَصِّلُ إِلَى الْغَايَةِ وَغَيْرُ الْمُوُصِّلِ، وَمِنَ الْمُوَصِّلِ مَا يُوَصِّلُ بِسُرْعَةٍ لِعَدَمِ الْعَائِقِ، وَمَا يَعْتَرِي سَالِكَهُ الْمَوَانِعَ وَاقْتِحَامَ لْعَقَبَاتِ وَاتِّقَاءَ الْعَثَرَاتِ.
(8) أَنَّ وَصْفَ الصِّرَاطِ الْمُسْتَقِيمِ بِكَوْنِهِ الصِّرَاطَ الَّذِي سَلَكَهُ خِيَارُ عِبَادِ اللهِ الْمُفْلِحِينَ، مِنَ النَّبِيَّيْنِ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ، مُذَكِّرٌ لِقَارِئِهِ بِأُولَئِكَ
الْأَئِمَّةِ الْوَارِثِينَ، الَّذِينَ يَجِبُ التَّأَسِّي بِهِمْ، وَالسَّعْيُ لِلِانْتِظَامِ فِي سِلْكِهِمْ، وَالتَّصْرِيحُ بِكَوْنِهِ غَيْرَ صِرَاطِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ مِنَ الْمُعَانِدِينَ لِلْحَقِّ، وَغَيْرِ الضَّالَّيْنِ الزَّائِغِينَ عَنِ الْقَصْدِ، مُذَكِّرٌ لِلْقَارِئِ بِوُجُوبِ اجْتِنَابِ سُبُلِهِمْ، لِئَلَّا يَتَرَدَّى فِي هَاوِيَتِهِمْ.
أَيْنَ مِنْ هَذِهِ الْمَقَاصِدِ السَّامِيَةِ الْهَادِيَةِ إِلَى تَزْكِيَةِ النَّفْسِ وَإِعْدَادِهَا لِسَعَادَتَيِ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، صِيغَةُ الصَّلَاةِ فِي مِلَّةِ هَذَا الْمُخْتَصِرِ الْمُسْتَأْجَرِ، وَهِيَ كَمَا فِي إِنْجِيلِ مَتَّى (أَبَانَا الَّذِي فِي السَّمَاوَاتِ، لِيَتَقَدَّسَ اسْمُكَ، لِيَأْتِ مَلَكُوتُكَ، لِتَكُنْ مَشِيئَتُكَ كَمَا فِي السَّمَاءِ كَذَلِكَ عَلَى الْأَرْضِ، خُبْزُنَا كَفَافُنَا أَعْطِنَا الْيَوْمَ، وَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا كَمَا نَغْفِرُ نَحْنُ أَيْضًا لِلْمُذْنِبِينَ إِلَيْنَا، وَلَا تُدْخِلْنَا فِي تَجْرِبَةٍ، وَلَكِنْ نَجِّنَا مِنَ الشِّرِّيرِ آمِينْ) (6: 9 - 13) أهـ. زَادَ فِي نُسَخَةِ الْأَمِيرْكَانِ: (لِأَنَّ لَكَ الْمُلْكَ وَالْقُوَّةَ وَالْمَجْدَ إِلَى الْأَبَدِ) وَجَعَلُوا هَذِهِ الزِّيَادَةَ بَيْنَ عَلَامَتَيِ الْكَلَامِ الدَّخِيلِ هَكَذَا فَمَنْ ذَا الَّذِي زَادَهَا عَلَى كَلَامِ الْمَسِيحِ؟
وَقَدْ يَقُولُ لَهُمْ مَنْ لَا يُؤْمِنُ بِأَنَّ هَذِهِ الصِّيغَةَ مَنْقُولَةٌ نَقْلًا صَحِيحًا عَنِ الْمَسِيحِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -، أَوْ مَنْ لَا يُؤْمِنُ بِهِ نَفْسُهُ: إِنَّهَا صَلَاةٌ لَيْسَ فِيهَا مِنَ الثَّنَاءِ عَلَى اللهِ تَعَالَى مَا فِي فَاتِحَةِ الْمُسْلِمِينَ وَلَا بَعْضِهِ، وَطَلَبُ تَقْدِيسِ اسْمِ الْأَبِ وَإِتْيَانِ مَلَكُوتِهِ تَحْصِيلُ حَاصِلٍ، فَهُوَ لَغْوٌ لَا يَلِيقُ بِالْعَاقِلِ،
وَذِكْرُهُ بِصِيغَةِ الْأَمْرِ بِاللَّامِ غَيْرُ لَائِقٍ - إِنْ لَمْ نَقُلْ فِي انْتِقَادِهِ مَا هُوَ أَشَدُّ مِنْ ذَلِكَ - وَأَبْعَدُ مِنْ ذَلِكَ عَنِ اللِّيَاقَةِ وَالْأَدَبِ مَعَ الرَّبِّ تَبَارَكَ وَتَعَالَى طَلَبُ كَوْنِ مَشِيئَتِهِ عَلَى الْأَرْضِ كَمَشِيئَتِهِ فِي السَّمَاءِ. وَكَوْنُهَا بِصِيغَةِ الْأَمْرِ بِاللَّامِ أَيْضًا، فَمَشِيئَتُهُ تَعَالَى نَافِذَةٌ فِي جَمِيعِ خَلْقِهِ مِنْ سَمَائِهِ وَأَرْضِهِ بِالضَّرُورَةِ، فَلَا مَعْنَى لِطَلَبِهَا، وَطَلَبِ الْمُسَاوَاةِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ فِيهَا إِنْ أُرِيدَ بِهِ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ، فَهُوَ تَحَكُّمٌ لَا يَخْفَى مَا يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ.
وَأَمَّا طَلَبُ الْخُبْزِ الْكَفَافِ فِي كُلِّ يَوْمٍ بِصِيغَةِ الْحَصْرِ فَهُوَ يُفِيدُ أَنَّ كُلَّ هَمِّهِمْ وَكُلَّ مَطْلَبِهِمْ مِنْ رَبِّهِمْ وَلَوْ لِدُنْيَاهُمْ هُوَ الْخَبْزُ الَّذِي يَكْفِيهِمْ، فَأَيْنَ هَذَا الْمَطْلَبُ مَنْ طَلَبِ الْهِدَايَةِ إِلَى الصِّرَاطِ الْمُسْتَقِيمِ الْمُوَصِّلِ إِلَى سَعَادَتَيِ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ عَلَى أَكْمَلِ وَجْهٍ، لِكَوْنِهِ نَفْسَ صِرَاطِ خِيَارِ النَّاسِ دُونَ شِرَارِهِمْ.
وَأَمَّا مَطْلَبُ الْمَغْفِرَةِ - فَهُوَ عَلَى كَوْنِهِ يَلِيقُ أَنْ يُطْلَبَ مِنْهُ تَعَالَى - يُنْتَقَدُ مِنْهُ تَشْبِيهُهَا بِمَغْفِرَةِ الطَّالِبِ لِلْمُذْنِبِ الْمُسِيءِ إِلَيْهِ مِنْ وَجْهَيْنِ:
(أَحَدُهُمَا) أَنَّ مَغْفَرَةَ اللهِ لِعَبْدِهِ أَجَلُّ وَأَعْظَمُ وَأَعَمُّ مِنْ مَغْفِرَةِ الْعَبْدِ لِمِثْلِهِ.
(ثَانِيهِمَا) أَنَّ الَّذِي يَغْفِرُ لِجَمِيعِ الْمُسِيئِينَ إِلَيْهِ نَادِرٌ، وَمِنَ الْمُشَاهَدِ أَنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ يَجْزُونَ عَلَى السَّيِّئَةِ إِمَّا بِمِثْلِهَا، وَإِمَّا بِأَكْثَرَ مِنْهَا، فَكَيْفَ يُكَلَّفُ هَؤُلَاءِ بِمُخَاطَبَةِ رَبِّهِمْ بِالْكَذِبِ عَلَيْهِ، الَّذِي حَاصِلُهُ أَنَّهُمْ يَطْلُبُونَ أَلَّا يَغْفِرَ لَهُمْ، لِأَنَّهُمْ لَا يَغْفِرُونَ لِلْمُسِيئِينَ إِلَيْهِمْ.
قَدْ يَقُولُونَ: نَعَمْ نَحْنُ نَلْتَزِمُ هَذَا؛ لِأَنَّ دِينَنَا يُوجِبُ عَلَيْنَا أَنْ نَغْفِرَ لِجَمِيعِ مَنْ أَذْنَبَ وَأَسَاءَ إِلَيْنَا، وَنَعْتَقِدُ أَنَّ رَبَّنَا لَا يَغْفِرُ لَنَا إِذَا لَمْ نَغْفِرْ لَهُمْ؛ لِأَنَّ مَنْ عَلَّمَنَا هَذِهِ الصَّلَاةَ قَالَ بَعْدَهَا: (فَإِنَّهُ إِنْ غَفَرْتُمْ لِلنَّاسِ زَلَّاتِهِمْ يَغْفِرْ لَكُمْ أَيْضًا أَبُوكُمُ السَّمَاوِيُّ، وَإِنْ لَمْ تَغْفِرُوا لِلنَّاسِ زَلَّاتِهِمْ لَا يَغْفِرْ لَكُمْ أَبُوكُمْ أَيْضًا زَلَّاتِكُمْ) (مَتَّى 6: 14) .
فَنَقُولُ: هَذَا التَّعْبِيرُ يَدُلُّ عَلَى وُجُوبِ مَغْفِرَةِ جَمِيعِ الذُّنُوبِ لِجَمِيعِ النَّاسِ عَامَّةً كَانَتْ أَوْ خَاصَّةً، فَأَيْنَ مِنْكُمْ يَا مَعْشَرَ النَّصَارَى مَنْ يَفْعَلُ ذَلِكَ؟ وَهَلْ يُوجَدُ فِي الْأَلْفِ أَوِ الْأُلُوفِ مِنْكُمْ وَاحِدٌ كَذَلِكَ؟ أَلَسْنَا نَرَى أَكْثَرَكُمْ وَمَنْ تَعُدُّونَهُمْ أَرْقَاكُمْ وَتَفْتَخِرُونَ بِهِمْ كَالْإِفْرِنْجِ لَا يَغْفِرُونَ لِأَحَدٍ أَدْنَى زَلَّةٍ، بَلْ لَا يَكْتَفُونَ بِعِقَابِ مَنْ يُسِئُ إِلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ إِذَا كَانَ مِنْ غَيْرِهِمْ بِمِثْلِ ذَنْبِهِ، وَإِنَّمَا يُضَاعِفُونَ لَهُ الْعِقَابَ أَضْعَافًا، بَلْ يَنْتَقِمُونَ مِنْ أُمَّتِهِ كُلِّهَا إِذَا كَانَتْ ضَعِيفَةً لَا يُمْكِنُهَا أَنْ تَصُدَّهُمْ بِالْقُوَّةِ، فَهُمْ لَا يَمْنَعُهُمْ مِنَ الْجَزَاءِ عَلَى السَّيِّئَةِ بِأَضْعَافِهَا مِنَ السَّيِّئَاتِ وَلَا مِنَ ابْتِدَاءِ الظُّلْمِ وَالْعُدْوَانِ إِلَّا الْعَجْزُ.
وُجُوبُ قِرَاءَةِ الْفَاتِحَةِ فِي الصَّلَاةِ، وَالْبَسْمَلَةُ مِنْهَا
فِي وُجُوبِ قِرَاءَةِ الْفَاتِحَةِ فِي الصَّلَاةِ أَحَادِيثُ قَوْلِيَّةٌ صَحِيحَةٌ صَرِيحَةٌ، وَجَرَى عَلَيْهَا الْعَمَلُ مِنْ أَوَّلِ الْإِسْلَامِ إِلَى الْيَوْمِ، وَإِنْ تَنَازَعَ بَعْضُ أَهْلِ الْخِلَافِ وَالْجَدَلِ فِي تَسْمِيَةِ هَذَا الْوَاجِبِ فَرْضًا وَعَدِّهِ شَرْطًا، وَأَصَحُّ مَا وَرَدَ وَأَصْرَحُهُ فِيهِ مَا رَوَاهُ الْجَمَاعَةُ كُلُّهُمْ مِنْ حَدِيثِ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُ - أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: (لَا صَلَاةَ لِمَنْ لَمْ يَقْرَأْ بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ) وَفِي لَفْظٍ رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيُّ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ (لَا تُجْزِئُ صَلَاةُ مَنْ لَمْ يَقْرَأْ بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ) وَهُوَ تَفْسِيرٌ لِلَفْظِ الْجَمَاعَةِ، فَإِنَّ نَفْيَ الصَّلَاةِ فِيهِ نَفْيُ صِحَّتِهَا
وَوَجْهُهُ: أَنَّ الْحَقِيقَةَ الْمُؤَلَّفَةَ مِنْ عِدَّةِ أَرْكَانٍ ذَاتِيَّةٍ تَنْتَفِي بِانْتِفَاءِ رُكْنٍ مِنْهَا، كَقَوْلِكَ: لَا وُضُوءَ لِمَنْ لَمْ يَغْسِلْ يَدَيْهِ إِلَى الْمِرْفَقَيْنِ، وَقَدْ أَجْمَعَ الْمُسْلِمُونَ عَلَى الْعَمَلِ بِهَذَا، فَلَمْ يُصَلِّ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَلَا خُلَفَاؤُهُ وَأَصْحَابُهُ وَلَا التَّابِعُونَ وَلَا غَيْرُهُمْ مِنَ الْخُلَفَاءِ وَأَئِمَّةِ الْعِلْمِ صَلَاةً بِدُونِ قِرَاءَةِ الْفَاتِحَةِ فِيهَا، وَإِنَّمَا بَحَثَ الْحَنَفِيَّةُ فِي تَسْمِيَةِ قِرَاءَتِهَا فَرْضًا وَعَدِّهَا رُكْنًا بِنَاءً عَلَى اصْطِلَاحَاتٍ لَهُمْ رَدَّهَا الْجُمْهُورُ بِأَدِلَّةٍ صَحِيحَةٍ لَا مَحَلَّ لِتَلْخِيصِهَا هُنَا وَأَجَابُوا عَنْ شُبُهَاتِهِمُ النَّقْلِيَّةِ بِأَجْوِبَةٍ سَدِيدَةٍ، وَأَقْوَاهَا قَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِلْمُسِيءِ صِلَاتِهِ: "ثُمَّ اقْرَأْ مَا تَيَسَّرَ مَعَكَ مِنَ الْقُرْآنِ" قَالُوا فِي الْجَوَابِ عَنْهُ: إِنَّهُ ثَبَتَ رِوَايَةٌ أُخْرَى أَنَّهُ قَالَ لَهُ: "ثُمَّ اقْرَأْ بِأُمِّ الْقُرْآنِ" فَهَذَا مُفَسِّرٌ لِمَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ، وَأَنَّ الْفَاتِحَةَ هِيَ الَّتِي كَانَتْ مُتَيَسِّرَةً لِجَمِيعِ الْمُسْلِمِينَ، لِأَنَّهُمْ كَانُوا يُلَقِّنُونَهَا كُلَّ مَنْ يَدْخُلُ فِي الْإِسْلَامِ، وَقَالَ بَعْضُهُمُ: الْمُرَادُ بِمَا يَتَيَسَّرُ مِنْهُ هُنَا مَا زَادَ عَنِ الْفَاتِحَةِ، وَفِي الْبُخَارِيِّ عَنْ أَبِي قَتَادَةَ: "أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يَقْرَأُ الْفَاتِحَةَ فِي كُلِّ رَكْعَةٍ" وَالْأَحَادِيثُ الْمُصَرِّحَةُ بِأَنَّهُ كَانَ يَقْرَأُ فِي الرَّكْعَةِ الْأُولَى أُمَّ الْقُرْآنِ وَسُورَةَ كَذَا، وَفِي الثَّانِيَةِ بَعْدَ أُمِّ الْقُرْآنِ كَذَا فِي صَلَاةِ كَذَا، كَثِيرَةٌ.
وَأَمَّا كَوْنُ الْبَسْمَلَةِ آيَةً فِي الْفَاتِحَةِ، فَأَقْوَى الْحُجَجِ الْمُثْبِتَةِ لَهُ: كِتَابَتُهَا فِي الْمُصْحَفِ الْإِمَامِ الرَّسْمِيِّ الَّذِي وَزَّعَ نُسَخَهُ الْخَلِيفَةُ الثَّالِثُ عَلَى الْأَمْصَارِ بِرَأْيِ الصَّحَابَةِ وَأَجْمَعَتْ عَلَيْهِ الْأُمَّةُ، وَكَذَا جَمِيعُ الْمَصَاحِفِ الْمُتَوَاتِرَةِ إِلَى الْيَوْمِ، وَالْخَطُّ حُجَّةٌ عَلَيْهِ، كَمَا قَالَ الْعَلَّامَةُ الْعَضُدُ، وَعَلَيْهِ جَمِيعُ شُعُوبِ الْعِلْمِ وَالْمَدَنِيَّةِ فِي هَذَا الْعَصْرِ، لَا حُجَّةَ عِنْدَهُمْ أَقْوَى مِنْ حُجَّةِ الْكِتَابَةِ الرَّسْمِيَّةِ، ثُمَّ إِجْمَاعِ الْقُرَّاءِ عَلَى قِرَاءَتِهَا فِي أَوَّلِ الْفَاتِحَةِ. وَإِنْ زَعَمَ بَعْضُهُمْ أَنَّهَا آيَةٌ مُسْتَقِلَّةٌ، فَإِنَّ هَذَا رَأْيٌ، وَالْعِبْرَةُ بِالْعَمَلِ، وَهُوَ إِذَا كَانَ عَامًّا مُطَّرِدًا مِنْ أَقْوَى الْحُجَجِ. عَلَى أَنَّ تَوَاتُرَهَا عَنْ وَاحِدٍ مِنْهُمْ تَقُومُ بِهِ الْحُجَّةُ عَلَى بَاقِيهِمْ وَعَلَى سَائِرِ النَّاسِ، فَإِنَّهُ إِثْبَاتٌ بِالتَّوَاتُرِ لَا يُعَارِضُهُ نَفْيٌ مَا. وَقَدْ كُنَّا ذَكَرْنَا هَذِهِ الْمَسْأَلَةَ وَآرَاءَ أَهْلِ الْخِلَافِ فِيهَا وَنَزِيدُهَا إِيضَاحًا فَنَقُولُ:
وَقَدْ وَرَدَتْ أَحَادِيثُ آحَادِيَّةٌ فِي إِثْبَاتِ ذَلِكَ وَنَفْيِهِ تَرَتَّبَ عَلَيْهَا اخْتِلَافُ الْفُقَهَاءِ الَّذِينَ جَعَلُوا الْمَسْأَلَةَ مَسْأَلَةَ مَذَاهِبَ، يَنْصُرُ كُلُّ حِزْبٍ مِنْهُمْ أَهْلَ الْمَذْهَبِ الَّذِي يُنْسَبُونَ إِلَيْهِ
(كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ) وَلَوْلَا ذَلِكَ لَاتَّفَقُوا؛ لِأَنَّ لِإِثْبَاتِ
الْبَسْمَلَةِ فِي أَوَّلِ الْفَاتِحَةِ فِي جَمِيعِ الْمَصَاحِفِ الْمَجْمَعِ عَلَيْهَا الْمُتَوَاتِرَةِ حُجَّةً قَطْعِيَّةً لَا تُعَارُضَ بِأَحَادِيثِ الْآحَادِ وَإِنْ صَحَّ سَنَدُهَا.
وَأَصْرَحُ الْأَحَادِيثِ الَّتِي اسْتَدَلُّوا بِهَا عَلَى كَوْنِ الْبَسْمَلَةِ لَيْسَتْ آيَةً مِنَ الْفَاتِحَةِ مَا رَوَاهُ أَحْمَدُ وَمُسْلِمٌ وَأَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "مَنْ صَلَّى صَلَاةً لَمْ يَقْرَأْ فِيهَا بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ فَهِيَ خِدَاجٌ" يَقُولُهَا ثَلَاثًا - أَيْ كَلِمَةَ "فَهِيَ خِدَاجٌ" أَيْ نَاقِصَةٌ غَيْرُ تَامَّةٍ كَالنَّاقَةِ تَلِدُ لِغَيْرِ التَّمَامِ - فَقِيلَ لِأَبِي هُرَيْرَةَ: إِنَّا نَكُونُ وَرَاءَ الْإِمَامِ؟ فَقَالَ: اقْرَأْ بِهَا فِي نَفْسِكَ، فَإِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقُولُ: "قَالَ اللهُ - عَزَّ وَجَلَّ: قَسَمْتُ الصَّلَاةَ بَيْنِي وَبَيْنَ عَبْدِي نِصْفَيْنِ وَلِعَبْدِي مَا سَأَلَ، فَإِذَا قَالَ الْعَبْدُ: (الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ) قَالَ اللهُ: حَمِدَنِي عَبْدِي، فَإِذَا قَالَ: (الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ) قَالَ اللهُ: أَثْنَى عَلَيَّ عَبْدِي. فَإِذَا قَالَ: (مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ) قَالَ: مَجَّدَنِي عَبْدِي. وَقَالَ مَرَّةً: فَوَّضَ إِلَيَّ عَبْدِي. وَإِذَا قَالَ (إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ) قَالَ: هَذَا بَيْنِي وَبَيْنَ عَبْدِي، وَلِعَبْدِي مَا سَأَلَ. فَإِذَا قَالَ: (اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ) قَالَ: هَذَا لِعَبْدِي وَلِعَبْدِي مَا سَأَلَ" .
قَالَ النَّافُونَ: إِنَّ الْحَدِيثَ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْبَسْمَلَةَ لَيْسَتْ مِنَ الْفَاتِحَةِ؛ لِأَنَّهَا لَوْ كَانَتْ مِنْهَا لَذُكِرَتْ فِي الْحَدِيثِ، وَهُوَ اسْتِدْلَالٌ سَلْبِيٌّ لَا يُعَارِضُ الْقَطْعِيَّ الْمُتَوَاتِرَ وَهُوَ إِثْبَاتُهَا فِي الْمُصْحَفِ وَإِجْمَاعُ الْقُرَّاءِ عَلَى قِرَاءَتِهَا عِنْدَ الْبَدْءِ بِالْخَتَمَاتِ، وَثُبُوتُ التَّوَاتُرِ بِذَلِكَ، عَلَى أَنَّ عَدَمَ ذِكْرِهَا فِي الْحَدِيثِ قَدْ يَكُونُ لِسَبَبٍ اقْتَضَى ذَلِكَ. وَمِمَّا يَخْطُرُ عَلَى الْبَالِ بَدَاهَةً: أَنَّهُ كَمَا اكْتَفَى مِنْ قِسْمَةِ الصَّلَاةِ بِالْفَاتِحَةِ دُونَ سَائِرِ التِّلَاوَةِ وَالْأَذْكَارِ وَالْأَفْعَالِ اكْتَفَى مِنَ الْفَاتِحَةِ بِمَا لَا يُشَارِكُهَا فِيهِ غَيْرُهَا مِنَ السُّوَرِ، إِذِ الْبَسْمَلَةُ آيَةٌ مِنْ كُلِّ سُورَةٍ غَيْرَ (بَرَاءَةَ) عَلَى التَّحْقِيقِ الَّذِي يَدُلُّ عَلَيْهِ خَطُّ الْمُصْحَفِ، وَثَمَّ سَبَبٌ آخَرُ لِعَدَمِ ذِكْرِ الْبَسْمَلَةِ فِي الْقِسْمَةِ، وَهُوَ أَنَّهُ لَيْسَ فِيهَا إِلَّا الثَّنَاءُ عَلَى اللهِ تَعَالَى بِوَصْفِهِ بِالرَّحْمَةِ، وَهُوَ مَعْنًى مُكَرَّرٌ فِي الْفَاتِحَةِ وَذُكِرَ فِي الْقِسْمَةِ.
وَالْعُمْدَةُ فِي عَدَمِ الْمُعَارَضَةِ أَنَّ دَلَالَةَ الْحَدِيثِ ظَنِّيَّةٌ سَلْبِيَّةٌ، وَإِثْبَاتَ الْبَسْمَلَةِ إِيجَابِيٌّ وَقَطْعِيٌّ كَمَا تَقَدَّمَ، وَإِذَا كَانَ مِنْ عِلَلِ الْحَدِيثِ الْمَانِعَةِ مِنْ وَصْفِهِ بِالصِّحَّةِ: مُخَالَفَةُ رَاوِيهِ لِغَيْرِهِ مِنَ
الثِّقَاتِ فَمُخَالَفَةُ الْقَطْعِيِّ مِنَ الْقُرْآنِ الْمُتَوَاتِرِ أَوْلَى بِسَلْبِ وَصْفِ الصِّحَّةِ عَنْهُ. عَلَى أَنَّ هَذَا الْحَدِيثَ هُوَ الْمُعَارَضُ بِالْأَحَادِيثِ الْمُثْبِتَةِ لِكَوْنِ الْبَسْمَلَةِ مِنَ الْفَاتِحَةِ.
وَاسْتَدَلُّوا أَيْضًا بِحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ الْمَرْفُوعِ عِنْدَ أَحْمَدَ وَأَصْحَابِ السُّنَنِ قَالَ: "إِنَّ"
سُورَةً مِنَ الْقُرْآنِ ثَلَاثُونَ آيَةً شَفَعَتْ لِرِجْلٍ حَتَّى غُفِرَ لَهُ، وَهِيَ: "تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمَلِكُ" قَالُوا: وَإِنَّمَا هِيَ ثَلَاثُونَ بِدُونِ الْبَسْمَلَةِ. وَأُجِيبُ بِمِثْلِ مَا قُلْنَا آنِفًا مِنْ أَنَّ عَدَدَ آيَاتِ السُّوَرِ بِاعْتِبَارِ مَا هُوَ خَاصٌّ بِالسُّورَةِ وَهُوَ مَا دُونُ الْبَسْمَلَةِ. وَيُؤَيِّدُهُ مَا رُوِيَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ مِنْ أَنَّ سُورَةَ الْكَوْثَرِ ثَلَاثُ آيَاتٍ. وَقَدْ رَوَى أَحْمَدُ وَمُسْلِمٌ وَالنَّسَائِيُّ مِنْ حَدِيثِ أَنَسٍ قَالَ: "بَيْنَا رَسُولُ اللهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ذَاتَ يَوْمٍ بَيْنَ أَظْهُرِنَا فِي الْمَسْجِدِ إِذْ أَغْفَى إِغْفَاءَةً، ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ مُبْتَسِمًا، فَقُلْنَا: مَا أَضْحَكَكَ يَا رَسُولَ اللهِ؟ فَقَالَ: نَزَلَتْ عَلَيَّ آنِفًا سُورَةٌ، فَقَرَأَ: (بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ) . وَهَذَا الْحَدِيثُ نَاطِقٌ بِأَنَّ الْبَسْمَلَةَ مِنْ سُورَةِ الْكَوْثَرِ مَعَ عَدَمِ عَدِّهَا مِنْ آيَاتِهَا لِمَا ذَكَرْنَا، فَكَوْنُهَا آيَةً مِنَ الْفَاتِحَةِ أَوْلَى وَهُوَ أَصَحُّ فِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ فِي سُورَةِ الْمُلْكِ؛ لِأَنَّ الْبُخَارِيَّ أَعَلَّهُ بِأَنَّ عَبَّاسًا الْحَشَمِيَّ رَاوِيَهُ لَا يُعْرَفُ سَمَاعُهُ مِنْ أَبِي هُرَيْرَةَ."
وَاسْتَدَلُّوا بِالْأَحَادِيثِ الْوَارِدَةِ فِي عَدَمِ قِرَاءَةِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَخُلَفَائِهِ لَهَا فِي الصَّلَاةِ وَأَصْرَحُهَا قَوْلُ عَبْدِ اللهِ بْنِ مُغَفَّلٍ: "صَلَّيْتُ مَعَ رَسُولِ اللهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَمَعَ أَبِي بَكْرٍ، وَمَعَ عُمَرَ وَمَعَ عُثْمَانَ. فَلَمْ أَسْمَعْ أَحَدًا مِنْهُمْ يَقُولُهَا" يَعْنِي الْبَسْمَلَةَ رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالتِّرْمِذِيُّ وَحَسَّنَهُ النَّسَائِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ عَنِ ابْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ مُغَفَّلٍ وَهُوَ مَجْهُولٌ، فَقَدْ كَانَ لَهُ سَبْعَةُ أَوْلَادٍ وَهَذِهِ عِلَّةٌ تَمْنَعُ صِحَّةَ الْحَدِيثِ. قَالُوا: وَقَدْ تَفَرَّدَ بِهِ الْحَرِيرِيُّ وَقِيلَ: إِنَّهُ قَدِ اخْتَلَطَ بِآخِرِهِ. وَقَدْ يُفَسَّرُ بِمَا تَرَى فِيمَا قَالُوهُ فِي الْحَدِيثِ الَّذِي بَعْدَهُ.
وَفِي مَعْنَاهُ حَدِيثُ أَنَسٍ فِي إِحْدَى الرِّوَايَاتِ قَالَ: "صَلَّيْتُ مَعَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَأَبِي بَكْرٍ، وَعُمَرَ، وَعُثْمَانَ فَلَمْ أَسْمَعْ أَحَدًا مِنْهُمْ يَقْرَأُ: (بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ) . رَوَاهُ أَحْمَدُ وَمُسْلِمٌ. قَالَ فِي الْمُنْتَقَى: وَفِي لَفْظٍ" صَلَّيْتُ مَعَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَخَلْفَ أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ وَعُثْمَانَ فَكَانُوا لَا يَجْهَرُونَ بِبَسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ". رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالنَّسَائِيُّ بِإِسْنَادٍ عَلَى شَرْطِ الصَّحِيحِ. وَلِأَحْمَدَ وَمُسْلِمٍ:" صَلَّيْتُ خَلْفَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -
وَأَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ وَعُثْمَانَ، وَكَانُوا يَسْتَفْتِحُونَ بِالْحَمْدِ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ لَا يَذْكُرُونَ بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ فِي أَوَّلِ قِرَاءَةٍ وَلَا آخِرِهَا ". وَلِعَبْدِ اللهِ بْنِ أَحْمَدَ فِي مُسْنَدِ أَبِيهِ عَنْ شُعْبَةَ عَنْ قَتَادَةَ عَنْ أَنَسٍ قَالَ:" صَلَّيْتُ خَلْفَ رَسُولِ اللهِ وَخَلَفَ أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ وَعُثْمَانَ فَلَمْ يَكُونُوا يَسْتَفْتِحُونَ الْقِرَاءَةَ بِبَسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ "قَالَ شُعْبَةُ قُلْتُ لِقَتَادَةَ: أَنْتَ سَمِعْتَ مَنْ أَنِسٍ؟ قَالَ: نَعَمْ نَحْنُ سَأَلْنَاهُ عَنْهُ. وَلِلنَّسَائِيِّ عَنْ مَنْصُورِ بْنِ زَازَانَ عَنْ أَنَسٍ قَالَ:" صَلَّى بِنَا رَسُولُ اللهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَلَمْ يُسْمِعْنَا قِرَاءَةَ بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، وَصَلَّى بِنَا أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ فَلَمْ نَسْمَعْهَا مِنْهُمَا "اهـ."
قَالَ الشَّوْكَانِيُّ فِي شَرْحِ الْحَدِيثِ: وَرِوَايَةُ "فَكَانُوا لَا يَجْهَرُونَ" أَخْرَجَهَا أَيْضًا ابْنُ حِبَّانَ وَالدَّارَقُطْنِيُّ، وَالطَّحَاوِيُّ وَالطَّبَرَانِيُّ. وَفِي لَفْظٍ لِابْنِ خُزَيْمَةَ: "كَانُوا يُسِرُّونَ" - وَقَوْلُهُ: "كَانُوا يَسْتَفْتِحُونَ بِالْحَمْدِ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ" هَذَا مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وَإِنَّمَا انْفَرَدَ مُسْلِمٌ بِزِيَادَةِ: "لَا يَذْكُرُونَ بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ" وَقَدْ أُعِلَّ هَذَا اللَّفْظُ بِالِاضْطِرَابِ وَفُسِّرَ بِأَنَّ جَمَاعَةً مِنْ أَصْحَابِ شُعْبَةَ رَوَوْهُ عَنْهُ بِهِ، وَجَمَاعَةً رَوَوْهُ عَنْهُ بِلَفْظِ: "فَلَمْ أَسْمَعْ أَحَدًا مِنْهُمْ قَرَأَ بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ" . ثُمَّ نَقَلَ عَنِ الْحَافِظِ أَنَّ بَعْضَهُمْ رَوَاهُ بِاللَّفْظَيْنِ وَقَدْ خَرَّجَ كُلَّ رِوَايَةٍ.
أَقُولُ: وَقَدْ جَمَعُوا بَيْنَ الرِّوَايَاتِ بِأَنَّ الْمُرَادَ بِالِاسْتِفْتَاحِ بِالْحَمْدِ لِلَّهِ الِاسْتِفْتَاحُ بِهَذِهِ السُّورَةِ فَقَدْ صَحَّ التَّعْبِيرُ عَنْهَا فِي حَدِيثٍ آخَرَ بِجُمْلَةِ: "الْحَمْدُ لِلَّهِ" . وَبِأَنَّ عَدَمَ سَمَاعِهَا سَبَبُهُ عَدَمُ الْجَهْرِ بِهَا، وَقَدْ يَكُونُ لَهُ سَبَبٌ آخَرُ وَهُوَ الْبُعْدُ عَنْ أَوَّلِ الصَّفِّ. وَمِنَ الْعَادَةِ أَنْ يَكُونَ صَوْتُ الْقَارِئِ خَافِتًا فِي أَوَّلِ الْقِرَاءَةِ. وَسَبَبٌ ثَالِثٌ وَهُوَ اشْتِغَالُ الْمَأْمُومِ عِنْدَ السَّمَاعِ بِالتَّحَرُّمِ وَدُعَاءِ الِافْتِتَاحِ.
وَقَدْ عُورِضَ وَأُعِلَّ حَدِيثُ أَنَسٍ عَلَى اضْطِرَابِ مَتْنِهِ بِمَا يَأْتِي عَنْهُ مِنْ مُخَالَفَتِهِ لَهُ فِي صِفَةِ قِرَاءَةِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَبِمَا رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيُّ وَصَحَّحَهُ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، قَالَ: سَأَلْتُ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ: "أَكَانَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَسْتَفْتِحُ بِالْحَمْدِ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، أَوْ بِبَسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ؟ فَقَالَ: إِنَّكَ سَأَلْتِنِي عَنْ شَيْءٍ مَا أَحْفَظُهُ وَمَا سَأَلَنِي عَنْهُ أَحَدٌ قَبْلَكَ فَقُلْتُ: أَكَانَ رَسُولُ اللهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يُصَلَّى فِي النَّعْلَيْنِ؟ قَالَ: نَعَمْ" . قَالُوا: وَعُرُوضُ النِّسْيَانِ فِي مِثْلِ هَذَا غَيْرُ مُسْتَنْكَرٍ فَقَدْ حَكَى الْحَازِمِيُّ عَنْ نَفْسِهِ أَنَّهُ حَضَرَ جَامِعًا
وَحَضَرَهُ جَمَاعَةٌ مِنْ أَهْلِ التَّمْيِيزِ الْمُوَاظِبِينَ فِي ذَلِكَ الْجَامِعِ، فَسَأَلَهُمْ عَنْ حَالِ إِمَامِهِمْ فِي الْجَهْرِ وَالْإِخْفَاتِ قَالَ: - وَكَانَ صَيِّتًا يَمْلَأُ صَوْتُهُ الْجَامِعَ - فَاخْتَلَفُوا فِي ذَلِكَ فَقَالَ بَعْضُهُمْ: يَجْهَرُ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ يَخْفِتُ أهـ.
أَقُولُ: وَلَمْ يَخْتَلِفْ هَؤُلَاءِ الْمُصَلُّونَ فِي صَلَاةٍ وَاحِدَةٍ، بَلْ فِي جَمِيعِ الصَّلَوَاتِ، وَسَبَبُ ذَلِكَ الْغَفْلَةُ وَالنَّاسُ عُرْضَةٌ لَهَا، وَلَا سِيَّمَا الْغَفْلَةُ عَنْ أَوَّلِ صَلَاةِ الْإِمَامِ. إِذْ يَكُونُ الْمَأْمُومُونَ مَشْغُولِينَ بِمِثْلِ مَا يَشْغَلُهُ مِنَ الدُّخُولِ فِيهَا وَقِرَاءَةِ دُعَاءِ الِافْتِتَاحِ كَمَا تَقَدَّمَ آنِفًا.
وَأَمَّا أَحَادِيثُ إِثْبَاتِ كَوْنِ الْبَسْمَلَةِ مِنَ الْفَاتِحَةِ، فَمِنْهَا: مَا رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ عَنْ قَتَادَةَ قَالَ: سُئِلَ أَنَسٌ "كَيْفَ كَانَتْ قِرَاءَةُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -؟ فَقَالَ كَانَتْ مَدًّا، ثُمَّ قَرَأَ: بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ. وَيُمِدُّ بِالرَّحْمَنِ وَبِالرَّحِيمِ" . وَرَوَى عَنْهُ الدَّارَقُطْنِيُّ مِنْ طَرِيقَيْنِ "أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يَجْهَرُ بِالْبَسْمَلَةِ" .
وَمِنْهَا: حَدِيثُ أُمِّ سَلَمَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ - رَضِيَ اللهُ عَنْهَا - أَنَّهَا سُئِلَتْ عَنْ قِرَاءَةِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَتْ: "كَانَ يُقَطِّعُ قِرَاءَتَهُ آيَةً آيَةً: (بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ) رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُدَ بِهَذَا اللَّفْظِ وَغَيْرُهُمَا."
وَمِنْهَا مَا رَوَاهُ النَّسَائِيُّ وَغَيْرُهُ عَنْ نُعَيْمٍ الْمُجَمِّرِ. قَالَ: "صَلَّيْتُ وَرَاءَ أَبِي هُرَيْرَةَ فَقَرَأَ بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ. ثُمَّ قَرَأَ بِأُمِّ الْقُرْآنِ" . وَفِيهِ يَقُولُ إِذَا سَلَّمَ: وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ إِنِّي لِأَشْبَهُكُمْ صَلَاةً بِرَسُولِ اللهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ". وَقَدْ صَحَّحَ هَذَا الْحَدِيثَ ابْنُ خُزَيْمَةَ وَابْنُ حِبَّانَ وَالْحَاكِمُ، قَالَ: عَلَى شَرْطِ الْبُخَارِيِّ وَمُسْلِمٍ وَأَقَرَّهُ الْحَافِظُ الذَّهَبِيُّ. وَقَالَ الْبَيْهَقِيُّ: صَحِيحُ الْإِسْنَادِ وَلَهُ شَوَاهِدُ. وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ الْخَطِيبُ فِيهِ: ثَابِتٌ صَحِيحٌ لَا يَتَوَجَّهُ عَلَيْهِ تَعْلِيلٌ، وَرُوِيَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ حَدِيثَانِ آخَرَانِ بِمَعْنَاهُ، وَثَّقَ بَعْضُهُمْ جَمِيعَ رِجَالِهِمَا وَتَكَلَّمَ بَعْضُهُمْ فِي بَعْضِهِمْ."
وَمِنْهَا: حَدِيثُ عَلِيٍّ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُ - سُئِلَ عَنِ السَّبْعِ الْمَثَانِي فَقَالَ: (الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ) قِيلَ: إِنَّمَا هِيَ سِتٌّ فَقَالَ: (بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ) . وَرَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيُّ وَإِسْنَادُهُ كُلُّهُمْ ثِقَاتٌ لَمْ يَطْعَنُوا فِي أَحَدٍ مِنْهُمْ، وَلَهُ حَدِيثَانِ آخَرَانِ عَنْهُ وَعَنْ عَمَّارِ بْنِ يَاسِرٍ فِي إِثْبَاتِ جَهْرِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِالْبَسْمَلَةِ فِي صِلَاتِهِ قَدْ تَكَلَّمُوا فِي سَنَدِهَا.
وَمِنْهَا حَدِيثُ أَنَسٍ: "سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَجْهَرُ بِبِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ" رَوَاهُ الْحَاكِمُ وَقَالَ: وَرُوَاتُهُ عَنْ آخِرِهِمْ ثِقَاتٌ، وَأَقَرَّهُ الْحَافِظُ الذَّهَبِيُّ.
وَقَدْ أَوْرَدَ الشَّوْكَانِيُّ فِي نِيلِ الْأَوْطَارِ هَذِهِ الْأَحَادِيثَ الصَّحِيحَةَ وَغَيْرَهَا مِنَ الرِّوَايَاتِ الضَّعِيفَةِ الْأَسَانِيدِ الصَّحِيحَةِ الْمُتُونِ، وَذَكَرَ حَمْلَ الرِّوَايَاتِ الصَّحِيحَةِ مِنَ أَحَادِيثِ النَّفْيِ الْمُعَارِضَةِ لَهَا عَلَى عَدَمِ الْجَهْرِ بِالْبَسْمَلَةِ مِنْ بَابِ حَمْلِ الْمُطْلَقِ عَلَى الْمُقَيَّدِ وَهُوَ تَرْكُ الْجَهْرِ، ثُمَّ قَالَ:
"إِذَا كَانَ مُحَصِّلُ أَحَادِيثِ نَفْيِ الْبَسْمَلَةِ هُوَ نَفْيُ الْجَهْرِ بِهَا، فَمَتَى وُجِدَتْ رِوَايَةٌ فِيهَا إِثْبَاتُ الْجَهْرِ قُدِّمَتْ عَلَى نَفْيِهِ. قَالَ الْحَافِظُ - ابْنُ حَجْرٍ - لَا بِمُجَرَّدِ تَقْدِيمِ رِوَايَةِ الْمُثْبِتِ عَلَى النَّافِي - أَيْ كَمَا هِيَ الْقَاعِدَةُ - لِأَنَّ أَنَسًا يَبْعُدُ جِدًّا أَنْ يَصْحَبَ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مُدَّةَ عَشْرِ سِنِينَ وَيَصْحَبُ أَبَا بَكْرٍ وَعُمَرَ وَعُثْمَانَ خَمْسًا وَعِشْرِينَ سَنَةً فَلَا يَسْمَعُ مِنْهُمُ الْجَهْرَ بِهَا فِي صَلَاةٍ وَاحِدَةٍ، بَلْ لِكَوْنِ أَنْسٍ اعْتَرَفَ بِأَنَّهُ لَا يَحْفَظُ هَذَا الْحُكْمَ، كَأَنَّهُ لِبُعْدِ عَهِدِهِ بِهِ لَمْ يَذْكُرْ مِنْهُ إِلَّا الْجَزْمَ بِالِافْتِتَاحِ بِالْحَمْدِ لِلَّهِ جَهْرًا، فَلَمْ يَسْتَحْضِرِ الْجَهْرَ بِالْبَسْمَلَةِ، فَيَتَعَيَّنُ الْأَخْذُ بِحَدِيثِ مَنْ أَثْبَتَ الْجَهْرَ أهـ."
أَقُولُ: وَقَدْ تَقَدَّمَ نَصُّ الرِّوَايَةِ عَنْهُ بِنِسْيَانِ هَذَا الْحُكْمِ آنِفًا فَعُدَّ حَدِيثُهُ مُضْطَرِبًا لَا يُحْتَجُّ بِهِ.
قَالَ الْحَافِظُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ بَعْدَ سَرْدِهِ رِوَايَاتِ حَدِيثِهِ فِي الِاسْتِذْكَارِ: هَذَا الِاضْطِرَابُ لَا تَقُومُ مَعَهُ حُجَّةٌ. وَقَدْ سُئِلَ عَنْ ذَلِكَ أَنَسٌ فَقَالَ: كَبِرَتْ سِنِّي وَنَسِيتُ. أهـ
وَقَدْ رَوَى الطَّبَرَانِيُّ فِي الْكَبِيرِ وَالْأَوْسَطِ فِي سَبَبِ تَرْكِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِلْجَهْرِ بِالْبَسْمَلَةِ فِي الصَّلَاةِ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ "أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يَجْهَرُ بِبَسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، وَكَانَ الْمُشْرِكُونَ يَهْزَءُونَ بِمُكَاءٍ وَتَصْدِيَةٍ، وَيَقُولُونَ: مُحَمَّدٌ يَذْكُرُ إِلَهَ الْيَمَامَةِ - وَكَانَ مُسَيْلِمَةُ الْكَذَّابُ يُسَمَّى رَحْمَنَ - فَأَنْزَلَ اللهُ (وَلَا تَجْهَرْ بِصَلَاتِكَ) فَتُسْمِعَ الْمُشْرِكِينَ فَيَهْزَءُوا بِكَ (وَلَا تُخَافِتْ بِهَا) عَنْ أَصْحَابِكَ فَلَا تُسْمِعَهُمْ. وَقَدْ قَالَ فِي مَجْمَعِ الزَّوَائِدِ: إِنَّ رِجَالَهُ مُوَثَّقُونَ. وَقَالَ الْحَكِيمُ التِّرْمِذِيُّ. فَبَقِيَ ذَلِكَ إِلَى يَوْمِنَا هَذَا عَلَى ذِكْرِ الرَّسْمِ وَإِنْ زَالَتِ الْعِلَّةُ. وَجَمَعَ بِهِ الْقُرْطُبِيُّ بَيْنَ الرِّوَايَاتِ."
وَقَالَ ابْنُ الْقَيِّمِ فِي زَادِ الْمَعَادِ: "إِنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يَجْهَرُ بِبَسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ تَارَةً وَيُخْفِتُهَا أَكْثَرَ مِمَّا جَهَرَ بِهَا إِلَخْ" . وَهَذَا الْقَوْلُ مَعْقُولٌ، وَإِذَا صَحَّ أَنَّ سَبَبَهُ مَا رَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ وَاعْتَمَدَهُ الْقُرْطُبِيُّ وَالنَّيْسَابُورِيُّ وَالْحَكِيمُ التِّرْمِذِيُّ يَكُونُ تَرْكُ الْجَهْرِ فِي أَوَّلِ الْإِسْلَامِ بِمَكَّةَ وَأَوَائِلِ الْهِجْرَةِ، وَالْجَهْرُ فِيمَا بَعْدَهُ، وَقَدْ عَلِمْتَ مَا فِي حَدِيثَيْ أَنَسٍ وَأَبِي قَتَادَةَ الْمُخَالِفَيْنِ لِهَذَا.
وَلَا يَغُرَّنَّ أَحَدًا قَوْلُ الْعُلَمَاءِ إِنَّ مُنْكِرَ الْبَسْمَلَةِ مِنَ الْفَاتِحَةِ أَوْ مِنْ كُلِّ سُورَةٍ لَا يُكَفُّرُ وَمُثْبِتَهَا لَا يُكَفُّرُ فَيَظُنُّ أَنَّ سَبَبَ هَذَا عَدَمُ ثُبُوتِهَا بِالدَّلِيلِ الْقَطْعِيِّ، كَلَّا إِنَّهَا ثَابِتَةٌ وَلَكِنَّ مُنْكِرَهَا لَا يُكَفَّرُ لِتَأْوِيلِهِ الدَّلِيلَ الْقَطْعِيَّ بِشُبَهِ الْمُعَارَضَةِ الَّتِي تَقَدَّمَتْ وَبَيَّنَّا ضَعْفَهَا، وَسَنَزِيدُهُ بَيَانًا وَالشُّبْهَةُ تَدْرَأُ حَدَّ الرِّدَّةِ.
وَجُمْلَةُ الْقَوْلِ أَنَّ اخْتِلَافَ الرِّوَايَاتِ الْآحَادِيَّةِ فِي الْإِسْرَارِ بِالْبَسْمَلَةِ وَالْجَهْرِ بِهَا قَوِيٌّ، وَأَمَّا الِاخْتِلَافُ فِي كَوْنِهَا مِنَ الْفَاتِحَةِ أَوْ لَيْسَتْ مِنْهَا فَضَعِيفٌ جِدًّا جِدًّا وَإِنْ قَالَ بِهِ بَعْضُ كِبَارِ الْعُلَمَاءِ ذُهُولًا عَنْ رَسْمِ الْمُصْحَفِ الْإِمَامِ الْقَطْعِيِّ الْمُتَوَاتِرِ وَالْقِرَاءَاتِ الْمُتَوَاتِرَةِ الَّتِي لَا يَصِحُّ أَنْ تُعَارَضَ بِرِوَايَاتٍ أُحَادِيَّةٍ، أَوْ بِنَظَرِيَّاتٍ جَدَلِيَّةٍ، وَأَصْحَابُ الْجَدَلِ يَجْمَعُونَ بَيْنَ الْغَثِّ وَالسَّمِينِ وَبَيْنَ الضِّدَّيْنِ وَالنَّقِيضَيْنِ، وَصَاحِبُ الْحَقِّ مِنْهُمْ يَشْتَبِهُ بِغَيْرِهِ، وَرُبَّمَا يَظْهَرُ عَلَيْهِ الْمُبْطِلُ بِخِلَابَتِهِ، إِذَا كَانَ أَلْحَنَ بِحُجَّتِهِ.
وَقَدْ ذَكَرَ الرَّازِيُّ فِي تَفْسِيرِهِ سَبْعَ عَشْرَةَ حُجَّةً عَلَى إِثْبَاتِ كَوْنِ الْبَسْمَلَةِ مِنَ الْفَاتِحَةِ مِنْهَا الْقَوِيَّةُ وَالضَّعِيفَةُ، وَتَصَدَّى لَهُ الْأُلُوسِيُّ مُحَاوِلًا دَحْضَهَا تَعَصُّبًا لِمَذْهَبِهِ الَّذِي تَنَحَّلَهُ فِي الْكِبَرِ إِذْ كَانَ شَافِعِيًّا فَتَحَوَّلَ حَنَفِيًّا تَقَرُّبًا إِلَى الدَّوْلَةِ وَصَرَّحَ بِهَذَا التَّعَصُّبِ إِذْ قَالَ هُنَا: "عَلَى الْمَرْءِ نُصْرَةُ مَذْهَبِهِ وَالذَّبُّ عَنْهُ" إِلَخْ. وَهَذِهِ كُبْرَى زَلَّاتِهِ الْمُثْبِتَةِ لِعَدَمِ اسْتِقْلَالِهِ بِعَدَمِ طَلَبِهِ الْحَقَّ
لِذَاتِهِ، حَتَّى إِنَّهُ مَارَى فِي حُجَّةٍ لِإِثْبَاتِ الْبَسْمَلَةِ فِي أَوَّلِهَا بِخَطِّ الْمُصْحَفِ الْمُتَوَاتِرِ فَجَعَلَهَا دَلِيلًا عَلَى كَوْنِهِ مِنَ الْقُرْآنِ دُونَ كَوْنِهَا مِنَ الْفَاتِحَةِ، وَهُوَ مِنْ تَمَحُّلِ الْجَدَلِ، فَلَا مَعْنَى لِكَوْنِهَا آيَةً مُسْتَقِلَّةً فِي الْقُرْآنِ أُلْحِقَتْ بِسُورِهِ كُلِّهَا إِلَّا وَاحِدَةً وَلَيْسَتْ فِي شَيْءٍ مِنْهَا وَلَا فِي فَاتِحَتِهِ الَّتِي اقْتَدَوْا بِهَا فِي بَدْءِ كُتُبِهِمْ كُلِّهَا، إِنَّهُ لَقَوْلٌ وَاهٍ تُبْطِلُهُ عِبَادَتُهُمْ وَسِيرَتُهُمْ، وَيَنْبِذُهُ ذَوْقُهُمْ، لَوْلَا فِتْنَةُ الرِّوَايَاتِ وَالتَّقْلِيدِ. فَتُعَارُضُ الرَّاوِيَاتِ اغْتَرَّ بِهِ أَفْرَادٌ مُسْتَقِلُّونَ، وَبِالتَّقْلِيدِ فُتِنَ كَثِيرُونَ، وَلِلَّهِ فِي خَلْقِهِ شُئُونٌ.
عَلَى أَنَّ الْأَلُوسِيَّ حَكَّمَ وِجْدَانَهُ وَاسْتَفْتَى قَلْبَهُ فِي بَعْضِ فُرُوعِ الْمَسْأَلَةِ، فَأَفْتَاهُ بِوُجُوبِ قِرَاءَةِ الْفَاتِحَةِ وَالْبَسْمَلَةِ فِي الصَّلَاةِ، وَخَانَهُ فِي كَوْنِهَا آيَةً مِنْهَا، وَأَوْرَدَ فِي حَاشِيَةِ تَفْسِيرِهِ عَلَى ذَلِكَ إِشْكَالًا اسْتَكْبَرَهُ جِدَّ الِاسْتِكْبَارِ وَمَا هُوَ بِكَبِيرٍ، فَنَحْنُ نَذْكُرُ عِبَارَتَيْهِ، وَنُقَفِّي عَلَيْهِمَا بِالرَّدِّ عَلَيْهِ. قَالَ فِي تَفْسِيرِهِ "رُوحُ الْمَعَانِي" :
"وَبِالْجُمْلَةِ يَكَادُ أَنْ يَكُونَ اعْقِتَادُ كَوْنِ الْبَسْمَلَةِ جُزْءًا مِنْ سُورَةِ (1) مِنَ الْفُطْرِيَّاتِ! ! كَمَا لَا يَخْفَى عَلَى مَنْ سَلِمَ لَهُ وُجْدَانَهُ (! !) فَهِيَ آيَةٌ مِنَ الْقُرْآنِ مُسْتَقِلَّةٌ وَلَا يَنْبَغِي لِمَنْ وَقَفَ عَلَى الْأَحَادِيثِ أَنْ يَتَوَقَّفَ فِي قُرْآنِيَّتِهَا. أَوْ يُنْكِرَ وُجُوبَ قِرَاءَتِهَا وَيَقُولَ بِسُنِّيَّتِهَا، فَوَاللهِ لَوْ مُلِئَتْ لِيَ الْأَرْضُ ذَهَبًا لَا أَذْهَبُ إِلَى هَذَا الْقَوْلِ وَإِنْ أَمْكَنَنِي بِفَضْلِ اللهِ تَوْجِيهَهُ (! !) كَيْفَ وَكُتُبُ الْأَحَادِيثِ مَلْأَى بِمَا يَدُلُّ عَلَى خِلَافِهِ. وَهُوَ الَّذِي صَحَّ عِنْدِي عَنِ الْإِمَامِ - يَعْنِي إِمَامَهُ الْجَدِيدَ أَبَا حَنِيفَةَ رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى - وَالْقَوْلُ بِأَنَّهُ لَمْ يَنُصَّ بِشَيْءٍ لَيْسَ بِشَيْءٍ، وَكَيْفَ لَا يَنُصُّ إِلَى آخَرِ عُمْرِهِ فِي مِثْلِ هَذَا الْأَمْرِ الْخَطِيرِ الدَّائِرِ عَلَيْهِ أَمْرُ الصَّلَاةِ مِنْ صِحَّتِهَا أَوِ اسْتِكْمَالِهَا، وَيُمْكِنُ أَنْ يُنَاطَ بِهِ بَعْضُ الْأَحْكَامِ الشَّرْعِيَّةِ، وَأُمُورِ الدِّيَانَاتِ كَالطَّلَاقِ وَالْحَلِفِ وَالْعِتْقِ. وَهُوَ الْإِمَامُ الْأَعْظَمُ، وَالْمُجْتَهِدُ الْأَقْدَمُ، رَضِيَ اللهُ عَنْهُ" ؟
وَكَتَبَ فِي حَاشِيَتِهِ عِنْدَ قَوْلِهِ: فَهِيَ آيَةٌ مِنَ الْقُرْآنِ مُسْتَقِلَّةٌ مَا نَصَّهُ:
اسْتَشْكَلَ بَعْضُهُمُ الْإِثْبَاتَ وَالنَّفْيَ، فَإِنَّ الْقُرْآنَ لَا يَثْبُتُ بِالظَّنِّ وَلَا يُنْفَى بِهِ. وَهُوَ إِشْكَالٌ كَالْجَبَلِ الْعَظِيمِ (؟) وَأُجِيبَ عَنْهُ أَنَّ حُكْمَ الْبَسْمَلَةِ فِي ذَلِكَ حُكْمُ الْحُرُوفِ الْمُخْتَلَفِ فِيهَا بَيْنَ الْقُرَّاءِ السَّبْعَةِ قَطْعِيَّةُ الْإِثْبَاتِ وَالنَّفْيِ مَعًا (! !) وَلِهَذَا قَرَأَ بَعْضُهُمْ بِإِثْبَاتِهَا وَبَعْضُهُمْ بِإِسْقَاطِهَا، وَإِنِ اجْتَمَعَتِ الْمَصَاحِفُ عَلَى الْإِثْبَاتِ، فَإِنَّ مِنَ الْقِرَاءَاتِ مَا جَاءَ عَلَى خِلَافِ خَطِّهَا كَالصِّرَاطِ وَمُصَيْطِرٍ فَإِنَّهُمَا قُرِئَا بِالسِّينِ وَلَمْ يُكْتُبَا إِلَّا بِالصَّادِ (وَمَا هُوَ عَلَى الْغَيْبِ بِضَنِينٍ) تُقْرَأُ بِالظَّاءِ
وَلَمْ تُكْتَبْ إِلَّا بِالضَّادِ فَفِي
الْبَسْمَلَةِ التَّخْيِيرُ، وَتَتَحَتَّمُ قِرَاءَتُهَا فِي الْفَاتِحَةِ عِنْدَ الشَّافِعِيِّ احْتِيَاطِيًّا (! !) وَخُرُوجًا مِنْ عُهْدَةِ الصَّلَاةِ الْوَاجِبَةِ بِيَقِينٍ لِتَوَقُّفِ صِحَّتِهَا عَلَى مَا أَسْمَاهُ الشَّرْعَ فَاتِحَةَ الْكِتَابِ فَافْهَمْ، وَاللهُ أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ "اهـ"
أَقُولُ: نَعَمْ. إِنَّ اللهَ أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ، وَقَدْ وَفَّقَ لِعِلْمِهِ أُولِي الْأَلْبَابِ، وَهُمُ (الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللهُ وَأُولَئِكَ هُمْ أُولُوا الْأَلْبَابِ) دُونَ الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ مِنْهُ مَا وَافَقَ رِوَايَةَ فُلَانٍ وَرَأْيَ فُلَانٍ، وَيُوجِبُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ نَصْرَهُ وَلَوْ بِتَأْوِيلِ مَا مَضَتْ بِهِ السُّنَّةُ الْعَمَلِيَّةُ وَثَبَتَ بِنَصِّ الْقُرْآنِ، وَلَوْلَا عَصَبِيَّةُ الْمَذَاهِبِ عِنْدَ الْمُقَلِّدِينَ، وَالْغُرُورُ بِظَوَاهِرِ بَعْضِ الرِّوَايَاتِ عِنْدَ الْأَثَرِيِّينَ، لَمَا اخْتَلَفَ أَحَدٌ مِنَ الْفَرِيقَيْنِ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ، وَنَحْمَدُ اللهَ تَعَالَى أَنَّ اخْتِلَافَهُمْ فِيهَا قَوْلِيٌّ جَدَلِيٌّ لَا عَمَلِيٌّ.
سُبْحَانَ اللهِ! مَا أَعْجَبَ صُنْعَ اللهِ فِي عُقُولِ الْبَشَرِ! أَيَقُولُ السَّيِّدُ مَحْمُودٌ الْأَلُوسِيُّ الْعَالِمُ الذَّكِيُّ النَّزَّاعُ إِلَى اسْتِقْلَالِ الْفِكْرِ فِي كَثِيرٍ مِنْ مَسَائِلِ التَّفْسِيرِ. وَبِالرَّغْمِ مِنْ رِضَائِهِ بِمَهَانَةِ جَهَالَةِ التَّقْلِيدِ: إِنَّ اسْتِشْكَالَ الْجَمْعِ بَيْنَ الْإِثْبَاتِ وَالنَّفْيِ الْقَطْعِيَّيْنِ فِي مَسْأَلَةِ الْبَسْمَلَةِ "إِشْكَالٌ كَالْجَبَلِ الْعَظِيمِ" ؟ ثُمَّ يَرْضَى بِالْجَوَابِ عَنْهُ بِمَا يُقَرِّرُ بِهِ الْجَمْعَ بَيْنَ الْإِثْبَاتِ وَالنَّفْيِ الْقَطْعِيَّيْنِ.
سُبْحَانَ اللهِ! إِنَّ الْجَمْعَ بَيْنَ النَّفْيِ وَالْإِثْبَاتِ هُوَ التَّنَاقُضُ الْحَقِيقِيُّ الَّذِي يَعَزُّ إِيرَادُ مِثَالٍ لِلْمُحَالِ الْعَقْلِيِّ مِثْلِهِ، فَكَيْفَ يَصْدُرُ الْقَوْلُ بِهِ عَنْ عَالِمٍ أَوْ عَنْ عَاقِلٍ؟
إِنَّ الْإِشْكَالَ الَّذِي نَظَرَ إِلَيْهِ الْمُفَسِّرُ بِعَيْنَيِ التَّقْلِيدِ الْعَمْيَاوَيْنِ فَرَآهُ كَالْجَبَلِ الْعَظِيمِ، هُوَ فِي نَفْسِهِ صَغِيرٌ حَقِيرٌ ضَئِيلٌ قَمِيءٌ خَفِيٌّ كَالذَّرَّةِ مِنَ الْهَبَاءِ، أَوْ كَالْجُزْءِ لَا يَتَجَزَّأُ مِنْ حَيْثُ كَوْنُهُ لَا يُرَى وَلَا يَثْبُتُ إِلَّا بِطَرِيقَةِ الْفَرْضِ، أَوْ كَالْعَدَمِ الْمَحْضِ.
وَالْجَوَابُ الْحَقُّ: أَنَّهُ لَمْ يَنْفِ أَحَدٌ مِنَ الْقُرَّاءِ كَوْنَ الْبَسْمَلَةِ مِنَ الْفَاتِحَةِ نَفْيًا حَقِيقِيًّا بِرِوَايَةٍ مُتَوَاتِرَةٍ عَنِ الْمَعْصُومِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - تُصَرِّحُ بِأَنَّهَا لَيْسَتْ مِنَ الْفَاتِحَةِ - كَمَا يَقُولُ بَعْضُ النَّاسِ بِشُبْهَةِ عَدَمِ رِوَايَةِ الْقُرَّاءِ لَهَا، وَشُبَهِ تَعَارُضِ الرِّوَايَاتِ الْآحَادِيَّةِ الَّتِي ذَكَرْنَا أَقْوَاهَا وَالْمَخْرَجَ مِنْهَا - أَوْ لَيْسَتْ إِلَّا جُزْءَ آيَةٍ مِنْ سُورَةِ النَّمْلِ، كَمَا زَعَمَ مَنْ لَا شُبْهَةَ لَهُمْ عَلَى النَّفْيِ تَسْتَحِقُّ أَنْ يُجَابَ عَنْهَا.
وَإِنَّمَا أَثْبَتَ بَعْضُ الْقُرَّاءِ بِالرِّوَايَاتِ الْمُتَوَاتِرَةِ: أَنَّ الْبَسْمَلَةَ آيَةٌ مِنَ الْفَاتِحَةِ وَبَعْضُهُمْ لَمْ يَرْوِ ذَلِكَ بِأَسَانِيدِهِ الْمُتَوَاتِرَةِ، وَعَدَمُ نَقْلِ الْإِثْبَاتِ لِلشَّيْءِ لَيْسَ نَفْيًا لِذَلِكَ الشَّيْءِ، لَا رِوَايَةً وَلَا دِرَايَةً. وَأَعَمُّ مِنْ هَذَا، مَا قَالَ الْعُلَمَاءُ، مِنْ أَنَّ بَيْنَ عَدَمِ إِثْبَاتِ الشَّيْءِ وَبَيْنَ إِثْبَاتِ عَدَمِهِ بَوْنًا بَعِيدًا كَمَا هُوَ مَعْلُومٌ بِالضَّرُورَةِ. وَلَوْ فَرَضْنَا أَنَّ بَعْضَهُمْ رَوَى التَّصْرِيحَ بِالنَّفْيِ لِجَزَمْنَا بِأَنَّ رِوَايَتَهُ بَاطِلَةٌ سَبَبُهَا أَنَّ بَعْضَ رِجَالِ سَنَدِهَا اشْتَبَهَ عَلَيْهِ عَدَمُ الْإِثْبَاتِ بِإِثْبَاتِ النَّفْيِ، إِذْ يَسْتَحِيلُ عَقْلًا
أَنْ يَكُونَ الْأَمْرَانِ الْمُتَنَاقِضَانِ قَطْعِيَّيْنِ مَعًا، وَرِوَايَةُ الْإِثْبَاتِ لَا يُمْكِنُ الطَّعْنُ فِيهَا، وَنَاهِيكَ وَقَدْ عُزِّزَتْ بِخَطِّ الْمُصْحَفِ الَّذِي هُوَ بِتَوَاتُرِهِ خَطًّا وَتَلْقِينًا أَقْوَى مِنْ جَمِيعِ الرِّوَايَاتِ الْقَوْلِيَّةِ وَأَعْصَى عَلَى التَّأْوِيلِ وَالِاحْتِمَالِ، وَأَمَّا الْقَوْلُ بِأَنَّهَا آيَةٌ مُسْتَقِلَّةٌ بَيْنَ كُلِّ سُورَتَيْنِ لِلْفَصْلِ بَيْنَهُمَا مَا عَدَا الْفَصْلَ بَيْنَ سُورَتَيِ الْأَنْفَالِ وَبَرَاءَةٍ، فَمَا هُوَ إِلَّا رَأْيٌ لِلْجَمْعِ بَيْنَ الرِّوَايَاتِ الْآحَادِيَّةِ الظَّنِّيَّةِ الْمُتَعَارِضَةِ، وَيُمْكِنُ الْجَمْعُ بِغَيْرِهِ مِمَّا لَا إِشْكَالَ فِيهِ، إِذْ لَوْ كَانَتِ الْبَسْمَلَةُ لِلْفَصْلِ بَيْنَ السُّورِ لَمْ تُوضَعْ فِي أَوَّلِ الْفَاتِحَةِ وَلَمْ تُحْذَفْ مِنْ أَوَّلِ بَرَاءَةٍ لِلْعِلَّةِ الَّتِي ذَكَرْنَاهَا عَنْهُمْ فِي هَذَا الْبَحْثِ فَهِيَ لَا تَتَحَقَّقُ إِلَّا إِذَا كَانَتِ الْبَسْمَلَةُ مِنَ السُّورَةِ، وَرَدَّ عَلَى ذَلِكَ مَا أَوْرَدْنَاهُ مِنَ الْمَعَانِي وَالْحِكَمِ فِي بَدْءِ الْقُرْآنِ بِهَا، وَمَا صَحَّ مَرْفُوعًا مِنْ كَوْنِهَا هِيَ السَّبْعَ الْمَثَانِيَ.
وَأَمَّا الْجَوَابُ الَّذِي نَقَلَهُ الْأَلُوسِيُّ وَارْتَضَاهُ فَلَا يُسْتَغْرَبُ صُدُورُهُ وَلَا إِقْرَارُهُ مِمَّنْ يُثْبِتُ الْجَمْعَ بَيْنَ النَّقِيضَيْنِ الْمَنْطِقِيَّيْنِ وَيَفْتَخِرُ بِأَنَّهُ يُمْكِنُهُ تَوْجِيهُ مَا يَعْتَقِدُ بُطْلَانَهُ عَلَى أَنَّهُ جَوَابٌ عَنْ إِشْكَالٍ غَيْرِ وَارِدٍ، وَبِعِبَارَةٍ أُخْرَى لَيْسَ جَوَابًا عَنْ إِشْكَالٍ إِذْ لَا إِشْكَالَ. وَالْخِلَافُ بَيْنَ الْقُرَّاءِ فِي مِثْلِ السِّرَاطِ وَالصِّرَاطِ، وَمُسَيْطِرٍ وَمُصَيْطِرٍ، وَضَنِينٍ، وَظَنِينٍ، لَيْسَ خِلَافًا بَيْنَ النَّفْيِ وَالْإِثْبَاتِ كَمَسْأَلَةِ الْبَسْمَلَةِ بَلْ هِيَ قِرَاءَاتٌ ثَابِتَةٌ بِالتَّوَاتُرِ، فَأَمَّا ضَنِينٌ وَظَنِينٌ فَهُمَا قِرَاءَتَانِ مُتَوَاتِرَتَانِ - كَمَالِكٍ وَمَلِكٍ فِي الْفَاتِحَةِ - كُتِبَتْ قِرَاءَةُ الضَّادِ فِي مُصْحَفِ أُبَيٍّ وَهُوَ الَّذِي وُزِّعَ فِي الْأَمْصَارِ وَقَرَأَ بِهَا الْجُمْهُورُ، وَقِرَاءَةُ الظَّاءِ فِي مُصْحَفِ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ وَقَرَأَ بِهَا ابْنُ كَثِيرٍ وَأَبُو عَمْرٍو وَالْكِسَائِيُّ وَلِكُلٍّ مِنْهُمَا مَعْنًى وَلَيْسَتَا مِنْ قَبِيلِ تَسْهِيلِ الْقِرَاءَةِ لِقُرْبِ الْمَخْرَجِ كَمَا سَيَأْتِي فِي بَيَانِ الْفَرْقِ بَيْنَ مَخْرَجَيِ الْحَرْفَيْنِ قَرِيبًا، وَأَمَّا السِّرَاطُ وَالصِّرَاطُ وَمُسَيْطِرٌ وَمُصَيْطِرٌ فَلَا فَرْقَ بَيْنَهُمَا إِلَّا تَفْخِيمُ السِّينِ وَتَرْقِيقُهُ وَبِكُلٍّ مِنْهُمَا نَطَقَ بَعْضِ الْعَرَبِ وَثَبَتَ بِهِ النَّصُّ فَهُوَ مِنْ قَبِيلِ مَا
صَحَّ مِنْ تَحْقِيقِ الْهَمْزَةِ وَتَسْهِيلِهَا، وَمِنَ الْإِمَالَةِ وَعَدَمِهَا، فَلَا تَنَافِيَ بَيْنَ هَذِهِ الْقِرَاءَاتِ فَنُعِدُّ إِثْبَاتَ إِحْدَاهَا نَفْيًا لِمُقَابَلَتِهَا كَمَا هُوَ بَدِيهِيٌّ. عَلَى أَنَّ خَطَّ الْمُصْحَفِ أَقْوَى الْحُجَجِ فَلَوْ فَرَضْنَا تَعَارُضَ هَذِهِ الْقِرَاءَاتِ لَكَانَ هُوَ الْمُرَجَّحَ، وَلَكِنْ لَا تَعَارُضَ وَلِلَّهِ الْحَمْدُ.
نَكْتَفِي بِهَذَا رَدًّا لِمَا فِي كَلَامِ الْأَلُوسِيِّ وَأَمْثَالِهِ مِنَ الْخَطَأِ، فَإِنَّ غَيْرَهُ لَا يَعْنِينَا فِي مَوْضُوعِنَا وَلَا سِيَّمَا مَا رَجَّحَهُ عَنْ إِمَامِهِ وَخَالَفَ فِيهِ غَيْرَهُ، وَعَلَّلَهُ بِإِطْلَاقِهِمْ عَلَيْهِ لَقَبَ الْإِمَامِ الْأَعْظَمِ، وَزِيَادَتِهِ هُوَ عَلَيْهِمْ لَقَبَ الْمُجْتَهِدِ الْأَقْدَمِ، مَعَ عِلْمِهِ بِأَنَّ عُلَمَاءَ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعَيْنِ أَقْدَمُ مِنْهُ اجْتِهَادًا، وَأَنَّ هَذِهِ الْأَلْقَابَ وَإِنْ صَحَّ مَعْنَاهَا لَا تَقْتَضِي عَدَمَ الْخَطَأِ وَلَا عَدَمَ النِّسْيَانِ وَلَا إِهْمَالَ بَعْضِ الْمَسَائِلِ الْمُهِمَّةِ. وَنَحْنُ يَسُرُّنَا أَنْ يَصِحَّ مَا ذَكَرَهُ، وَأَنْ يُخْطِئَ مَا أَنْكَرَهُ، فَإِنَّ مِنَ الْمَصَائِبِ أَنْ يُوجَدَ فِي الْمُسْلِمِينَ عَالِمٌ يُنْكِرُ مَا ثَبَتَ فِي خَطِّ الْمُصْحَفِ الْمُتَوَاتِرِ كِتَابَةً وَرِوَايَةً. وَقَدْ نَقَلَ الرَّازِيُّ أَنَّ أَبَا حَنِيفَةَ لَيْسَ لَهُ نَصٌّ فِي الْمَسْأَلَةِ، وَإِنَّمَا قَالَ: يَقْرَأُ الْبَسْمَلَةَ وَيُسِرُّ بِهَا، وَلَمْ يَقُلْ إِنَّهَا آيَةٌ مِنْ أَوَّلِ السُّورَةِ أَمْ لَا. (قَالَ الرَّازِيُّ) : وَسُئِلَ مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ عَنْ بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ؟
فَقَالَ: مَا بَيْنَ الدَّفَّتَيْنِ كَلَامُ اللهِ، قَالَ (أَيِ السَّائِلِ لَهُ) : فَلِمَ تُسِرُّهُ؟ قَالَ: فَلَمْ يُجِبْنِي.
وَقَالَ الْكَرْخِيُّ: لَا أَعْرِفُ هَذِهِ الْمَسْأَلَةَ بِعَيْنِهَا لِمُتَقَدِّمِي أَصْحَابِنَا، إِلَّا أَنَّ أَمْرَهُمْ بِإِخْفَائِهَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهَا لَيْسَتْ مِنَ السُّورَةِ.
وَقَالَ بَعْضُ فُقَهَاءِ الْحَنَفِيَّةِ: تَوَرَّعَ أَبُو حَنِيفَةَ وَأَصْحَابُهُ عَنِ الْوُقُوعِ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ؛ لِأَنَّ الْخَوْضَ فِي أَنَّ الْبَسْمَلَةَ مِنَ الْقُرْآنِ أَوْ لَيْسَتْ مِنْهُ أَمْرٌ عَظِيمٌ، فَالْأَوْلَى السُّكُوتُ عَنْهُ اهـ.
أَقُولُ: مِنَ الْخَطَأِ الْبَيِّنِ الِاسْتِدْلَالُ بِأَمْرِ بَعْضِ الْفُقَهَاءِ بِإِخْفَاءِ الْبَسْمَلَةِ عَلَى كَوْنِهَا لَيْسَتْ مِنَ الْقُرْآنِ، مَعَ الْإِجْمَاعِ عَلَى أَنَّ مَا بَيْنَ دَفَّتَيِ الْمُصْحَفِ قُرْآنٌ مُنَزَّلٌ مِنَ اللهِ. عَلَى أَنَّ الرِّوَايَاتِ الصَّحِيحَةَ فِي الْأَحَادِيثِ فِيهَا الْجَهْرُ بِالْبَسْمَلَةِ وَالْإِسْرَارُ، وَرِوَايَاتُ الْجَهْرِ أَقْوَى وَأَبْعَدُ عَنِ التَّعْلِيلِ وَالتَّأْوِيلِ.
وَصَفْوَةُ الْقَوْلِ: أَنَّ دَلَالَةَ الْمُصْحَفِ أَقْوَى الدَّلَالَاتِ، تَرْجُحُ عَلَى كُلِّ مَا عَارَضَهَا مِنَ الرِّوَايَاتِ، وَدَلَالَتُهَا قَطْعِيَّةٌ، تُؤَيِّدُهَا الرِّوَايَاتُ الْمُتَوَاتِرَةُ فِي إِثْبَاتِهَا، وَالْإِجْمَاعُ الْعَمَلِيُّ عَلَى قِرَاءَتِهَا، وَلَا يُنَافِيهَا عَدَمُ رِوَايَةِ بَعْضِهِمْ لَهَا. فَالْمَسْأَلَةُ قَطْعِيَّةٌ فِي نَفْسِهَا، وَإِنَّمَا جَعَلُوهَا اجْتِهَادِيَّةً بِاخْتِلَافِ الرِّوَايَاتِ الْآحَادِيَّةِ فِي قِرَاءَتِهَا، وَقَدْ عَلِمْتَ مَا فِيهَا وَاللهُ الْمُوَفِّقُ لِلصَّوَابِ.
فَضْلُ الْفَاتِحَةِ وَكَوْنُهَا هِيَ السَّبْعَ الْمَثَانِيَ
قَالَ اللهُ تَعَالَى فِي سُورَةِ الْحِجْرِ مُخَاطِبًا خَاتَمَ الْأَنْبِيَاءِ وَالْمُرْسَلِينَ: (وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعًا مِنَ الْمَثَانِي وَالْقُرْآنَ الْعَظِيمَ) (15: 87) وَقَدْ ثَبَتَ فِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ وَالْآثَارِ الصَّحِيحَةِ عَنِ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعَيْنِ: أَنَّ السَّبْعَ الْمَثَانِيَ هِيَ سُورَةُ الْفَاتِحَةِ، وَمَعْنَى كَوْنِهَا مَثَانِيَ: أَنَّهَا تُثَنَّى وَتُعَادُ فِي كُلِّ رَكْعَةٍ مِنَ الصَّلَاةِ لِفَرْضِيَّتِهَا فِيهَا كَمَا تَقَدَّمَ، وَقِيلَ مَعْنَاهُ: أَنَّهَا يُثْنَى فِيهَا عَلَى اللهِ تَعَالَى بِمَا أَمَرَهُ، وَقِيلَ غَيْرُ ذَلِكَ:
فَأَمَّا الْحَدِيثُ الْمَرْفُوعُ فِي تَفْصِيلِهَا وَكَوْنِهَا هِيَ الْمُرَادَةَ بِالسَّبْعِ الْمَثَانِي فَهُوَ مَا رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ فِي مَوَاضِعَ مِنْ صَحِيحِهِ، وَأَصْحَابُ السُّنَنِ عَنْ أَبِي سَعِيدِ بْنِ الْمُعَلَّى، وَرَوَى نَحْوَهُ مَالِكٌ وَالتِّرْمِذِيُّ وَالْحَاكِمُ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ. ذَكَرَ أَبُو سَعِيدِ بْنُ الْمُعَلَّى: أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ لَهُ وَهُمَا فِي الْمَسْجِدِ: "لَأُعَلِّمَنَّكَ سُورَةً هِيَ أَعْظَمُ السُّوَرِ فِي الْقُرْآنِ قَبْلَ أَنْ نَخْرُجَ مِنَ الْمَسْجِدِ - وَفِي رِوَايَةٍ: قَبْلَ أَنْ أَخْرَجَ - (قَالَ) : أَخَذَ بِيَدِي فَلَمَّا أَرَادَ أَنْ يَخْرُجَ قُلْتُ لَهُ: أَلَمْ تَقُلْ" لَأُعَلِّمَنَّكَ سُورَةً هِيَ أَعْظَمُ سُورَةٍ فِي الْقُرْآنِ؟ "فَقَالَ: الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، هِيَ السَّبْعُ الْمَثَانِي وَالْقُرْآنُ الْعَظِيمُ الَّذِي أُوتِيتُهُ" وَفِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ لِأُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ: "أَتُحِبُّ أَنْ أُعَلِّمَكَ سُورَةً لَمْ تَنْزِلْ فِي التَّوْرَاةِ وَلَا الْإِنْجِيلِ وَلَا فِي الْفُرْقَانِ مِثْلُهَا؟ قَالَ أُبَيٌّ: ثُمَّ أَخَذَ بِيَدِي يُحَدِّثُنِي وَأَنَا أَتَبَاطَأُ مَخَافَةَ أَنْ يَبْلُغَ الْبَابَ قَبْلَ أَنْ يَنْقَضِيَ الْحَدِيثُ وَلَمَّا سَأَلَهُ عَنِ السُّورَةِ قَالَ:" كَيْفَ نَقْرَأُ فِي الصَّلَاةِ؟ "فَقَرَأْتُ عَلَيْهِ أُمَّ الْكِتَابِ فَقَالَ:" إِنَّهَا السَّبْعُ الْمَثَانِي
وَالْقُرْآنُ الْعَظِيمُ الَّذِي أُوتِيتُهُ ". وَفِيهِ إِزَالَةُ إِشْكَالٍ فِي حَدِيثِ أَبِي سَعِيدِ بْنِ الْمُعَلَّى، وَهُوَ أَنَّ ظَاهِرَهُ يُوهِمُ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ يَعْرِفُ الْفَاتِحَةَ مَعَ أَنَّهُ كَانَ يُصَلِّي فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ وَقَبْلَهُ فَهُوَ مِنَ الْأَنْصَارِ - وَقَدْ عُلِمَ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ: أَنَّ الْمُرَادَ بِتَعْلِيمِهِ هَذِهِ السُّورَةَ تَعْلِيمُهُ مَا فِيهَا مِنَ الْفَضِيلَةِ عَلَى غَيْرِهَا، وَكَوْنُهَا هِيَ الْمُرَادَةَ بِآيَةِ سُورَةِ الْحِجْرِ. وَأَمَّا عَطْفُ الْقُرْآنِ عَلَى" سَبْعًا مِنَ الْمَثَانِي "فَهُوَ مِنْ عَطْفِ الْكُلِّ عَلَى الْجُزْءِ أَوِ الْعَامِّ عَلَى الْخَاصِّ، وَقِيلَ فِي تَوْجِيهِهِ غَيْرُ ذَلِكَ."
وَقَدْ تَعَلَّقَ بِرِوَايَةِ "الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ هِيَ السَّبْعُ الْمَثَانِي" مَنْ قَالُوا: إِنَّ الْبَسْمَلَةَ لَيْسَتْ مِنَ الْفَاتِحَةِ. وَعَكَسَ الْآخَرُونَ قَائِلِينَ: إِنَّ الْمُرَادَ بِالْجُمْلَةِ الْأُولَى لَفْظُهَا عَلَى أَنَّهُ اسْمُ
السُّورَةِ وَإِلَّا مَا صَحَّ قَوْلُهُ: هِيَ السَّبْعُ الْمَثَانِي؛ لِأَنَّهَا آيَةٌ وَاحِدَةٌ، وَإِنَّمَا السَّبْعُ الْمَثَانِي: هِيَ آيَاتُ الْفَاتِحَةِ السَّبْعُ، وَهِيَ لَيْسَتْ سَبْعًا إِلَّا بِالْبَسْمَلَةِ آيَةً مِنْهَا، فَكَوْنُهَا مِنْهَا ثَابِتٌ بِالْقُرْآنِ أَيْ بِآيَةِ سُورَةِ الْحِجْرِ، كَمَا فَسَّرَهَا أَعْلَمُ النَّاسِ بِهِ وَهُوَ الرَّسُولُ الَّذِي أَنْزَلَهُ اللهُ عَلَيْهِ، وَكِبَارُ أَصْحَابِهِ وَالتَّابِعَيْنِ وَالْحَدِيثُ يَدُلُّ عَلَى تَسْمِيَتِهَا بِالْحَمْدِ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، إِذْ لَا يَصِحُّ مَعْنَاهُ إِلَّا بِذَلِكَ.
وَأَمَّا الْآثَارُ فَقَدْ فَصَّلَهَا السُّيُوطِيُّ فِي الدُّرِّ الْمَنْثُورِ، وَأَجْمَلَهَا الْحَافِظُ فِي الْفَتْحِ مَعَ بَيَانِ دَرَجَةِ أَسَانِيدِهَا بِقَوْلِهِ: وَقَدْ رَوَى الطَّبَرِيُّ بِإِسْنَادَيْنِ جَيِّدَيْنَ عَنْ عُمَرَ ثُمَّ عَنْ عَلِيٍّ قَالَ: السَّبْعُ الْمَثَانِي فَاتِحَةُ الْكِتَابِ - زَادَ عَنْ عُمَرَ "تُثَنَّى فِي كُلِّ رَكْعَةٍ" "وَبِإِسْنَادٍ مُنْقَطِعٍ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ مِثْلَهُ، وَبِإِسْنَادٍ حَسَنٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: أَنَّهُ قَرَأَ الْفَاتِحَةَ، ثُمَّ قَالَ: (وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعًا مِنَ الْمَثَانِي وَالْقُرْآنَ الْعَظِيمَ) قَالَ: هِيَ فَاتِحَةُ الْكِتَابِ، وَبِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ الْآيَةُ السَّابِعَةُ وَمِنْ طَرِيقِ جَمَاعَةٍ مِنَ التَّابِعَيْنِ: السَّبْعُ الْمَثَانِي فَاتِحَةُ الْكِتَابِ. وَمِنْ طَرِيقِ أَبِي جَعْفَرٍ الرَّازِيِّ عَنِ الرَّبِيعِ بْنِ أَنَسٍ عَنْ أَبِي الْعَالِيَةِ قَالَ: السَّبْعُ الْمَثَانِي فَاتِحَةُ الْكِتَابِ: قُلْتُ لِلرَّبِيعِ: إِنَّهُمْ يَقُولُونَ: إِنَّهَا السَّبْعُ الطُّوَلُ (جَمْعُ طُولَى مُؤَنَّثِ أَطْوَلَ) قَالَ: لَقَدْ أُنْزِلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ وَمَا نَزَلَ مِنَ الطُّوَلِ شَيْءٌ. اهـ."
يَقُولُ مُحَمَّدٌ رَشِيدٌ: يَعْنِي أَنَّ سُورَةَ الْحِجْرِ الَّتِي فِيهَا هَذِهِ الْآيَةُ قَدْ نَزَلَتْ بِمَكَّةَ قَبْلَ السُّوَرِ السَّبْعِ الطُّوَلِ وَهُنَّ: الْبَقَرَةُ، وَآلُ عِمْرَانَ، وَالنِّسَاءُ، وَالْمَائِدَةُ - الْمَدَنِيَّاتُ - وَالْأَنْعَامُ وَالْأَعْرَافُ، وَيُونُسُ - الْمَكِّيَّاتُ - كَذَا قَالَ بَعْضُهُمْ فِي السَّابِعَةِ: إِنَّهَا سُورَةُ يُونُسَ، قَالَ آخَرُونَ: هِيَ الْأَنْفَالُ، وَبَرَاءَةٌ - وَعَدَّهُمَا سُورَةً وَاحِدَةً - وَقَالَ بَعْضُهُمْ: إِنَّ الرَّاوِيَ نَسِيَ السَّابِعَةَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ.
وَالْقَوْلُ بِأَنَّهَا السَّبْعُ الطُّوَلُ، رَوَاهُ النَّسَائِيُّ وَالطَّبَرِيُّ وَالْحَاكِمُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ بِإِسْنَادٍ قَوِيٍّ كَمَا قَالَ الْحَافِظُ. وَلَا حَاجَةَ إِلَى التَّفْصِيلِ فِيهِ فَإِنَّهُ مَرْدُودٌ لِمُخَالَفَتِهِ لِلْحَدِيثِ الصَّحِيحِ الْمَرْفُوعِ، وَلَا قَوْلَ لِأَحَدٍ مِنْ قَوْلِ الرَّسُولِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، وَمِنْهُ يُعْلَمُ أَنَّ قُوَّةَ الْإِسْنَادِ لَا قِيمَةَ لَهَا تُجَاهَ الدَّلِيلِ الْقَوِيِّ عَلَى بُطْلَانِ مَتْنِ الرِّوَايَةِ.
اسْتِدْرَاكٌ عَلَى تَفْسِيرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَالضَّالِّينَ
وَرَدَ فِي الْحَدِيثِ الْمَرْفُوعِ تَفْسِيرُ (الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ) بِالْيَهُودِ، وَ (الضَّالِّينَ) بِالنَّصَارَى، رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالتِّرْمِذِيُّ وَحَسَّنَهُ ابْنُ حِبَّانَ وَصَحَّحَهُ غَيْرُهُمْ، وَنَقَلْنَا عَنْ شَيْخِنَا الْأُسْتَاذِ الْإِمَامِ (ص 55) عَزْوَهُ إِلَى بَعْضِهِمْ، أَيْ بَعْضِ الْمُفَسِّرِينَ وَهُوَ يُرِيدُ أَنَّ بَعْضَ الْمُفَسِّرِينَ اخْتَارَ أَنَّ هَذَا هُوَ الْمَعْنَى الْمُرَادُ، وَهُوَ لَمْ يَكُنْ يَجْهَلُ أَنَّ هَذَا رُوِيَ مَرْفُوعًا، وَلَكِنَّهُ كَانَ يَعْلَمُ ـ مَعَ هَذَا ـ أَنَّ أَكْثَرَ الْمُفَسِّرِينَ فَسَّرُوا اللَّفْظَيْنِ بِمَا يَدُلَّانِ عَلَيْهِ لُغَةً حَتَّى بَعْضَ أَهْلِ الْحَدِيثِ مِنْهُمْ، وَكَأَنَّهُمْ لَمْ يَرَوْا أَنَّ الْحَدِيثَ صَحِيحٌ، فَقَدْ قَالَ الْبَغَوِيُّ الْمُلَقَّبُ بِمُحْيِي السُّنَّةِ فِي تَفْسِيرِهِ (مَعَالِمِ التَّنْزِيلِ) بَعْدَ تَفْسِيرِهِمَا بِمَدْلُولِهِمَا اللُّغَوِيِّ، "قِيلَ: الْمَغْضُوبُ عَلَيْهِمْ هُمُ الْيَهُودُ، وَالضَّالُّونَ هُمُ النَّصَارَى؛ لِأَنَّ اللهَ تَعَالَى حَكَمَ عَلَى الْيَهُودِ بِالْغَضَبِ فَقَالَ: (مَنْ لَعَنَهُ اللهُ وَغَضِبَ عَلَيْهِ) وَحَكَمَ عَلَى النَّصَارَى بِالضَّلَالِ فَقَالَ: (وَلَا تَتَّبِعُوا أَهْوَاءَ قَوْمٍ قَدْ ضَلُّوا مِنْ قَبْلُ) وَقَالَ سَهْلُ بْنُ عَبْدِ اللهِ: غَيْرُ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ بِالْبِدْعَةِ، وَلَا الضَّالِّينَ عَنِ السُّنَّةِ اهـ."
فَعَبَّرَ عَنْ هَذَا الْقَوْلِ بِقِيلِ الدَّالِّ عَلَى ضَعْفِهِ عِنْدَهُ وَلَمْ يَسْتَدِلَّ عَلَيْهِ بِالْحَدِيثِ.
وَقَالَ الْحَافِظُ ابْنُ كَثِيرٍ فِي تَفْسِيرِهِ: غَيْرُ صِرَاطِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ، وَهُمُ الَّذِينَ فَسَدَتْ إِرَادَتُهُمْ فَعَلِمُوا الْحَقَّ وَعَدَلُوا عَنْهُ، وَلَا صِرَاطِ الضَّالِّينَ، وَهُمُ الَّذِينَ فَقَدُوا الْعِلْمَ، فَهُمْ هَائِمُونَ فِي الضَّلَالَةِ لَا يَهْتَدُونَ إِلَى الْحَقِّ، وَأَكَّدَ الْكَلَامَ بِـ "لَا" لِيَدُلَّ عَلَى أَنَّ ثَمَّ مَسْلَكَيْنِ فَاسِدَيْنِ وَهُمَا: طَرِيقَةُ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى. اهـ.
وَبَعْدَ كَلَامٍ طَوِيلٍ فِي إِعْرَابِ "غَيْرِ" وَ "لَا" إِنَّمَا جِيئَ بِـ "لَا" لِتَأْكِيدِ النَّفْيِ لِئَلَّا يُتَوَهَّمَ أَنَّهُ مَعْطُوفٌ عَلَى (الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ) وَلِلْفَرْقِ بَيْنَ الطَّرِيقَتَيْنِ لِتُجْتَنَبَ كُلُّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا، فَإِنَّ طَرِيقَةَ أَهْلِ الْإِيمَانِ مُشْتَمِلَةٌ عَلَى الْعِلْمِ بِالْحَقِّ وَالْعَمَلِ بِالْحَقِّ وَالْعَمَلِ بِهِ، وَالْيَهُودُ فَقَدُوا الْعَمَلَ وَالنَّصَارَى فَقَدُوا الْعِلْمَ، وَلِهَذَا كَانَ الْغَضَبُ لِلْيَهُودِ، وَالضَّلَالُ لِلنَّصَارَى ـ وَاسْتَشْهَدَ بِالْآيَتَيْنِ اللَّتَيْنِ اسْتَشْهَدَ بِهِمَا الْبَغَوِيُّ، ثُمَّ ذَكَرَ
الْحَدِيثَ وَرِوَايَاتِهِ وَهُوَ عِنْدَ أَحْمَدَ وَالتِّرْمِذِيِّ وَكَذَا ابْنِ حِبَّانَ مِنْ طَرِيقِ سِمَاكِ بْنِ حَرْبٍ عَنْ عَدِيِّ بْنِ حَاتِمٍ، قَالَ التِّرْمِذِيُّ، حَسَنٌ غَرِيبٌ، لَا نَعْرِفُهُ إِلَّا مِنْ حَدِيثِهِ، وَسِمَاكٌ ضَعَّفَهُ جَمَاعَةٌ وَوَثَّقَهُ آخَرُونَ، وَاتَّفَقُوا عَلَى أَنَّهُ تَغَيَّرَ فِي آخِرِ عُمْرِهِ بَلْ خَرِفَ، فَمَا رَوَاهُ فِي هَذِهِ الْحَالِ فَلَا جِدَالَ فِي رَدِّهِ بِالِاتِّفَاقِ، وَأَخْرَجَهُ
ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ أَبِي ذَرٍّ أَيْضًا بِسَنَدٍ، قَالَ الْحَافِظُ فِي الْفَتْحِ، إِنَّهُ حَسَنٌ، وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: إِنَّهُ لَا يَعْرِفُ فِي تَفْسِيرِهِمَا بِمَا ذَكَرَ خِلَافًا يَعْنِي الْمَأْثُورَ، وَمَعَ هَذَا نَقُولُ: إِنَّ مَا ذَكَرَهُ الْمُحَقِّقُونَ مِنَ الْوُجُوهِ الْأُخْرَى لَا يُعَدُّ مُخَالَفَةً لِلْمَأْثُورِ الَّذِي هُوَ مِنْ قَبِيلِ تَفْسِيرِ الْعَامِّ بِبَعْضِ أَفْرَادِهِ، مِنْ قَبِيلِ التَّمْثِيلِ لَا التَّخْصِيصِ، وَلَا الْحَصْرِ بِالْأَوْلَى.
(التَّأْمِينُ بَعْدَ الْفَاتِحَةِ)
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: "إِذَا أَمَّنَ الْإِمَامُ فَأَمِّنُوا فَإِنَّ مَنْ وَافَقَ تَأْمِينُهُ تَأْمِينَ الْمَلَائِكَةِ غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ" وَقَالَ ابْنُ شِهَابٍ: كَانَ رَسُولُ اللهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقُولُ: آمِينَ. رَوَاهُ الْجَمَاعَةُ، إِلَّا أَنَّ التِّرْمِذِيَّ لَمْ يَذْكُرْ قَوْلَ ابْنِ شِهَابٍ، وَفِي رِوَايَةٍ: "إِذَا قَالَ الْإِمَامُ: (غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ) فَقُولُوا: آمِينَ، فَإِنَّ الْمَلَائِكَةَ تَقُولُ: آمِينَ، وَإِنَّ الْإِمَامَ يَقُولُ: آمِينَ، فَمَنْ وَافَقَ تَأْمِينُهُ تَأْمِينَ الْمَلَائِكَةِ غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ" رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالنَّسَائِيُّ. وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: "كَانَ رَسُولُ اللهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إِذَا تَلَا (غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ) قَالَ: آمِينَ. حَتَّى يَسْمَعَ مَنْ يَلِيهِ مِنَ الصَّفِّ الْأَوَّلِ" رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَابْنُ مَاجَهْ وَقَالَ: "حَتَّى يَسْمَعَهَا أَهْلُ الصَّفِّ الْأَوَّلِ فَيَرْتَجَّ بِهَا الْمَسْجِدُ" وَعَنْ وَائِلِ بْنِ حُجْرٍ قَالَ: "سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَرَأَ (غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ) فَقَالَ: آمِينَ. يَمُدُّ بِهَا صَوْتَهُ، رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ. اهـ (مُنْتَقَى الْأَخْبَارِ) ."
وَهَذِهِ الْأَحَادِيثُ كُلُّهَا صَحِيحَةٌ وَأَخْرَجَهَا غَيْرُ مَنْ ذُكِرَ، وَزَادَ أَبُو دَاوُدَ فِي الْأَخِيرِ مِنْهَا "وَرَفَعَ بِهَا صَوْتَهُ" قَالَ الْحَافِظُ ابْنُ حَجَرٍ: وَسَنَدُهُ صَحِيحٌ، وَخَطَّأَ ابْنَ الْقَطَّانِ فِي إِعْلَانِهِ إِيَّاهُ بِجَهَالَةِ حُجْرِ بْنِ عَنْبَسٍ وَقَالَ: إِنَّهُ ثِقَةٌ مَعْرُوفٌ، قِيلَ: إِنَّ لَهُ صُحْبَةً.
وَهُنَالِكَ أَحَادِيثُ أُخْرَى فِي الْمَسْأَلَةِ تَبْلُغُ مَعَ هَذِهِ سَبْعَةَ عَشَرَ حَدِيثًا، وَهَذِهِ أَصَحُّهَا.
قَالَ الشَّوْكَانِيُّ فِي نَيْلِ الْأَوْطَارِ عِنْدَ شَرْحِ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ الْأَوَّلِ: وَالْحَدِيثُ يَدُلُّ عَلَى مَشْرُوعِيَّةِ التَّأْمِينِ. قَالَ الْحَافِظُ: وَهَذَا الْأَمْرُ عِنْدَ الْجُمْهُورِ لِلنَّدْبِ، وَحَكَى ابْنُ بَزِيزَةَ عَنْ بَعْضِ أَهْلِ الْعِلْمِ وُجُوبَهُ عَمَلًا بِظَاهِرِ الْأَمْرِ، وَأَوْجَبَتْهُ الظَّاهِرِيَّةُ عَلَى كُلِّ مَنْ يُصَلِّي، وَالظَّاهِرُ مِنَ الْحَدِيثِ وُجُوبُهُ عَلَى الْمَأْمُومِ فَقَطْ، لَكِنْ لَا مُطْلَقًا بَلْ مُقَيِّدًا بِأَنْ يُؤَمِّنَ الْإِمَامُ، وَأَمَّا الْإِمَامُ وَالْمُنْفَرِدُ فَمَنْدُوبٌ فَقَطْ.
(قَالَ) : وَحَكَى الْمَهْدِيُّ فِي الْبَحْرِ عَنِ الْعِتْرَةِ جَمِيعًا، أَنَّ التَّأْمِينَ بِدْعَةٌ ـ وَقَدْ عَرَفْتُ ثُبُوتَهُ عَنْ عَلِيٍّ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُ - مِنْ فِعْلِهِ وَرِوَايَتِهِ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي كُتُبِ أَهْلِ الْبَيْتِ وَغَيْرِهِمْ ـ عَلَى أَنَّهُ قَدْ حَكَى السَّيِّدُ الْعَلَّامَةُ الْإِمَامُ مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْوَزِيرُ عَنِ الْإِمَامِ الْمَهْدِيِّ.
مُحَمَّدِ بْنِ الْمُطَهِّرِ وَهُوَ أَحَدُ أَئِمَّتِهِمُ الْمَشَاهِيرِ أَنَّهُ قَالَ فِي كِتَابِهِ (الرِّيَاضُ النَّدِيَّةُ) : إِنَّ رُوَاةَ التَّأْمِينِ جَمٌّ غَفِيرٌ، قَالَ: وَهُوَ مَذْهَبُ زَيْدِ بْنِ عَلِيٍّ وَأَحْمَدَ بْنِ عِيسَى. اهـ.
وَقَدِ اسْتَدَلَّ صَاحِبُ الْبَحْرِ عَلَى أَنَّ التَّأْمِينَ بِدْعَةٌ بِحَدِيثِ مُعَاوِيَةَ بْنِ الْحَكَمِ السُّلَمِيِّ "إِنَّ هَذِهِ صَلَاتُنَا لَا يَصْلُحُ فِيهَا شَيْءٌ مِنْ كَلَامِ النَّاسِ" وَلَا شَكَّ أَنَّ أَحَادِيثَ التَّأْمِينِ خَاصَّةٌ وَهَذَا عَامٌّ، وَإِنْ كَانَتْ أَحَادِيثُهُ الْوَارِدَةُ عَنْ جَمْعٍ مِنَ الصَّحَابَةِ لَا يَقْوَى بَعْضُهَا عَلَى تَخْصِيصِ حَدِيثٍ وَاحِدٍ مِنَ الصَّحَابَةِ ـ مَعَ أَنَّهَا مُنْدَرِجَةٌ تَحْتَ تِلْكَ الْعُمُومَاتِ الْقَاضِيَةِ بِمَشْرُوعِيَّةِ مُطْلَقِ الدُّعَاءِ فِي الصَّلَاةِ؛ لِأَنَّ التَّأْمِينَ دُعَاءٌ، فَلَيْسَ فِي الصَّلَاةِ تَشَهُّدٌ، وَقَدْ أَثْبَتَهُ الْعِتْرَةُ، فَمَا هُوَ جَوَابُهُمْ فِي إِثْبَاتِهِ فَهُوَ الْجَوَابُ فِي إِثْبَاتِ ذَلِكَ. عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِكَلَامِ النَّاسِ فِي الْحَدِيثِ هُوَ تَكْلِيمُهُمْ؛ لِأَنَّهُ اسْمُ مَصْدَرِ كَلَّمَ لَا تَكَلَّمَ وَيَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ السَّبَبُ الْمَذْكُورُ فِي الْحَدِيثِ.
وَالْمُرَادُ بِقَوْلِهِ السَّبَبُ الْمَذْكُورُ فِي الْحَدِيثِ: هُوَ أَنَّ مُعَاوِيَةَ بْنَ الْحَكَمِ السُّلَمِيَّ شَمَّتَ عَاطِسًا فِي الصَّلَاةِ مَعَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَرَمَاهُ الْقَوْمُ بِأَبْصَارِهِمْ فَقَالَ: وَا ثُكْلَ أُمَّاهُ، مَالَكُمْ تَنْظُرُونَ إِلَيَّ؟ إِلَخْ. وَجُمْلَةُ الْقَوْلِ: أَنَّ التَّأْمِينَ فِي الصَّلَاةِ مَشْرُوعٌ بِنَصِّ الْأَحَادِيثِ الصَّحِيحَةِ الصَّرِيحَةِ، فَلَا وَجْهَ لِمَنْعِهِ بِعُمُومِ أَحَادِيثَ أُخْرَى لَا تُنَافِيهَا، وَلَوْ عَارَضَتْهَا لَوَجَبَ تَرْجِيحُهَا عَلَيْهَا.
وَاخْتُلِفَ فِي مَوْضِعِهِ بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْمَأْمُومِ، هَلْ هُوَ بَعْدَ قَوْلِ الْإِمَامِ: (وَلَا الضَّالِّينَ) أَمْ عِنْدَ قَوْلِهِ: "آمِينَ" ؟ وَهُوَ مَبْنِيٌّ عَلَى أَنَّ بَيْنَ الْحَدِيثَيْنِ فِي ذَلِكَ تَعَارُضًا، وَهُوَ غَفْلَةٌ
عَنْ كَوْنِ الْإِمَامِ إِنَّمَا يُؤَمِّنُ بَعْدَ قَوْلِهِ: (وَلَا الضَّالِّينَ) كَمَا صُرِّحَ بِهِ فِي رِوَايَةِ أَحْمَدَ وَالنَّسَائِيِّ لِحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ فَمَعْنَى الْحَدِيثَيْنِ مُتَّفِقٌ، وَقَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "إِذَا أَمَّنَ الْإِمَامُ فَأَمِّنُوا" مَبْنِيٌّ عَلَى أَنَّ مِنْ شَأْنِ الْإِمَامِ أَنْ يُؤَمِّنَ عَقِبَ إِتْمَامِ الْفَاتِحَةِ اتِّبَاعًا لِلسُّنَّةِ فَلَا مَفْهُومَ لِلشَّرْطِ فِيهِ.
(فَائِدَةٌ فِي مَخْرَجَيِ الضَّادِ وَالظَّاءِ وَحُكْمُ تَحْرِيفِ الْأَوَّلِ)
قَالَ الْحَافِظُ ابْنُ كَثِيرٍ فِي تَفْسِيرِهِ: وَالصَّحِيحُ مِنْ مَذَاهِبِ الْعُلَمَاءِ أَنَّهُ يُغْتَفَرُ الْإِخْلَالُ بِتَحْرِيرِ مَا بَيْنَ الضَّادِ وَالظَّاءِ لِقُرْبِ مَخْرَجَيْهِمَا، وَذَلِكَ أَنَّ الضَّادَ مَخْرَجُهَا مَنْ أَوَّلِ حَافَّةِ اللِّسَانِ وَمَا يَلِيهَا مِنَ الْأَضْرَاسِ، وَمَخْرَجُ الظَّاءِ مِنْ طَرَفِ اللِّسَانِ وَأَطْرَافِ الثَّنَايَا الْعُلْيَا، وَلِأَنَّ كُلًّا مِنَ الْحَرْفَيْنِ مِنَ الْحُرُوفِ الْمَجْهُورَةِ وَمِنَ الْحُرُوفِ الرِّخْوَةِ وَمِنَ الْحُرُوفِ الْمُطْبِقَةِ، فَلِهَذَا كُلِّهِ اغْتُفِرَ اسْتِعْمَالُ أَحَدِهِمَا مَكَانَ الْآخَرِ لِمَنْ لَا يُمَيِّزُ ذَلِكَ، وَاللهُ أَعْلَمُ. وَأَمَّا الْحَدِيثُ: "أَنَا أَفْصَحُ مَنْ نَطَقَ بِالضَّادِ" فَلَا أَصْلَ لَهُ. اهـ.
وَأَقُولُ: إِنَّ أَكْثَرَ أَهْلِ الْأَمْصَارِ الْعَرَبِيَّةِ قَدْ أَرَادُوا الْفِرَارَ مِنْ جَعْلِ الضَّادِ ظَاءً، كَمَا يَفْعَلُ التُّرْكُ وَغَيْرُهُمْ مِنَ الْأَعَاجِمِ، فَجَعَلُوهَا أَقْرَبَ إِلَى الطَّاءِ مِنْهَا إِلَى الضَّادِ حَتَّى الْقُرَّاءُ الْمُجَوِّدُونَ مِنْهُمْ،
إِلَّا أَهْلَ الْعِرَاقِ وَأَهْلَ تُونُسَ فَهُمْ عَلَى مَا نَعْلَمُ أَفْصَحُ أَهْلِ الْأَمْصَارِ نُطْقًا بِالضَّادِ، وَإِنَّنَا نَجِدُ أَعْرَابَ الشَّامِ وَمَا حَوْلَهَا يَنْطِقُونَ بِالضَّادِ فَيَحْسَبُهَا السَّامِعُ ظَاءً لِشِدَّةِ قُرْبِهَا مِنْهَا وَشَبَهِهَا بِهَا. وَهَذَا هُوَ الْمَحْفُوظُ عَنْ فُصَحَاءِ الْعَرَبِ الْأَوَّلِينَ حَتَّى اشْتَبَهَ نَقَلَةُ الْعَرَبِيَّةِ عَنْهُمْ فِي مُفْرَدَاتٍ كَثِيرَةٍ قَالُوا: إِنَّهَا سُمِعَتْ بِالْحَرْفَيْنِ وَجَمَعَهَا بَعْضُهُمْ فِي مُصَنَّفٍ مُسْتَقِلٍّ، وَالْأَشْبَهُ أَنَّهُ قَدِ اشْتَبَهَ عَلَيْهِمْ أَدَاؤُهَا مِنْهُمْ فَلَمْ يُفَرِّقُوا، وَالْفَرْقُ ظَاهِرٌ وَلَكِنَّهُ غَيْرُ بَعِيدٍ.
وَقَدْ قُرِئَ قَوْلُهُ تَعَالَى فِي سُورَةِ التَّكْوِيرِ: (وَمَا هُوَ عَلَى الْغَيْبِ بِضَنِينٍ) بِكُلٍّ مِنَ الضَّادِ وَالظَّاءِ، وَالضَّنِينُ: الْبَخِيلُ، وَالظَّنِينُ: الْمُتَّهَمُ، وَفَائِدَتُهُمَا نَفْيُ كُلٍّ مِنَ الْبُخْلِ وَالتُّهْمَةِ. وَالْمَعْنَى: مَا هُوَ بِبَخِيلٍ فِي تَبْلِيغِهِ فَيَكْتُمَ، وَلَا بِمُتَّهَمٍ فَيَكْذِبَ، قَالَ فِي الْكَشَّافِ: وَهُوَ فِي مُصْحَفِ عَبْدِ اللهِ بِالظَّاءِ، وَفِي مُصْحَفِ أُبَيٍّ بِالضَّادِ، وَكَانَ رَسُولُ اللهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقْرَأُ بِهِمَا. وَإِتْقَانُ الْفَصْلِ بَيْنَ الضَّادِ وَالظَّاءِ وَاجِبٌ، وَمَعْرِفَةُ مَخْرَجَيْهِمَا مِمَّا لَا بُدَّ
مِنْهُ لِلْقَارِئِ، فَإِنَّ أَكْثَرَ الْعَجَمِ لَا يُفَرِّقُونَ بَيْنَ الْحَرْفَيْنِ، وَإِنْ فَرَّقُوا فَفَرْقًا غَيْرُ صَوَابٍ وَبَيْنَهُمَا بَوْنٌ بَعِيدٌ، فَإِنَّ مَخْرَجَ الضَّادِ مِنْ أَصْلِ حَافَّةِ اللِّسَانِ وَمَا يَلِيهَا مِنَ الْأَضْرَاسِ مِنْ يَمِينِ اللِّسَانِ وَيَسَارِهِ، وَكَانَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُ - أَضْبَطَ: يَعْمَلُ بِكِلْتَا يَدَيْهِ، وَكَانَ يُخْرِجُ الضَّادَ مِنْ جَانِبَيْ لِسَانِهِ، وَهِيَ أَحَدُ الْأَحْرُفِ الشَّجَرِيَّةِ أُخْتُ الْجِيمِ وَالشِّينِ، وَأَمَّا الظَّاءُ فَمَخْرَجُهَا مِنْ طَرَفِ اللِّسَانِ وَأُصُولِ الثَّنَايَا الْعُلْيَا. وَهِيَ أَحَدُ الْأَحْرُفِ الذَّوْلَقِيَّةِ، أُخْتُ الذَّالِ وَالثَّاءِ، وَلَوِ اسْتَوَى الْحَرْفَانِ لَمَا ثَبَتَتْ فِي هَذِهِ الْكَلِمَةِ قِرَاءَتَانِ اثْنَتَانِ، وَاخْتِلَافٌ بَيْنَ جَبَلَيْنِ مِنْ جِبَالِ الْعِلْمِ وَالْقِرَاءَةِ. وَلَمَا اخْتَلَفَ الْمَعْنَى وَالِاشْتِقَاقُ وَالتَّرْكِيبُ. اهـ.
وَأَقُولُ: صَدَقَ أَبُو الْقَاسِمَ الزَّمَخْشَرِيُّ فِي تَحْقِيقِهِ هَذَا كُلِّهِ إِلَّا قَوْلَهُ: إِنَّ الْبَوْنَ بَيْنَ الْحَرْفَيْنِ بَعِيدٌ، فَالْفَرْقُ ثَابِتٌ وَلَكِنَّهُ قَرِيبٌ، وَهُوَ يَحْصُلُ بِإِخْرَاجِ طَرَفِ اللِّسَانِ بِالظَّاءِ بَيْنَ الثَّنَايَا كَأُخْتَيْهِ الثَّاءِ وَالذَّالِ، وَلَا شِرْكَةَ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُمَا إِلَّا فِي هَذَا.
(التَّوَسُّعُ فِي الِاسْتِنْبَاطِ مِنْ مَعْنَى الْفَاتِحَةِ)
إِنَّ مَا أَوْرَدْنَاهُ فِي تَفْسِيرِ الْفَاتِحَةِ مِنْ تَلْخِيصٍ لِمَا فَهِمْنَاهُ مِنْ دُرُوسِ شَيْخِنَا وَمِمَّا قَرَأْنَاهُ فِي الْكُتُبِ، ثُمَّ مَا زِدْنَاهُ عَلَيْهِ فِي أَصْلِهِ وَفِي هَذِهِ الْفَوَائِدِ الزَّوَائِدِ، فَالْغَرَضُ مِنْهُ التَّفَقُّهُ فِي مَعَانِي الْقُرْآنِ وَالِاهْتِدَاءُ بِهِ، وَقَدِ اقْتَصَدْنَا فِيهِ، فَاقْتَصَرْنَا عَلَى مَا لَا يَشْغَلُ الْقَارِئَ عَنِ الْمَقْصِدِ، وَقَدْ أَطَالَ الْفَخْرُ الرَّازِيُّ فِي اسْتِطْرَادَاتٍ عَدِيدَةٍ، وَمَسَائِلَ مُسْتَنْبَطَةٍ مِنْ لَوَازِمَ لِلْمَعَانِي قَرِيبَةٍ أَوْ بَعِيدَةٍ، وَلَكِنَّهَا تَشْغَلُ مُرِيدَ الِاهْتِدَاءِ بِالْقُرْآنِ، وَأَطَالَ ابْنُ الْقَيِّمِ فِي أَوَّلِ كِتَابِهِ "مَدَارِجِ السَّالِكِينَ" الْقَوْلَ فِي اسْتِنْبَاطِ الْمَسَائِلِ مِنْهَا مِنْ طَرِيقِ الدَّلَالَاتِ الثَّلَاثَةِ: الْمُطَابَقَةُ، وَالتَّضَمُّنُ، وَالِالْتِزَامُ، وَأَخَذَ فِي الثَّالِثَةِ بِاللُّزُومِ الْبَيِّنِ بِالْمَعْنَى الْأَعَمِّ وَبِالْمَعْنَى الْأَخَصِّ بِاللُّزُومِ غَيْرِ الْبَيِّنِ أَيْضًا، بَلْ سَمَّى كِتَابَهُ "مَدَارِجَ السَّالِكِينَ، بَيْنَ مَنَازِلِ إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ" وَأَجْمَلَ ذَلِكَ.
بِقَوْلِهِ: فِي خُطْبَةِ الْكِتَابِ، إِنَّهُ يُنَبِّهُ "عَلَى بَعْضِ مَا تَضَمَّنَتْهُ هَذِهِ السُّورَةُ مِنْ هَذِهِ الْمَطَالِبِ، وَمَا تَضَمَّنَتْهُ مِنَ الرَّدِّ عَلَى جَمِيعِ طَوَائِفِ أَهْلِ الْبِدَعِ وَالضَّلَالِ، وَمَا تَضَمَّنَتْهُ مِنْ: مَنَازِلِ السَّائِرِينَ، وَمَقَامَاتِ الْعَارِفِينَ، وَالْفَرْقِ بَيْنَ وَسَائِلِهَا وَغَايَاتِهَا، وَمَوَاهِبِهَا"
وَكَسْبِيَّاتِهَا، وَبَيَانِ أَنَّهُ لَا يَقُومُ غَيْرُ هَذِهِ السُّورَةِ مَقَامَهَا وَلَا يَسُدُّ مَسَدَّهَا، وَلِذَلِكَ لَمْ يَنْزِلْ فِي التَّوْرَاةِ وَلَا فِي الْإِنْجِيلِ وَلَا فِي الْقُرْآنِ مِثْلُهَا "اهـ."
وَمِمَّا ذَكَرَهُ فِي تَفْصِيلِ ذَلِكَ: فُصُولٌ فِي الرَّدِّ عَلَى أَهْلِ الْوَحْدَةِ، وَالْمَجُوسِ، وَالْقَدَرِيَّةِ، وَالْجَهْمِيَّةِ، وَالْجَبْرِيَّةِ، وَمُنْكِرِي النُّبُوَّاتِ، وَالْقَائِلِينَ بِقِدَمِ الْعَالَمِ.
وَالْفَرْقُ بَيْنَ هَذِهِ الْمُسْتَنْبَطَاتِ، وَمُسْتَنْبَطَاتِ الرَّازِيِّ: أَنَّ أَكْثَرَ تِلْكَ فِي الْمُصْطَلَحَاتِ الْعَرَبِيَّةِ وَالْعَقْلِيَّةِ وَالْكَلَامِيَّةِ وَالْفِقْهِيَّةِ، وَأَكْثَرَ هَذِهِ فِي الْمَقَاصِدِ الرُّوحِيَّةِ التَّعَبُّدِيَّةِ لِتِلْكَ الْمُصْطَلَحَاتِ وَالْعُلُومِ، فَهِيَ تَزِيدُ قَارِئَهَا دِينًا وَإِيمَانًا وَتَقْوَى، وَلَكِنْ لَا يَصِحُّ أَنْ يُسَمَّى شَيْءٌ مِنْهُمَا تَفْسِيرًا لِلْفَاتِحَةِ، وَلَوْ كُنَّا نَعُدُّهُ تَفْسِيرًا لَاقْتَبَسْنَاهُ أَوْ لَخَّصْنَاهُ فِي هَذِهِ الْفَوَائِدِ.
وَلِلصُّوفِيَّةِ مَنَازِعُ فِيهَا أَبْعَدُ عَنِ اللُّغَةِ وَالنَّقْلِ وَالْعَقْلِ مِنْ كُلِّ ذَلِكَ، جَرَّأَتْ مِثْلَ الدَّجَّالِ مِيرْزَا غُلَامْ أَحْمَدَ الْقَادَيَانِيَّ، الَّذِي ادَّعَى النُّبُوَّةَ وَالْوَحْيَ فِي هَذَا الْعَصْرِ، وَزَعَمَ أَنَّهُ الْمَسِيحُ الَّذِي يَنْتَظِرُهُ أَهْلُ الْمِلَلِ فِي آخِرِ الزَّمَانِ - جَرَّأَتْهُ عَلَى ادِّعَاءِ دَلَالَةِ الْبَسْمَلَةِ عَلَى دَعْوَاهُ الْبَاطِلَةِ! ! وَقَدْ فَنَّدْنَا شُبْهَةَ أَمْثَالِ هَؤُلَاءِ فِي تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعَالَى: (مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ) (6: 38) .
وَقَدْ ذَهَبَ بَعْضُ الْمُعَاصِرِينَ مَذْهَبًا أَبْعَدَ مِنْ هَذَا وَذَاكَ فِي تَفْسِيرِ الْفَاتِحَةِ وَغَيْرِهَا مِنَ الْقُرْآنِ، فَهُوَ يَرَى أَنَّ تَفْسِيرَ لَفْظِ الْعَالَمِينِ ـ مَثَلًا ـ يَقْتَضِي بَيَانَ كُلِّ مَا وَصَلَ إِلَيْهِ عِلْمُ الْبَشَرِ مِنْ مَدْلُولِ هَذَا اللَّفْظِ، وَأَنَّ تَفْسِيرَ لَفْظَيِ (الرَّحْمَنِ) وَ (الرَّحِيمِ) يَقْتَضِي بَيَانَ كُلِّ مَا يُعْرَفُ مِنْ نِعَمِ اللهِ وَإِحْسَانِهِ بِخَلْقِهِ وَإِلَى خَلْقِهِ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ، فَاتِّبَاعُ هَذَا الْمَذْهَبِ فِي تَفْسِيرِ الْفَاتِحَةِ أَوْ آيَةٍ أَوْ كَلِمَةٍ مِنْهَا لَا يَكْمُلُ إِلَّا بِكِتَابَةِ أُلُوفٍ مِنَ الْمُجَلَّدَاتِ يُدَوَّنُ فِيهَا كُلُّ مَا وَصَلَ إِلَيْهِ عِلْمُ جَمِيعِ عُلَمَاءِ الْأَرْضِ فِي أَعْيَانِ الْعَالَمِ، وَصِفَاتِهَا وَأَحْوَالِهَا مِنْ أَدْنَى الْحَشَرَاتِ إِلَى أَرْقَى الْبَشَرِ مِنْ حُكَمَاءِ الصِّدِّيقِينِ، وَالْأَنْبِيَاءِ الْمُرْسَلِينَ، وَإِنْ عُدَّ مِثْلُ هَذَا مِنَ التَّفْسِيرِ إِضْلَالٌ عَنِ الْقُرْآنِ، وَإِنَّمَا يَحْسُنُ فِي التَّفْسِيرِ تَذْكِيرُ الْمُؤْمِنِ بِأَلَا يَغْفُلَ عَنْ ذِكْرِ اللهِ وَالتَّفَكُّرِ فِي آيَاتِهِ وَرَحْمَتِهِ وَنِعَمِهِ فِي كُلِّ نَوْعٍ مِنْ مَخْلُوقَاتِهِ، عِنْدَ النَّظَرِ فِيهَا، وَالتَّفَكُّرِ فِي آيَاتِ اللهِ الدَّالَّةِ عَلَيْهَا.
وَنَزَعَ بَعْضُ الدَّجَّالِينَ وَالْمُخَرِّفِينَ مَنْزَعًا آخَرَ سَبَقَهُمْ إِلَيْهِ الْيَهُودَ، وَهُوَ اسْتِنْبَاطُ الْمَعَانِي مِنْ أَعْدَادِ حُرُوفِ الْهِجَاءِ بِحِسَابِ الْجُمَّلِ، قَالَ بَعْضُهُمْ: إِنَّ الْقُرْآنَ يَدُلُّ عَلَى
قِيَامِ السَّاعَةِ سَيَكُونُ فِي سَنَةِ 1407 لِلْهِجْرَةِ، وَهُوَ عَدَدُ حُرُوفِ "بَغْتَةً" مِنْ قَوْلِهِ تَعَالَى: (لَا تَأْتِيكُمْ إِلَّا بَغْتَةً) وَلِهَؤُلَاءِ فِي الْحُرُوفِ الْمُقَطَّعَةِ فِي أَوَائِلِ السُّورِ وَفِي أَعْدَادِهَا ضَلَالَاتٌ لَا نُضَيِّعُ الْوَقْتَ بِكِتَابَتِهَا، فَلِدَلَالَةِ الْأَلْفَاظِ عَلَى الْمَعَانِي طُرُقٌ فِي اللُّغَةِ لَا تَخْرُجُ عَنْهَا، وَلَيْسَ هَذَا مِنْهَا.
مَا يَنْبَغِي تَدَبُّرُهُ وَاسْتِحْضَارُهُ مِنْ مَعَانِي الْفَاتِحَةِ وَغَيْرِهَا فِي الصَّلَاةِ
إِذَا قُمْتَ أَيُّهَا الْمُسْلِمُ إِلَى الصَّلَاةِ فَوَجِّهْ كُلَّ قَلْبِكَ فِيهَا إِلَى اسْتِحْضَارِ كُلِّ مَا يَتَحَرَّكُ بِهِ لِسَانُكَ مِنْ ذِكْرٍ وَتِلَاوَةٍ.
فَإِذَا قُلْتَ: "اللهُ أَكْبَرُ" فَحَسِبَكَ أَنْ تَذْكُرَ فِي قَلْبِكَ أَنَّ اللهَ تَعَالَى أَعْظَمُ مَنْ كُلِّ عَظِيمٍ، وَأَكْبَرُ مَنْ كُلِّ شَيْءٍ، فَلَا يَصِحُّ أَنْ يَشْغَلَكَ عَنِ الصَّلَاةِ لَهُ أَوْ فِيهَا شَيْءٌ دُونَهُ، وَكُلُّ شَيْءٍ دُونَهُ.
وَإِذَا قَرَأْتَ مَا وَرَدَ فِي ذِكْرِ الِافْتِتَاحِ فَلَا تَشْغَلْ نَفْسَكَ بِغَيْرِ مَعْنَاهُ وَهُوَ ظَاهِرٌ، وَإِذَا اسْتَعَذْتَ بِاللهِ تَعَالَى قَبْلَ الْقِرَاءَةِ عَمَلًا بِعُمُومِ قَوْلِهِ تَعَالَى: (فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ) (16:98) فَتَصَوَّرْ مِنْ مَعْنَى صِيغَةِ الِاسْتِعَاذَةِ أَنَّكَ تَلْجَأُ إِلَى اللهِ تَعَالَى وَتَعْتَصِمُ بِهِ مِنْ وَسْوَسَةِ الشَّيْطَانِ الشَّاغِلَةِ عَنِ الصَّلَاةِ وَمَا يَجِبُ فِيهَا مِنَ التَّدَبُّرِ لِكِتَابِهِ وَالْخُشُوعِ وَالْإِخْلَاصِ لَهُ تَعَالَى.
وَإِذَا قَرَأْتَ الْبَسْمَلَةَ فَاسْتَحْضِرَ مِنْ مَعْنَاهَا:إِنَّنِي أُصَلِّي (بِسْمِ اللهِ) وَلِلَّهِ الَّذِي شَرَعَ الصَّلَاةَ وَأَقْدَرَنِي عَلَيْهَا (الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ) ذِي الرَّحْمَةِ الْعَامَّةِ الَّتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ وَالْخَاصَّةِ بِمَنْ شَاءَ مِنْ عِبَادِهِ الْمُخْلِصِينَ.
وَإِذَا قُلْتَ: (الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ) فَاسْتَحْضِرْ مِنْ مَعْنَاهَا أَنَّ كُلَّ ثَنَاءٍ جَمِيلٍ بِالْحَقِّ فَهُوَ لِلَّهِ تَعَالَى اسْتِحْقَاقًا وَفِعْلًا، مِنْ حَيْثُ إِنَّهُ الرَّبُّ خَالِقُ الْعَالَمِينَ وَمُدَبِّرُ جَمِيعِ أُمُورِهِمْ (الرَّحْمَنِ) فِي نَفْسِهِ (الرَّحِيمِ) بِخَلْقِهِ (مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ) ذِي الْمُلْكِ وَالتَّصَرُّفِ دُونَ غَيْرِهِ يَوْمَ مُحَاسَبَةِ الْخَلْقِ وَمُجَازَاتِهِمْ بِأَعْمَالِهِمْ فَلَا يُرْجَى غَيْرُهُ، وَإِذَا قُلْتَ: (إِيَّاكَ نَعْبُدُ) إِلَخْ فَتَذَكَّرْ أَنَّكَ تُخَاطِبُ هَذَا الرَّبَّ الْعَظِيمَ كِفَاحًا بِمَا يَجِبُ أَنْ
تَكُونَ صَادِقًا فِيهِ، وَمَعْنَاهُ نَعْبُدُكَ وَحْدَكَ دُونَ سِوَاكَ بِدُعَائِكَ وَالتَّوَجُّهِ إِلَيْكَ (وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ) نَطْلُبُ مَعُونَتَكَ وَحْدَكَ عَلَى عِبَادَتِكَ وَعَلَى جَمِيعِ شُئُونِنَا، بِالْعِلْمِ بِمَا أَعْطَيْتَنَا مِنَ الْأَسْبَابِ، وَبِالتَّوَكُّلِ عَلَيْكَ وَحْدَكَ عِنْدَ الْعَجْزِ عَنْهَا (اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ) دُلَّنَا وَأَوْصِلْنَا بِتَوْفِيقِكَ وَمَعُونَتِكَ إِلَى طَرِيقِ الْحَقِّ فِي الْعِلْمِ وَالْعَمَلِ، الَّذِي لَا عِوَجَ فِيهِ وَلَا زَلَلَ (صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ) بِالْإِيمَانِ الصَّحِيحِ وَالْعَمَلِ الصَّالِحِ وَثَمَرَتِهِمَا وَهِيَ سَعَادَةُ الدَّارَيْنِ، وَتَذَكَّرْ إِجْمَالًا أُولَئِكَ الْمُنْعَمَ عَلَيْهِمْ "مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ" وَأَنَّ حَظَّكَ مِنْ هَذِهِ الْهِدَايَةِ لِصِرَاطِهِمْ إِنَّمَا يَكُونُ بِالتَّأَسِّي وَالِاقْتِدَاءِ بِهِمْ فِي الدُّنْيَا، وَمُرَافَقَتِهِمْ فِي الْآخِرَةِ، وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا "(صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ) فَضْلًا وَإِحْسَانًا مِنْكَ (غَيْرِ الْمَغْضُوبَ عَلَيْهِمْ) بِإِيثَارِهِمُ الْبَاطِلَ عَلَى الْحَقِّ، وَتَرْجِيحِهِمُ"
الشَّرَّ عَلَى الْخَيْرِ (وَلَا الضَّالِّينَ) عَنْ طَرِيقِ الْحَقِّ وَالْخَيْرِ بِجَهْلِهِمْ (الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا) .
وَأَنْصَحُ لَكَ أَيُّهَا التَّالِي لِلْقُرْآنِ فِي الصَّلَاةِ وَفِي غَيْرِ الصَّلَاةِ، أَنْ تَقْرَأَهُ عَلَى مُكْثٍ وَتَمَهُّلٍ، بِخُشُوعٍ وَتَدَبُّرٍ، وَأَنْ تَقِفَ عَلَى رُءُوسِ الْآيَاتِ، وَتُعْطِيَ الْقِرَاءَةَ حَقَّهَا مِنَ التَّجْوِيدِ وَالنَّغَمَاتِ، مَعَ اجْتِنَابِ التَّكَلُّفِ وَالتَّطْرِيبِ، وَاتِّقَاءِ الِاشْتِغَالِ بِالْأَلْفَاظِ عَنِ الْمَعَانِي، فَإِنَّ قِرَاءَةَ آيَةٍ وَاحِدَةٍ مَعَ التَّدَبُّرِ وَالْخُشُوعِ، خَيْرٌ لَكَ مِنْ قِرَاءَةِ خَتْمَةٍ مَعَ الْغَفْلَةِ، وَمِنَ الْمُجَرَّبَاتِ: أَنَّ تَغْمِيضَ الْعَيْنَيْنِ فِي الصَّلَاةِ يُثِيرُ الْخَوَاطِرَ، وَلِذَلِكَ كَانَ مَكْرُوهًا، وَأَنَّ رَفْعَ الصَّوْتِ الْمُعْتَدِلِ فِي الصَّلَاةِ الْجَهْرِيَّةِ وَلَا سِيَّمَا صَلَاةُ اللَّيْلِ يَطْرُدُ الْغَفْلَةَ، وَيُوقِظُ رَاقِدَ الْخَشْيَةِ، وَإِعْطَاءَ كُلِّ أُسْلُوبٍ حَقَّهُ مِنَ الْأَدَاءِ وَالصَّوْتِ يُعِينُ عَلَى الْفَهْمِ، وَيَسْتَفِيضُ مَا غَاضَ بِطُولِ الْغَفْلَةِ مِنْ شَآبِيبِ الدَّمْعِ.
(رَاجِعْ بَحْثَ تَأْثِيرِ التِّلَاوَةِ فِي أَوَّلِ تَفْسِيرِ سُورَةِ الْأَعْرَافِ فِي الْكَلَامِ عَلَى الْحُرُوفِ الْمُفْرَدَةِ)
بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ
الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ
إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ
اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ
صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ
Ijmak Ulama: Basmalah Bagian dari Al-Quran
Aku tidak ingat apa yang dikatakan oleh Ustaz al-Imam (Muhammad Abduh) mengenai basmalah, baik dari segi lafaznya, i'rabnya, maupun apakah ia merupakan ayat dari Al-Fatihah, bagian dari ayatnya, atau bukan bagian darinya. Karena perselisihan dalam hal ini sudah masyhur. Ustaz telah meringkas pembahasan tentangnya secara singkat dan berkata: “Bagaimanapun juga, basmalah termasuk bagian dari Al-Qur’an, maka kita membicarakannya seperti ayat-ayat lainnya.”
Sekarang aku (Rashid Rida) berkata: Kaum muslimin telah berijma' bahwa basmalah adalah bagian dari Al-Qur’an dan merupakan satu ayat dari Surah an-Naml. Namun mereka berbeda pendapat mengenai tempatnya dalam surah-surah lainnya.
Pendapat yang menyatakan bahwa basmalah adalah ayat dari setiap surah dipegang oleh ulama salaf dari penduduk Makkah (fuqaha dan qurra mereka), di antaranya Ibnu Katsir; penduduk Kufah, di antaranya ‘Ashim dan al-Kisa’i dari para qurra; sebagian sahabat dan tabi’in dari penduduk Madinah; Imam asy-Syafi’i dalam qaul jadidnya beserta pengikutnya; ats-Tsauri; dan Imam Ahmad dalam salah satu riwayatnya; serta kaum Imamiyah (Syiah). Di antara sahabat yang diriwayatkan pendapat ini dari mereka adalah: Ali, Ibnu Abbas, Ibnu Umar, dan Abu Hurairah. Dari tabi’in: Sa’id bin Jubair, ‘Atha’, az-Zuhri, dan Ibnu al-Mubarak.
Hujjah terkuat mereka adalah: Ijma' para sahabat dan orang-orang setelah mereka untuk menetapkan basmalah di awal setiap surah kecuali Surah Bara’ah (at-Taubah), disertai perintah untuk memurnikan Al-Qur’an dari segala sesuatu yang bukan darinya. Oleh karena itu, mereka tidak menuliskan “Amin” di akhir Al-Fatihah.
Di antara hadits yang mendukungnya adalah hadits yang dikeluarkan oleh Muslim dalam Shahih-nya dari Anas, ia berkata: Rasulullah shallallahu ‘alaihi wa sallam bersabda: “Baru saja diturunkan kepadaku sebuah surah,” lalu beliau membaca:
بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
Abu Dawud meriwayatkan dengan sanad shahih dari Ibnu Abbas: “Rasulullah shallallahu ‘alaihi wa sallam tidak mengetahui pemisah antar-surah hingga turun kepadanya: بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ.”
Hadits ini juga dikeluarkan oleh al-Hakim dalam al-Mustadrak, dan ia berkata: “Shahih sesuai syarat asy-Syaikhain (Bukhari dan Muslim).” Ad-Daruquthni meriwayatkan dari Abu Hurairah, ia berkata: Rasulullah shallallahu ‘alaihi wa sallam bersabda: “Apabila kalian membaca ‘Alhamdulillah’ (yaitu Surah al-Fatihah), maka bacalah بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ, karena ia adalah Ummul-Qur’an dan as-Sab’ul-Matsani, dan بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ adalah salah satu ayatnya.”
Pendapat lain dipegang oleh Malik dan sebagian ulama Madinah, al-Auza’i dan sebagian ulama Syam, serta Abu ‘Amr dan Ya’qub dari qurra Bashrah: Bahwa basmalah adalah ayat tersendiri yang diturunkan untuk menunjukkan awal surah dan pemisah antar-surah. Pendapat ini diikuti oleh mazhab Hanafi.
Hamzah dari qurra Kufah dan diriwayatkan dari Ahmad: Bahwa basmalah adalah ayat dari Al-Fatihah saja, bukan dari surah lainnya. Ada pula pendapat-pendapat lain yang syadz (menyimpang).
Demikianlah. Ustaz al-Imam (Muhammad Abduh) berkata: Al-Qur’an adalah imam dan qudwah (teladan) kita. Pembukaannya dengan kalimat ini adalah petunjuk bagi kita agar kita memulai segala perbuatan dengan basmalah. Lalu apa maknanya? Bukan berarti kita memulai perbuatan dengan menyebut salah satu nama Allah untuk tabarruk atau meminta pertolongan kepada-Nya, melainkan kita mengucapkan kalimat ini: بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ, karena kalimat ini dituntut karena dirinya sendiri.
Sekarang aku berkata: “Nama” (isim) adalah lafaz yang menunjukkan kepada suatu zat (seperti batu, kayu, Zaid) atau makna tertentu (seperti ilmu dan kegembiraan). Ibnu Sidah berkata: Ia adalah lafaz yang diletakkan untuk jawhar (zat) atau ‘aradh (sifat tambahan). Ar-Raghib berkata: Nama adalah apa yang dengannya diketahui zat sesuatu dan asalnya. Banyak yang mengatakan bahwa isim berasal dari kata “sumuww” (tinggi), asalnya “samawa”, karena bentuk tashghir-nya “sumayy” dan jamaknya “asma’”.
As-Sumuww artinya ketinggian, seolah-olah nama itu lebih tinggi daripada yang dinamai karena ia menjadi tanda dan dalil baginya. Ada pula yang mengatakan berasal dari “simah” (tanda), asalnya “wasama”. Sebagian ahli kalam dan filsafat mengatakan bahwa isim digunakan untuk zat itu sendiri, hakikat, wujud, dan ‘ain (realitas) – dan menurut mereka ini adalah sinonim – tetapi pendapat ini tidak ada hubungannya dengan bahasa, juga bukan filsafat yang bermanfaat, melainkan filsafat yang merusak. Alusi berkata setelah mengutip dari Ibnu Faurak dan as-Suhaili: “Ini adalah pendapat yang digigit dengan gigi geraham,” bahkan tidak sepantasnya disebutkan kecuali untuk melarang pemborosan waktu dalam membaca apa yang dibangun di atasnya dari sofisme dalam membuktikan pendapat mereka bahwa “isim adalah zat yang dinamai.” Mereka telah menulis banyak omong kosong dalam masalah ini, dan jarang sekali seseorang merasa puas dengan ucapan orang lain di dalamnya, tetapi mungkin ia merasa puas dengan ucapannya sendiri yang mendukung apa yang ia tidak pahami dari ucapan orang lain.
Kebenaran adalah bahwa isim adalah lafaz yang diucapkan oleh lidahmu dan ditulis oleh kalammu, seperti ketika engkau mengatakan “matahari”, “Zaid”, atau “Makkah”. Sedangkan yang dinamai (musamma) adalah benda langit yang dikenal itu, atau orang tertentu itu, atau kota yang ditentukan itu, yang mungkin jauh darimu ketika engkau mengucapkan namanya. Lafaz “isim” adalah nama untuk jenis lafaz ini yang menunjuk kepada jawhar dan ‘aradh, bukan kepada peristiwa yang dalam nahwu disebut fi’il. Maknanya seperti makna lafaz “manusia” yang digunakan untuk banyak individu, seperti lafaz “matahari” yang engkau ucapkan dan tulis, lafaz “Zaid”, lafaz “Makkah”, dan nama-nama makhluk lainnya. Maka isim berbeda dengan musamma dalam bahasa. Siapa yang menisbatkan kepada Sibawaih selain ini telah keliru, sebagaimana dikatakan oleh Ibnu al-Qayyim. Bahkan dalam kitabnya Badai’ul-Fawa’id ia berkata: “Tidak pernah ada seorang nahwiyun atau orang Arab yang mengatakan bahwa isim adalah zat yang dinamai.” Ia menyebutkan sebagian yang mengatakan persatuan isim dan musamma melalui penamaan, lalu menjelaskan kesalahan di dalamnya. Makna “سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى” adalah sucikanlah Tuhanmu sambil mengingat nama-Nya yang paling tinggi. Makna “سَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ” adalah sucikanlah Dia sambil mengucapkan nama-Nya yang agung.
Sumber kekeliruan sebagian orang adalah bahwa Allah memerintahkan kita untuk mengingat-Nya dan bertasbih kepada-Nya dalam ayat-ayat tertentu, dan mengingat nama-Nya serta bertasbih kepada nama-Nya dalam ayat-ayat lain. Allah berfirman:
“Dan ingatlah nama Tuhanmu serta beribadahlah kepada-Nya dengan penuh ketundukan.” (QS. al-Muzzammil: 8)
“Dan ingatlah nama Tuhanmu pada waktu pagi dan petang.” (QS. al-Insan: 25)
“Dan masjid-masjid yang di dalamnya banyak disebut nama Allah.” (QS. al-Hajj: 40)
“Maka makanlah dari apa yang disebut nama Allah atasnya jika kamu beriman kepada ayat-ayat-Nya.” (QS. al-An’am: 118)
“Dan mengapa kamu tidak makan dari apa yang disebut nama Allah atasnya?” (QS. al-An’am: 119)
“Maka ingatlah nama Allah atasnya ketika mereka berdiri berbaris.” (QS. al-Hajj: 36) – yaitu unta ketika disembelih.
Allah berfirman tentang tasbih:
“Sesungguhnya orang-orang yang di sisi Tuhanmu tidak menyombongkan diri dari menyembah-Nya dan bertasbih kepada-Nya serta sujud kepada-Nya.” (QS. al-A’raf: 206) – yaitu mereka bertasbih kepada Tuhanmu, sehingga tasbih disandarkan langsung kepada dhamir Tuhan sebagaimana disandarkan kepada nama Tuhan dalam firman-Nya: “Sucikanlah nama Tuhanmu Yang Maha Tinggi.” (QS. al-A’la: 1) dan dengan huruf ba’ dalam: “Maka bertasbihlah dengan nama Tuhanmu Yang Maha Agung.” (QS. al-Waqi’ah: 74, 96).
Allah berfirman: “Segala yang ada di langit dan di bumi bertasbih kepada Allah.” (QS. al-Hadid: 1) dan semisalnya banyak.
Allah berfirman: “Maka Maha Suci Allah.” (QS. al-Mu’minun: 14)
“Maha Suci Allah yang menurunkan Al-Furqan.” (QS. al-Furqan: 1)
Sebagaimana Dia berfirman: “Maka Maha Suci nama Tuhanmu.” (QS. ar-Rahman: 78).
Sebagian orang berpendapat untuk menggabungkan ayat-ayat ini dengan menjadikan isim sama dengan musamma, sehingga mengingat Allah, mengingat nama-Nya, bertasbih kepada-Nya, dan bertasbih kepada nama-Nya adalah satu; karena nama-Nya adalah zat-Nya sendiri. Mereka menganggap ini lebih baik daripada mengatakan bahwa lafaz “isim” adalah tambahan yang tidak perlu. Kebenarannya adalah bahwa dzikr dalam bahasa adalah lawan dari lupa, yaitu dzikr hati. Oleh karena itu, Allah mengaitkannya dengan tafakkur dalam Surah Ali Imran (ayat 191), dan keduanya adalah ibadah hati. Allah berfirman: “Dan ingatlah Tuhanmu apabila engkau lupa.” (QS. al-Kahfi: 24). Dzikr juga digunakan untuk ucapan dengan lisan, karena ia adalah bukti atas dzikr hati, tanda, dan sebab baginya. Lisan hanya mengingat nama Allah sebagaimana mengingat nama segala sesuatu, bukan zat yang dinamai itu sendiri. Apabila engkau mengatakan “api”, maka api tidak jatuh di lidahmu sehingga membakarmu. Apabila orang haus mengatakan “air”, maka air tidak masuk ke mulutnya sehingga menghilangkan dahaganya. Maka dzikr Allah dalam hati adalah mengingat keagungan-Nya, kebesaran-Nya, keindahan-Nya, dan nikmat-nikmat-Nya. Telah disebutkan secara tegas perintah untuk mengingat nikmat Allah dan anugerah-Nya. Dzikr dengan lisan adalah mengingat nama-nama-Nya yang indah dan menyandarkan pujian, syukur, dan sanjungan kepada nama-nama itu. Demikian pula tasbih kepada-Nya: Hati bertasbih dengan meyakini kesempurnaan-Nya dan mengingat penyucian-Nya dari segala yang tidak layak bagi-Nya. Lisan bertasbih dengan menyandarkan tasbih kepada nama-nama-Nya tanpa menyebut lafaz isim. Ahmad, Abu Dawud, Ibnu Majah, al-Hakim dalam Mustadrak-nya, dan Ibnu Hibban dalam Shahih-nya meriwayatkan dari ‘Uqbah bin ‘Amir: “Ketika turun ayat ‘فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ’, Rasulullah shallallahu ‘alaihi wa sallam bersabda kepada kami: ‘Jadikanlah ia dalam rukuk kalian.’ Ketika turun ‘سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى’, beliau bersabda: ‘Jadikanlah ia dalam sujud kalian.’” Maksudnya adalah mengucapkan “Subhana Rabbiyal-‘Azhim” (bukan “Subhana ismi Rabbiyal-‘Azhim”), sebagaimana diriwayatkan oleh Ahmad dan pemilik Sunan Empat dari Hudzaifah: “Aku shalat bersama Nabi shallallahu ‘alaihi wa sallam, beliau mengucapkan dalam rukuknya: ‘Subhana Rabbiyal-‘Azhim’ dan dalam sujudnya: ‘Subhana Rabbiyal-A’la’.” Oleh karena itu, dalam pembahasan tentang sembelihan disebutkan “ذِكْرُ اسْمِ اللهِ عَلَيْهَا” (mengingat nama Allah atasnya), sebagaimana firman-Nya: “Maka makanlah dari apa yang disebut nama Allah atasnya.” (QS. al-An’am: 118) dan ayat-ayat lain yang telah disebutkan sebelumnya.
Dari penelitian ini terbukti bahwa isim berbeda dengan musamma, bahwa mengingat isim disyariatkan, dan mengingat musamma juga disyariatkan. Perbedaan antara keduanya jelas seperti siang hari. Demikian pula tasbih dan tabaruk. Sebagaimana Allah dimuliakan, nama-Nya yang mulia juga dimuliakan, sehingga disebutkan disertai pujian, syukur, sanjungan, dan penyucian. Mereka menyatakan bahwa sengaja menghina nama-nama Allah dalam ucapan dan tulisan adalah kekufuran, karena hal itu tidak mungkin dilakukan oleh seorang mukmin. Demikianlah apa yang aku tambahkan sekarang.
Ustaz al-Imam berkata dengan makna: Apabila engkau mengatakan bahwa aku mengingat nama Allah seperti al-‘Aziz dan al-Hakim, itu tidak berarti engkau mengingat lafaz “isim”. Seandainya pendapat mereka bahwa memulai dengan kalimat “بِسْمِ اللهِ” adalah untuk tabarruk dengan nama Allah adalah benar, maka seharusnya engkau mengatakan “بِاللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ” sebagaimana “بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ”, dan sebagaimana firman Allah: “بِسْمِ اللهِ مَجْرَاهَا وَمُرْسَاهَا” (dengan nama Allah berlayar dan berlabuhnya). Sebagian orang mengatakan bahwa idhafah di sini adalah untuk penjelasan, yaitu “Aku memulai ucapanku dengan nama Allah”, tetapi ini mengharuskan lafaz “ar-Rahman ar-Rahim” datang setelah lafaz isim, padahal itu tidak benar. Menganggap ketiga nama itu sebagai penjelas lafaz isim adalah pemaksaan yang jelas. Lalu apa maksud dari ungkapan ini?
Ungkapan seperti ini sudah dikenal di semua bangsa, termasuk bangsa Arab: Apabila seseorang ingin melakukan sesuatu untuk seorang amir atau orang besar sehingga perbuatan itu murni tidak dinisbahkan kepadanya dan terlepas darinya, ia mengatakan: “Aku melakukannya dengan nama si fulan” sambil menyebut nama amir atau sultan itu; karena nama sesuatu adalah tanda dan alamat baginya. Apabila aku melakukan suatu pekerjaan yang tidak akan ada wujud dan pengaruhnya kecuali karena sultan yang memerintahkannya, maka aku katakan bahwa pekerjaanku ini dengan nama sultan, yaitu ia diberi alamat dengan namanya, dan tanpa dia aku tidak akan melakukannya. Maka makna “Aku memulai pekerjaanku بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ” adalah aku melakukannya dengan perintah-Nya dan untuk-Nya, bukan untuk diriku sendiri, dan bukan dengan namaku secara mandiri seolah-olah aku adalah si fulan. Seolah-olah aku mengatakan: “Pekerjaan ini untuk Allah, bukan untuk kepentingan nafsuku.” Di dalamnya ada sisi lain: Kekuatan yang dengannya aku menciptakan pekerjaan itu berasal dari Allah Ta’ala. Seandainya bukan karena apa yang diberikan-Nya kepadaku, aku tidak akan melakukan apa pun. Maka pekerjaan ini tidak keluar dariku kecuali dengan nama Allah, bukan dengan namaku, karena seandainya bukan karena kekuatan yang diberikan-Nya kepadaku, aku tidak akan mampu melakukannya.
Makna ini telah sempurna dengan lafaz “ar-Rahman ar-Rahim” sebagaimana yang tampak jelas. Ringkasan maknanya adalah bahwa aku melakukan pekerjaanku dengan melepaskan diri dari anggapan bahwa itu dengan namaku, melainkan dengan nama-Nya Ta’ala, karena aku mengambil kekuatan dan perhatian dari-Nya dan mengharapkan kebaikan-Nya atasnya. Seandainya bukan karena-Nya, aku tidak akan mampu melakukannya dan tidak akan melakukannya. Bahkan seandainya aku mampu melakukannya (dengan asumsi kekuatan itu ada), aku tidak akan melakukannya kecuali karena perintah-Nya dan harapan akan karunia-Nya. Maka lafaz isim dimaksudkan maknanya, makna lafaz jalalah juga dimaksudkan, demikian pula lafaz “ar-Rahman ar-Rahim”. Penggunaan seperti ini sudah dikenal dan biasa dalam semua bahasa. Yang paling dekat dengan kalian hari ini adalah apa yang kalian lihat di pengadilan-pengadilan resmi, di mana mereka memulai putusan dengan ucapan dan tulisan “Dengan nama Sultan si fulan” atau “Khidiwi si fulan”.
Makna basmalah dalam Al-Fatihah adalah bahwa segala yang ditetapkan dalam Al-Qur’an berupa hukum-hukum, ayat-ayat, dan lainnya adalah untuk Allah dan dari-Nya. Tidak ada seorang pun selain Allah yang memiliki bagian di dalamnya. Demikianlah.
Aku berkata: Inilah intisari apa yang beliau tetapkan mengenai kaitan “بِسْمِ اللهِ” dan maknanya. Di sini ada sudut pandang lain, yaitu bahwa Al-Qur’an adalah wahyu yang disampaikan oleh Ruhul-Amin ke hati Nabi shallallahu ‘alaihi wa sallam, dan setiap surah darinya dimulai dengan basmalah. Maka kaitan basmalah dari malaikat wahyu belajar dari ayat pertama yang diturunkan kepadanya, yaitu firman Allah: “اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ” (Bacalah dengan nama Tuhanmu). Maka makna basmalah yang dipahami Nabi shallallahu ‘alaihi wa sallam dari ruh wahyu adalah: Bacalah wahai Muhammad surah ini بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ kepada hamba-hamba-Nya, yaitu bacalah ia dengan keyakinan bahwa ia dari-Nya Ta’ala, bukan darimu. Karena dengan rahmat-Nya kepada mereka, Dia menurunkannya kepadamu agar engkau menunjuki mereka dengannya kepada apa yang mengandung kebaikan bagi mereka di dunia dan akhirat. Maka Nabi shallallahu ‘alaihi wa sallam bermaksud dari kaitan basmalah: Aku membacakan surah ini kepada kalian wahai manusia dengan nama Allah, bukan dengan namaku, dan dengan keyakinan bahwa ia dari-Nya, bukan dariku. Aku hanyalah penyampai dari-Nya ‘Azza wa Jalla: “Dan aku diperintahkan untuk menjadi orang muslim yang pertama.” (QS. az-Zumar: 12) dan “Dan agar aku membacakan Al-Qur’an.” (QS. an-Naml: 92) dan seterusnya.
Ustaz al-Imam meringkas pembahasan mengenai lafaz isim dan lafaz jalalah karena pembahasannya sudah masyhur. Kami telah membahas lafaz pertama, dan inilah ringkasan yang layak mengenai lafaz yang agung lainnya:
Lafaz jalalah (الله) adalah ‘alam (nama khusus) bagi zat Wajibul-Wujud. Ibnu Malik berkata: Ia ditetapkan sebagai ma’rifah (definit). Dikatakan: Asalnya “إِلَهٌ”, lalu hamzahnya dihapus dan ditambahkan alif-lam. Dikatakan pula: Asalnya al-ilah. Al-ilah dalam bahasa digunakan untuk setiap yang disembah, sehingga mereka menjamaknya menjadi “آلهة”. Namun tidak setiap yang disembah dan dinamai ilah, mereka menamainya dengan nama (الله). Karena nama mulia ini khusus dalam bahasa mereka untuk Pencipta langit dan bumi serta segala sesuatu. Maka ta’rif di dalamnya mengkhususkan kepada Yang Maha Esa, Yang Tunggal, Yang Sempurna, sebagaimana mereka menjadikan lafaz “النَّجْمِ” dengan ta’rif khusus untuk ats-Tsurayya (bintang Pleiades). Maka orang Arab pada masa Jahiliyah apabila ditanya: “Siapa yang menciptakanmu?” atau “Siapa yang menciptakan langit dan bumi?”, ia menjawab: “الله”. Apabila ditanya tentang sebagian sesembahan mereka: “Apakah al-Lata dan al-‘Uzza menciptakan sesuatu dari makhluk ini?”, ia menjawab: “Tidak”. Al-Qur’an telah berhujjah atas mereka dengan keyakinan mereka ini sebagaimana akan datang pada tempatnya. Mereka hanya bertawassul melalui sesembahan itu kepada Allah dan meyakini syafaat mereka di sisi-Nya.
Sebagian ulama berkata: Lafaz “إِلَهٌ” berasal dari “أَلِهَ” yang berarti menyembah, maka ia berarti ma’bud (yang disembah) seperti kitab berarti maktub (yang ditulis). Dikatakan: أَلِهَ يَأْلَهُ إِلَاهَةً وَأُلُوهَةً وَأُلُوهِيَّةً, sebagaimana عَبَدَ يَعْبُدُ عِبَادَةً وَعُبُودَةً وَعُبُودِيَّةً. Maka ia adalah sifat dengan makna isim maf’ul. Dikatakan pula: Berasal dari “أَلِهَ” yang berarti bingung/hairan, atau dari “وَلِهَ” yang berarti bingung. Jika ini sulit dari segi lafaz – karena Allah Ta’ala Maha Suci dari kebingungan – maka dari segi makna boleh dikatakan, dan maksudnya adalah bahwa Dia adalah sebab kebingungan. Karena orang-orang yang memandang naik melalui tangga sebab-sebab penciptaan akan berhenti pada tingkat kebingungan dalam mengenal Pencipta Pertama yang wujud dengan zat-Nya sendiri, tidak karena sebab atau ‘illah sebelumnya. Segala sesuatu selain-Nya ada dengan-Nya. Mereka tidak mampu mencapai hakikat makhluk agung ini yang wujud-Nya tidak dapat dipahami kecuali dengan wujud-Nya, hingga kaum materialis ateis ketika meneliti asal makhluk dan naik ke pengetahuan tentang unsur-unsur sederhana yang tersusun darinya, mereka berkata: “Harus ada asal tunggal yang zatnya tidak diketahui, memiliki kekuatan dan kehidupan.”
Ringkasannya: Nama jalalah “الله” adalah ‘alam bagi zat Sang Pencipta Subhanahu wa Ta’ala. Sifat-sifat berlaku atas-Nya, dan Dia tidak disifati dengannya. Lafaz “الإله” adalah sifat. Jumhur berpendapat bahwa makna syar’i-nya adalah yang disembah dengan hak. Oleh karena itu, Al-Qur’an mengingkari penamaan berhala-berhala mereka sebagai alihah, dan hakikatnya adalah mengingkari pengilahian dan penyembahan mereka, bukan sekadar penamaan. Allah sendiri menamakan mereka alihah dalam firman-Nya: “Kami tidak menzalimi mereka, tetapi merekalah yang menzalimi diri mereka sendiri. Maka tidak berguna bagi mereka sesembahan-sesembahan yang mereka seru selain Allah ketika datang siksa Tuhanmu. Dan mereka tidak menambah kepada mereka kecuali kerugian.” (QS. Hud: 101). Tidak tampak dalam ayat ini maksud hanya menceritakan.
Di antara yang dihasilkan dari pendapat kami bahwa lafaz jalalah “الله” adalah ‘alam yang disifati dan tidak disifati dengannya adalah bahwa Asma’ul-Husna adalah sifat-sifat yang berlaku atas nama agung ini, dan karena itu mereka disifati dengan husna (indah). Allah berfirman: “Dan Allah memiliki Asma’ul-Husna (nama-nama yang terbaik), maka bermohonlah kepada-Nya dengan menyebut Asma’ul-Husna itu dan tinggalkanlah orang-orang yang menyimpang dari kebenaran dalam (menyebut) Asma’-Nya.” (QS. al-A’raf: 180). Dan kepada-Nya disandarkan perbuatan-perbuatan sifat-sifat ini, dikatakan: “Allah merahmati si fulan”, “Allah akan merahmatinya”, “Ya Allah, rahmatilah si fulan”. Dan disandarkan kepadanya masdar-masdarnya, maka dikatakan: “Rahmat Allah”, “Rububiyyah-Nya”, “Maghfirah-Nya”.
“Sesungguhnya rahmat Allah dekat dengan orang-orang yang berbuat baik.” (QS. al-A’raf: 56). Nama-nama yang musytaq ini masing-masing menunjuk kepada zat Allah Ta’ala dan kepada sifat yang diambil darinya secara mutabaqah (sesuai), dan kepada zat saja atau sifat dengan tadhammun (mencakup), dan masing-masing memiliki lawazim (hal-hal yang menyertainya) yang ditunjukkan dengan iltizam, seperti dalalah ar-Rahman atas ihsan dan in’am, dalalah al-Hakim atas itqan dan nizam, dalalah ar-Rabb atas ba’ts dan jaza’, karena Rabb yang sempurna tidak membiarkan hamba-hamba-Nya sia-sia. Siapa yang mengenal Asma’ul-Husna dan sifat-sifat uliya, maka ia mengenal bahwa nama jalalah yang paling agung “الله” menunjuk kepada semuanya, kepada lawazim kamilahnya, dan kepada penyucian-Nya dari segala lawan-lawannya yang salbiyyah (negatif). Maka nama yang paling tinggi ini menunjuk kepada penyifatan musamma-nya dengan semua sifat kesempurnaan dan penyucian-Nya dari segala kekurangan. Maha Suci Allah, segala puji bagi Allah, tiada Tuhan selain Allah, dan Allah Maha Besar. Demikianlah apa yang aku sukai untuk ditambahkan sekarang.
Ustaz al-Imam berkata dengan makna: Ar-Rahman dan ar-Rahim keduanya berasal dari rahmah, yaitu makna yang menyentuh hati sehingga mendorong pemiliknya dan membawanya untuk berbuat baik kepada orang lain. Ini mustahil atas Allah Ta’ala dengan makna yang dikenal pada manusia, karena pada manusia itu adalah rasa sakit dalam jiwa yang obatnya adalah ihsan, sedangkan Allah Ta’ala Maha Suci dari rasa sakit dan perubahan keadaan. Maka makna yang dimaksud bagi-Nya dari rahmah adalah efeknya, yaitu ihsan. Al-Jalal dalam tafsirnya dan ash-Shabani mengikutinya dengan mengatakan bahwa ar-Rahman dan ar-Rahim memiliki makna yang sama, dan yang kedua adalah taukid (penguatan) bagi yang pertama. Sungguh mengherankan pendapat seperti ini keluar dari seorang ulama muslim, dan itu hanyalah kelalaian yang kami mohonkan ampun kepada Allah bagi pemiliknya.
Beliau berkata: Aku tidak membolehkan seorang muslim mengatakan dalam hatinya atau dengan lisannya bahwa dalam Al-Qur’an ada kalimat yang berbeda dengan yang lain, kemudian datang hanya untuk taukid semata tanpa memiliki makna tersendiri. Ya, mungkin dalam makna suatu kalimat ada yang menambah penguatan atau penjelasan makna kalimat lain, tetapi yang tidak aku izinkan adalah bahwa makna kalimat itu sama persis dengan makna kalimat lain tanpa tambahan, lalu ia datang hanya untuk taukid semata sehingga termasuk apa yang disebut mutaradif (sinonim) menurut ahli bahasa. Karena hal itu hanya terjadi dalam ucapan orang yang hanya mengarah kepada penghiasan dan perhiasan semata. Dalam bahasa Arab ada cara-cara taukid yang bukan ini. Adapun yang mereka sebut huruf za’id yang datang untuk taukid, itu adalah huruf yang diletakkan untuk itu, dan maknanya adalah taukid, bukan makna kalimat yang ditaukidkan. Huruf ba’ dalam firman-Nya: “وَكَفَى بِاللهِ شَهِيدًا” (Cukuplah Allah sebagai saksi) menegaskan makna kecukupan yang melekat pada sisi Allah Ta’ala dengan zatnya dan maknanya yang diletakkan untuknya. Makna penambahannya adalah bahwa ia demikian dalam i’rab. Demikian pula makna “min” dalam: “وَمَا هُمْ بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللهِ” dan semisalnya. Adapun pengulangan untuk taukid, teguran, atau ancaman, itu sah dalam ucapan yang paling fasih ketika niat itu tampak darinya, seperti pengulangan: “فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ” setelah setiap nikmat, dan itu pada hakikatnya bukan pengulangan, karena maknanya ketika menyebut setiap nikmat adalah: “Apakah dengan nikmat ini kalian mendustakan?” Demikian pula segala yang datang dalam Al-Qur’an dengan cara ini.
Jumhur berpendapat bahwa makna ar-Rahman adalah yang memberi nikmat besar-besaran, dan makna ar-Rahim adalah yang memberi nikmat kecil-kecilan. Sebagian mereka mengatakan: Ar-Rahman adalah yang memberi nikmat umum yang mencakup orang kafir bersama yang lain, dan ar-Rahim adalah yang memberi nikmat khusus kepada orang mukmin. Semua ini adalah pemaksaan dalam bahasa yang dibangun atas anggapan bahwa tambahan bentuk menunjukkan tambahan makna. Namun tambahan bentuk menunjukkan tambahan sifat secara mutlak, maka sifat ar-Rahman menunjukkan banyaknya ihsan yang diberikan, baik besar maupun kecil. Adapun bahwa individu-individu ihsan yang ditunjukkan oleh lafaz yang lebih banyak huruf lebih besar daripada individu-individu ihsan yang ditunjukkan oleh lafaz yang lebih sedikit huruf, itu bukan makna yang dimaksud dan bukan yang dikehendaki. Siapa yang mengatakan bahwa makna ar-Rahman adalah yang berbuat baik dengan ihsan umum telah mendekati, tetapi ia keliru dalam mengkhususkan madlul ar-Rahim kepada orang mukmin. Mungkin yang mendorongnya mengatakan bahwa yang kedua adalah taukid bagi yang pertama adalah ketidakpuasan dengan apa yang mereka katakan tentang pembedaan, disertai ketidaksadaran akan apa yang lebih baik darinya.
Ustaz al-Imam berkata: Yang aku katakan adalah bahwa bentuk fa’lan menunjukkan sifat fa’la yang di dalamnya ada makna mubalaghah (berlebihan) seperti fa’’al, dan itu digunakan dalam bahasa untuk sifat-sifat ‘aridh (sementara) seperti ‘athshan (haus), gharthan (lapar), dan ghadban (marah). Adapun bentuk fa’il, maka ia menunjukkan dalam penggunaan bahasa kepada makna-makna yang tetap seperti akhlak dan sifat-sifat pada manusia seperti ‘alim, hakim, halim, dan jamil. Al-Qur’an tidak keluar dari gaya bahasa Arab yang fasih dalam menceritakan sifat-sifat Allah ‘Azza wa Jalla yang Maha Tinggi dari penyerupaan sifat-sifat makhluk. Maka lafaz ar-Rahman menunjukkan kepada yang darinya keluar efek-efek rahmah dengan perbuatan, yaitu melimpahkan nikmat dan berbuat baik. Lafaz ar-Rahim menunjukkan kepada sumber rahmah dan ihsan ini serta bahwa ia termasuk sifat-sifat yang tetap dan wajib. Dengan makna ini, salah satu dari kedua sifat tidak dapat menggantikan yang lain, dan yang kedua bukan taukid bagi yang pertama. Apabila orang Arab mendengar sifat Allah dengan ar-Rahman dan memahami darinya bahwa Dia melimpahkan nikmat dengan perbuatan, ia tidak akan meyakini dari itu bahwa rahmah adalah sifat wajib yang kekal bagi-Nya. Karena perbuatan bisa terputus jika bukan dari sifat yang lazim dan tetap, meskipun banyak. Maka ketika ia mendengar lafaz ar-Rahim, keyakinannya menjadi sempurna pada wajah yang layak bagi Allah Ta’ala dan meridhai-Nya Subhanahu. Ia mengetahui bahwa Allah memiliki sifat tetap yaitu rahmah yang darinya keluar efeknya, meskipun sifat itu tidak seperti sifat makhluk. Penyebutan ar-Rahim setelah ar-Rahman seperti menyebut dalil setelah madlul agar menjadi bukti baginya. Demikianlah.
Aku berkata: Al-‘Allamah Ibnu al-Qayyim telah mendahului ke pendapat semacam pembedaan ini, tetapi ia membalik dalalah kedua nama mulia itu. Ia berkata: Adapun penggabungan antara ar-Rahman dan ar-Rahim, maka di dalamnya ada makna yang indah, yaitu bahwa ar-Rahman menunjuk kepada sifat yang qaim (berdiri) dengan-Nya Subhanahu, dan ar-Rahim menunjuk kepada ta’alluq (keterkaitan)-nya dengan yang dirahmati. Seolah-olah yang pertama adalah sifat dan yang kedua adalah perbuatan. Yang pertama menunjuk bahwa rahmah adalah sifat-Nya, yaitu sifat zat bagi-Nya Subhanahu, dan yang kedua menunjuk bahwa Dia merahmati makhluk-Nya dengan rahmat-Nya, yaitu sifat perbuatan bagi-Nya Subhanahu. Jika engkau ingin memahami ini, perhatikan firman-Nya: “Dan Dia Maha Penyayang kepada orang-orang mukmin.” (QS. at-Taubah: 117), “Sesungguhnya Dia Maha Pengasih lagi Maha Penyayang kepada mereka.” (QS. at-Taubah: 128). Mengapa tidak datang “Rahman kepada mereka”? Maka engkau tahu bahwa ar-Rahman adalah yang disifati dengan rahmah, dan ar-Rahim adalah yang merahmati dengan rahmat-Nya. Ia rahimahullah berkata: Nuktah ini hampir tidak engkau temukan dalam buku, dan jika cermin hatimu bernafas padanya, gambarnya tidak akan tampak jelas bagimu.
Ia berkata dalam kitab lain ketika menyebut kedua nama mulia itu: Dia mengulang-ulang sebagai pengumuman atas tetapnya sifat, terjadinya efeknya, dan keterkaitannya dengan objek-objeknya. Maka ar-Rahman adalah yang rahmah menjadi sifat-Nya, dan ar-Rahim adalah yang merahmati hamba-hamba-Nya. Oleh karena itu Allah berfirman: “Dan Dia Maha Penyayang kepada orang-orang mukmin.” “Sesungguhnya Dia Maha Pengasih lagi Maha Penyayang kepada mereka.” Mengapa tidak datang “Rahman kepada hamba-hamba-Nya” atau “Rahman kepada orang-orang mukmin”, padahal dalam nama ar-Rahman yang berpola fa’lan ada keluasan sifat ini dan tetapnya seluruh maknanya bagi yang disifati dengannya. Tidakkah engkau lihat mereka mengatakan “ghadban” untuk orang yang penuh kemarahan, “nadman” (menyesal), “hayran” (bingung), “sakran” (mabuk), “lahfan” (sedih) untuk orang yang penuh dengan itu. Maka pola fa’lan untuk keluasan dan mencakup yang dimaksud darinya. Demikianlah.
Aku berkata: Sesungguhnya contoh-contoh ini mendukung apa yang dikatakan Ustaz al-Imam bahwa pola fa’lan menunjuk kepada sifat ‘aridh (sementara), dan tidak menunjuk kepada yang da’im (kekal). Maka dibutuhkan pola lain yang menunjuk kepada sifat tetap dan kekal, yaitu pola fa’il. Maka inilah yang paling kuat yang dikatakan mengenai nuktah penggabungan antara kedua nama mulia dengan dua pola ini. Yang mengikutinya adalah dalalah salah satunya kepada rahmah dengan quwwah (potensi), dan yang lain dengan fi’l (perbuatan). Ini adalah makna lain yang disentuh oleh kedua imam ini, tetapi Ibnu al-Qayyim menjadikan lafaz ar-Rahim sebagai yang menunjuk kepada rahmah dengan fi’l dengan dalil dua ayat yang ia sebutkan, dan lafaz ar-Rahman menunjuk kepadanya dengan quwwah karena tidak adanya ta’alluq seperti itu dengannya, dan ini kuat. Muhammad Abduh membaliknya dan menjadikannya dari madlul pola dengan luzum.
Alhamdulillah Rabbil-‘alamin ar-Rahmanir-Rahim
Mereka berkata: Makna hamd adalah sanjungan dengan lisan, dan mereka membatasinya dengan yang indah; karena kata “tsana’” digunakan untuk pujian dan celaan. Dikatakan: “Aku memuji kejelekannya”, sebagaimana dikatakan: “Aku memuji kebaikannya”. Mereka mengatakan bahwa “al” dalam al-hamd adalah untuk jenis dalam setiap individu darinya, bukan untuk istighraq (menyeluruh) dan bukan untuk ‘ahd khusus; karena tidak dapat dipahami menyeluruh atau khusus kecuali dengan pengganti, padahal pengganti itu tidak ada dalam ayat. Makna bahwa hamd bagi Allah Ta’ala dalam setiap jenisnya adalah bahwa segala sesuatu yang sah dipuji atasnya adalah sumbernya dan kepadanya kembalinya. Maka hamd bagi-Nya dalam setiap keadaan.
Jumla ini adalah khabariyah, tetapi digunakan untuk menginsya’ (menciptakan) hamd. Adapun makna khabariyah adalah menetapkan bahwa sanjungan yang indah dalam setiap jenisnya adalah benar, maka ia tetap bagi-Nya Ta’ala dan kembali kepada-Nya; karena Dia disifati dengan segala yang dipuji oleh para pemuji. Maka sifat-sifat-Nya adalah sifat-sifat yang paling agung, dan ihsan-Nya meliputi segala makhluk. Dan segala yang sah diarahkan hamd kepadanya selain-Nya adalah dari-Nya Ta’ala, karena Dia adalah sumber seluruh keberadaan, maka hamd itu bagi-Nya pertama dan secara hakiki.
Ringkasannya: Segala hamd yang diarahkan kepada sesuatu yang terpuji adalah bagi Allah Ta’ala, baik dipahami oleh pemuji atau tidak. Adapun makna insya’iyah adalah bahwa pemuji menjadikannya ungkapan atas sanjungan yang ia arahkan kepada Allah Ta’ala pada saat itu.
Inilah ringkasan apa yang dikatakan Ustaz al-Imam. Sekarang aku berkata: Definisi masyhur di kalangan ulama untuk hamd adalah: Sanjungan dengan lisan atas keindahan yang ikhtiari (pilihan). Yaitu perbuatan indah yang keluar dari pelakunya dengan pilihannya, baik keindahan itu diarahkan kepada pemuji atau tidak. Demikianlah. Aku tambahkan kepada mereka: Bahwa terkadang dipuji yang bukan pelaku ikhtiari dengan menurunkannya pada kedudukan pelaku dalam manfaatnya, seperti pepatah: “Hanya orang yang untung yang memuji pasar.” Inilah yang terlintas dari penggunaan bahasa. Sebagian mereka menghapus qayd ikhtiari agar masuk dalam hamd sanjungan atas sifat-sifat kesempurnaan. Oleh karena itu, sebagian mereka menggambarkan keindahan ikhtiari dengan mengatakan: Baik dari fadhail – yaitu sifat-sifat kamilah bagi pemiliknya – atau fawadhil, yaitu apa yang manfaatnya melampaui kepada selain pemilik fadhilah. Yang tampak adalah bahwa hamd atas fadhail dan sifat-sifat kesempurnaan hanyalah dengan pertimbangan apa yang ditimbulkan darinya berupa perbuatan ikhtiari. Selain itu dari sanjungan disebut oleh orang Arab sebagai madh. Dikatakan: Madh taman, madh harta, madh kecantikan, dan hamd tidak digunakan untuk hal-hal seperti itu. Dikatakan pula bahwa keduanya sinonim. Al-Maqam al-Mahmud bagi Nabi shallallahu ‘alaihi wa sallam adalah apa yang dipuji di dalamnya karena apa yang diperoleh manusia seluruhnya dari kebaikan doa dan syafaatnya menurut yang masyhur. Penjelasannya akan datang pada tempatnya insya Allah Ta’ala. Terkadang dikatakan: Apa yang disebutkan adalah hamd yang dilakukan sebagian manusia kepada sebagian yang lain. Adapun Allah ‘Azza wa Jalla, maka Dia dipuji karena zat-Nya dengan pertimbangan bahwa zat-Nya adalah sumber segala wujud mumkin dan apa yang ada di dalamnya berupa kebaikan dan nikmat, atau secara mutlak khusus bagi-Nya, karena zat seorang pun dari makhluk tidak seperti zat-Nya. Dan Dia dipuji atas sifat-sifat-Nya dengan pertimbangan keterkaitan dan efeknya sebagaimana akan engkau lihat penjelasannya dalam tafsir ar-Rabb, ar-Rahman, dan ar-Rahim.
Rabbil-‘alamin
Sifat ini menunjukkan penjelasan wajah sanjungan mutlak. Makna Rabb adalah tuan yang mendidik, yang mengatur hamba-Nya, mendidiknya, dan mengaturnya. Lafaz “al-‘alamin” adalah jamak dari ‘alam dengan fathah lam, dijamak dengan jamak mudzakkar ‘aqil untuk mengunggulkan, dan dimaksudkan dengannya segala makhluk mumkinah, yaitu segala yang masuk dalam pengertian lafaz ‘alam. Orang Arab tidak mengumpulkan lafaz ‘alam dengan jamak ini kecuali karena nuktah yang mereka perhatikan di dalamnya, yaitu bahwa lafaz ini tidak digunakan pada setiap makhluk dan wujud seperti batu dan tanah. Mereka hanya menggunakannya untuk setiap kelompok yang berbeda-beda individu-individunya dengan sifat-sifat yang mendekatinya kepada yang berakal yang dijamak jamaknya, meskipun bukan darinya. Maka dikatakan: ‘Alam manusia, ‘alam hewan, ‘alam tumbuhan. Kita melihat bahwa hal-hal ini adalah yang tampak padanya makna tarbiyah yang diberikan oleh lafaz “Rabb”; karena padanya ada prinsipnya yaitu kehidupan, makan, dan berkembang biak. Ini tampak jelas pada hewan. Sungguh tuan (yaitu Jamaluddin al-Afghani) rahimahullah Ta’ala berkata: Hewan adalah pohon yang dipotong kakinya dari bumi sehingga ia berjalan, dan pohon adalah hewan yang kakinya tenggelam di bumi sehingga ia berdiri di tempatnya makan dan minum, meskipun ia tidak tidur dan tidak lalai.
Inilah ringkasan apa yang dikatakan Ustaz al-Imam. Sekarang aku tambahkan bahwa sebagian ulama berkata: Yang dimaksud dengan al-‘alamin di sini adalah ahli ilmu dan pemahaman dari malaikat, manusia, dan jin. Diriwayatkan dari kakek kami Imam Ja’far ash-Shadiq ‘alaihir-ridwan bahwa yang dimaksud adalah manusia saja, sebagaimana ditunjukkan oleh penggunaan Al-Qur’an seperti: “Apakah kalian mendatangi laki-laki dari seluruh alam?” (QS. asy-Syu’ara: 165) – yaitu manusia – dan seperti: “Agar ia menjadi pemberi peringatan bagi seluruh alam.” (QS. al-Furqan: 1). Sebagian mereka berpendapat bahwa ia di sini berasal dari ilmu. Siapa yang mengatakan ia mencakup semua jenis makhluk berpendapat bahwa ia berasal dari ‘alamah (tanda). Rububiyyah Allah kepada manusia tampak dengan mendidik mereka, dan tarbiyah ini ada dua macam:
Tarbiyah khalqiyyah dengan apa yang dengannya tumbuh mereka, kesempurnaan badan mereka, dan kekuatan jiwa serta akal mereka.
Tarbiyah syar’iyyah ta’limiyyah yaitu apa yang diwahyukan-Nya kepada sebagian mereka agar menyempurnakan fitrah mereka dengan ilmu dan amal jika mereka mendapat petunjuk dengannya. Maka tidak ada bagi selain Rabb manusia untuk mensyariatkan ibadah kepada manusia, atau mengharamkan dan menghalalkan bagi mereka dari sisi dirinya sendiri tanpa izin dari-Nya Ta’ala.
Ar-Rahmanir-Rahim
Makna keduanya telah lalu, dan tersisa pembahasan mengenai pengulangan keduanya. Nuktah di dalamnya tampak, yaitu bahwa tarbiyah-Nya Ta’ala kepada ‘alamin bukan karena kebutuhan-Nya kepada mereka untuk menarik manfaat atau menolak mudharat. Ia hanyalah karena umumnya rahmat-Nya dan mencakupnya ihsan-Nya. Ada nuktah lain, yaitu bahwa sebagian orang memahami dari makna Rabb: kekuasaan dan paksaan. Maka Allah Ta’ala ingin mengingatkan mereka dengan rahmat-Nya dan ihsan-Nya agar mereka mengumpulkan antara keyakinan akan keagungan dan keindahan. Maka Dia menyebut ar-Rahman yang melimpahkan nikmat dengan keluasan dan pembaruan yang tidak ada batasnya, dan ar-Rahim yang tetap baginya sifat rahmah yang tidak pernah meninggalkannya selamanya. Seolah-olah Allah Ta’ala ingin menarik hati hamba-hamba-Nya kepada-Nya, maka Dia memperkenalkan kepada mereka bahwa rububiyyah-Nya adalah rububiyyah rahmah dan ihsan agar mereka mengetahui bahwa sifat ini mungkin menjadi rujukan makna sifat-sifat, dan agar mereka bergantung kepada-Nya dan menghadap kepada memperoleh keridhaan-Nya dengan dada yang lapang dan hati yang tenang. Umumnya rahmah dan mendahuluinya tidak bertentangan dengan apa yang disyariatkan Allah berupa hukuman di dunia dan apa yang disediakan-Nya berupa azab di akhirat bagi orang-orang yang melampaui batas dan melanggar kehormatan. Karena meskipun dinamai paksaan dari segi bentuk dan tampakannya, namun pada hakikat dan tujuannya ia termasuk rahmah; karena padanya ada tarbiyah bagi manusia dan pencegahan mereka dari jatuh ke dalam apa yang keluar dari batas syariat ilahi. Dalam penyimpangan darinya ada kesengsaraan dan bencana mereka, dan dalam berhenti padanya ada kebahagiaan dan kenikmatan mereka. Orang tua yang penyayang mendidik anaknya dengan mendorong kepada yang bermanfaat baginya dan berbuat baik kepadanya ketika ia melakukannya, dan terkadang menggunakan ancaman dan hukuman ketika keadaan menghendakinya. Bagi Allah-lah perumpamaan yang paling tinggi, tiada Tuhan selain Dia, dan kepada-Nya-lah mereka kembali.
Aku berkata sekarang: Aku tidak melihat alasan untuk membahas pengulangan “ar-Rahman ar-Rahim” dalam Surah al-Fatihah sebagai pengulangan atau pengulangan mutlak. Adapun menurut pendapat bahwa basmalah bukan ayat darinya, maka itu tampak jelas. Adapun menurut pendapat bahwa ia adalah ayat darinya, maka perlu penjelasan, yaitu bahwa menjadikannya ayat darinya dan dari setiap surah dimaksudkan dengan apa yang telah dijelaskan sebelumnya bahwa Nabi shallallahu ‘alaihi wa sallam mengajarkannya dan menyampaikannya kepada manusia dengan keyakinan bahwa surah itu diturunkan dari sisi Allah Ta’ala dengan rahmat-Nya untuk petunjuk hamba-Nya, dan bahwa beliau shallallahu ‘alaihi wa sallam tidak memiliki usaha di dalamnya dan tidak memiliki perbuatan. Ia hanyalah penyampai darinya ‘Azza wa Jalla. Maka ia adalah pendahuluan bagi semua surah kecuali Surah Bara’ah yang diturunkan dengan pedang dan membuka tabir kemunafikan orang-orang munafik, maka ia adalah bala atas orang-orang yang kebanyakan ayatnya diturunkan tentang mereka, bukan rahmah bagi mereka. Apabila maksud dimulainya Al-Fatihah dengan basmalah adalah bahwa ia diturunkan dari Allah sebagai rahmah kepada hamba-hamba-Nya, maka itu tidak bertentangan dengan bahwa termasuk pokok bahasan surah ini adalah penjelasan rahmat Allah Ta’ala bersama penjelasan rububiyyah-Nya kepada ‘alamin, dan bahwa Dia adalah Raja yang memiliki sendiri balasan bagi orang-orang yang beramal atas amalan mereka, dan bahwa dengan nama-nama dan sifat-sifat ini Dia berhak atas hamd dari hamba-hamba-Nya, sebagaimana Dia berhak atasnya karena zat-Nya. Oleh karena itu hamd disandarkan kepada nama zat yang disifati dengan sifat-sifat ini.
Ringkasannya: Makna rahmah dalam basmalah setiap surah adalah bahwa surah itu diturunkan dengan rahmat Allah dan karunia-Nya, maka tidak dianggap apa yang mungkin ada di awal atau tengah surah berupa penyebutan rahmah sebagai pengulangan dengan apa yang ada dalam basmalah, meskipun disertai penyebutan tanahul seperti awal Surah Fushshilat: “حم تَنْزِيلٌ مِنَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ” (QS. Fushshilat: 1-2), karena rahmah dalam basmalah adalah makna umum dalam wahyu dan tanahul, sedangkan dalam surah adalah makna khusus yang dijelaskan oleh surah tersebut. Telah memperhatikan makna ini siapa yang mengatakan bahwa basmalah adalah ayat tersendiri yang memisahkan antara surah-surah. Adapun yang mengatakan bahwa ia adalah ayat dari setiap surah, maka maksudnya adalah bahwa ia dibaca ketika memulai membacanya, dan bahwa siapa yang bersumpah akan membaca surah tertentu, maka ia tidak memenuhi sumpahnya kecuali jika membaca basmalah bersamanya, dan bahwa shalat tidak sah kecuali dengan membacanya juga.
Demikianlah. Adapun bagian hamba dari sifat Allah dengan rububiyyah adalah bahwa ia memuji-Nya Ta’ala dan mensyukuri-Nya dengan menggunakan nikmat-nikmat-Nya yang dengannya terdidik kekuatan jasmani dan akal dalam apa yang diciptakan untuknya. Maka hendaklah ia memperbaiki tarbiyah dirinya dan tarbiyah siapa yang diserahkan kepadanya tarbiyahnya dari keluarga, anak, murid, dan muridnya, serta dengan menggunakan nikmat-Nya berupa petunjuk agama dalam tarbiyah jiwa rohani dan sosialnya, serta tarbiyah siapa yang diserahkan kepadanya tarbiyah mereka. Dan janganlah ia melampaui batas seperti Fir’aun yang mengaku dirinya Rabb manusia, dan seperti banyak fir’aun yang melampaui batas dan masih terus melampaui batas dengan menjadikan diri mereka sebagai pembuat syariat yang mengatur agama manusia dengan menetapkan ibadah-ibadah yang tidak diturunkan oleh Allah Ta’ala, dan dengan mengatakan: “Ini halal dan ini haram” dari sisi diri mereka sendiri atau dari sisi semisal mereka, sehingga mereka menjadikan diri mereka sekutu bagi Allah dalam rububiyyah-Nya. Allah berfirman: “Ataukah mereka mempunyai sekutu-sekutu yang mensyariatkan untuk mereka dari agama apa yang tidak diizinkan oleh Allah?” (QS. asy-Syura: 21). Nabi shallallahu ‘alaihi wa sallam menafsirkan pengambilan ahli kitab terhadap pendeta dan rahib mereka sebagai tuhan-tuhan dengan semisal ini.
Adapun bagian hamba dari sifat Allah dengan rahmah adalah bahwa ia menuntut dirinya untuk menjadi rahim kepada setiap yang ia lihat berhak mendapat rahmah dari makhluk Allah Ta’ala hingga hewan yang tidak berbicara, dan selalu mengingat bahwa dengan itu ia berhak mendapat rahmat Allah Ta’ala. Rasulullah shallallahu ‘alaihi wa sallam bersabda: “Sesungguhnya Allah hanya merahmati hamba-hamba-Nya yang penyayang.” Diriwayatkan oleh ath-Thabarani dari Jarir dengan sanad shahih. Beliau bersabda: “Orang-orang yang penyayang akan dirahmati oleh ar-Rahman Tabaraka wa Ta’ala. Sayangilah yang di bumi, niscaya yang di langit akan menyayangi kalian.” Diriwayatkan oleh Ahmad, Abu Dawud, at-Tirmidzi, dan al-Hakim dari Ibnu Umar. Kami meriwayatkannya musalsal dengan awaliyyah dari jalur Syaikh Abu al-Mahasin Muhammad al-Qawuqji ath-Tharabulsy asy-Syami. Beliau shallallahu ‘alaihi wa sallam bersabda: “Siapa yang menyayangi meskipun hanya burung pipit yang disembelih, Allah akan menyayanginya pada hari kiamat.” Diriwayatkan oleh al-Bukhari dalam al-Adab al-Mufrad dan ath-Thabarani dari Abu Umamah. As-Suyuthi dalam al-Jami’ ash-Shaghir mengisyaratkan kepada shahihnya. Di antara yang menunjukkan anjuran untuk menyayangi hewan dan berlemah lembut kepadanya tanpa lafaz rahmah adalah hadits: “Pada setiap makhluk yang bernyawa ada pahala.” Diriwayatkan oleh Ahmad dan Ibnu Majah dari Suraqah bin Malik, dan Ahmad juga dari Abdullah bin ‘Amr. Ia adalah hadits shahih.
Dari pembahasan bahasa bahwa lafaz ar-Rahman khusus bagi Allah Ta’ala seperti lafaz jalalah. Mereka berkata: Tidak pernah didengar dari seorang Arab pun yang menggunakannya untuk selain Allah Ta’ala. Demikian pula lafaz “رحمن” tanpa ta’rif. Mereka berkata: Tidak ada yang menggunakannya untuk selain Allah Ta’ala kecuali dalam syair sebagian orang yang terfitnah oleh Musailamah al-Kadzdzab, ia berkata di dalamnya:
“Dan engkau adalah hujan bagi manusia, semoga engkau tetap rahman.”
Dikatakan: Ini adalah sikap keras dan berlebihan yang bukan dari penggunaan yang dikenal pada orang Arab. Adapun orang Arab, mereka mengatakan lafaz Rabb kepada manusia. Mereka mengatakan: Rabb rumah, Rabb hewan ini – misalnya – bukan Rabb hewan secara mutlak. Abdul Muththalib berkata pada hari Gajah: “Adapun unta, akulah rabb-nya, adapun Ka’bah, sesungguhnya ia memiliki Rabb yang menjaganya.” Allah berfirman menceritakan ucapan Yusuf ‘alaihis-salam kepada tuannya ‘Aziz Mesir: “Sesungguhnya dia (suamiku) adalah tuanku yang telah memperlakukanku dengan baik.” (QS. Yusuf: 23). Sebagian ulama berpendapat bahwa penggunaan ini dilarang dalam Islam, dan berdalil dengan larangan dalam hadits seorang budak mengatakan kepada tuannya “Rabb-ku”. Yang benar adalah bahwa yang dilarang adalah apa yang datang nash tentangnya seperti penggunaan ini, dan apa yang seharusnya tidak disebut kecuali bagi Sang Pencipta Ta’ala seperti lafaz Rabb dengan ta’rif secara mutlak, dan lafaz Rabb manusia, Rabb makhluk, Rabb ‘alamin, dan semisalnya.
Maliki yaumid-din
‘Ashim, al-Kisa’i, dan Ya’qub membaca “مالكِ”, dan yang lain membaca “ملكِ”. Penduduk Hijaz membaca demikian. Perbedaan antara keduanya adalah bahwa malik adalah pemilik milik dengan kasrah mim, dan malik adalah pemilik kerajaan dengan dhammah. Al-Qur’an bersaksi untuk yang pertama seperti firman-Nya: “Pada hari ketika tidak ada jiwa pun yang memiliki kekuasaan bagi jiwa lain sedikit pun.” (QS. at-Takwir: 19). Dan untuk yang kedua dengan firman-Nya: “Kepunyaan siapakah kerajaan pada hari ini? Kepunyaan Allah Yang Maha Esa lagi Maha Menguasai.” (QS. Ghafir: 16). Sebagian mereka mengatakan bahwa qira’ah “ملك” lebih baligh; karena lafaz ini dipahami darinya makna kekuasaan, kekuatan, dan pengaturan. Yang lain mengatakan qira’ah lainnya lebih baligh; karena malik adalah yang mengatur urusan umum rakyatnya, dan tidak memiliki wewenang atas urusan khusus mereka, sedangkan malik kekuasaannya lebih umum. Maka tidak diragukan bahwa malik-lah yang mengurus seluruh urusan mereka tanpa kekuasaan orang lain.
Sekarang aku berkata: Yang tampak adalah bahwa qira’ah “ملك” lebih baligh; karena maknanya adalah yang berkuasa atas urusan orang-orang yang berakal dan berkehendak dengan perintah, larangan, dan balasan. Oleh karena itu dikatakan: “Malik an-nas” (Raja manusia) dan tidak dikatakan malik benda-benda. Demikian dikatakan oleh ar-Raghib. Ia berkata dalam “Maliki yaumid-din”: Takdirnya adalah malik pada hari pembalasan; karena firman-Nya: “Kepunyaan siapakah kerajaan pada hari ini? Kepunyaan Allah Yang Maha Esa lagi Maha Menguasai.” Demikianlah. Dan ini lebih baligh karena konteks menunjukkan kepada kita bahwa yang dimaksud dengan ayat ini adalah mengingatkan orang-orang yang dibebani tanggung jawab dengan apa yang menanti mereka berupa balasan atas amalan mereka dengan harapan agar keadaan mereka menjadi lurus. Makna “مالكِ يَوْمِ الدِّينِ” mungkin dipahami dari firman-Nya “رَبِّ الْعَالَمِينَ”. Maka keseluruhan kedua qira’ah menunjukkan kepada kedua makna, maka keduanya tetap, tetapi qira’ah dalam shalat dengan “ملكِ يَوْمِ الدِّينِ” membangkitkan kekhusyukan yang tidak dibangkitkan oleh qira’ah lainnya yang sebagian mereka memilihnya; karena ia menambah satu huruf dalam pengucapan. Telah datang dalam hadits bahwa bagi pembaca setiap huruf ada sekian kebaikan, tetapi mereka lupa bahwa satu kebaikan yang lebih besar pengaruhnya dalam hati lebih baik daripada seratus kebaikan yang lebih rendah pengaruhnya darinya.
Ad-din dalam bahasa digunakan untuk hisab (perhitungan), mukafah (balasan), dan dikatakan: “Sebagaimana engkau beragama, engkau akan dibalas.” Seorang penyair berkata:
“Tidak tersisa kecuali permusuhan… kami membalas mereka sebagaimana mereka membalas kami.”
Dan untuk jaza’ (balasan), yang dekat dengan makna mukafah. Dan untuk tha’ah (ketaatan), ikhdha’ (ketundukan), dan siyasa (pengaturan). Dikatakan: “Dintuhu”, dan “dayyantuhu fulanan” (dengan tasydid) artinya aku mengangkatnya untuk mengatur urusannya. Ia dekat dengan makna ikhdha’. Dan untuk syari’at: apa yang dibebankan kepada hamba berupa taklif. Yang sesuai di sini dari makna-makna ini adalah balasan dan ketundukan. Hanya saja dikatakan “yaumid-din” dan tidak dikatakan “ad-din” untuk memberitahu kita bahwa ad-din memiliki hari yang khusus berbeda dari hari-hari lainnya, yaitu hari ketika setiap pelaku menemui amalnya dan dibalas dengan balasan amalnya.
Ada yang bertanya: Bukankah setiap hari adalah hari balasan? Dan segala yang dialami manusia dalam kehidupan ini berupa kesengsaraan adalah balasan atas kelalaian mereka dalam menunaikan hak-hak dan melaksanakan kewajiban yang ada atas mereka? Jawabannya: Ya, hari-hari kita yang kita jalani memang mungkin terjadi padanya balasan atas amalan kita, tetapi mungkin tidak tampak bagi pemiliknya kecuali atas sebagiannya, bukan seluruhnya. Balasan atas kelalaian dalam amal wajib hanya tampak di dunia secara sempurna terhadap keseluruhan umat, bukan terhadap setiap individu dari individu-individu. Tidak ada umat yang menyimpang dari shirath Allah yang lurus dan tidak memperhatikan sunnah-sunnah-Nya dalam ciptaan-Nya kecuali keadilan ilahi menimpakan kepadanya apa yang layak ia dapatkan berupa kemiskinan, kehinaan, hilangnya kemuliaan dan kekuasaan. Adapun individu-individu, maka kita melihat banyak orang yang melampaui batas dan zalim yang menghabiskan umur mereka tenggelam dalam syahwat dan kesenangan. Ya, hati nurani mereka terkadang menegur mereka, dan mereka tidak selamat dari hal-hal yang mengganggu. Mungkin mereka tertimpa kekurangan dalam harta, kesehatan badan, dan kekuatan akal mereka. Tetapi semua itu tidak sebanding dengan sebagian amalan buruk mereka, terutama para raja dan pemimpin yang rakyat dan bangsa menderita karena amalan buruk mereka. Demikian pula kita melihat dari orang-orang yang berbuat baik kepada diri mereka dan kepada manusia yang tertindas hak-haknya, dan tidak memperoleh balasan yang layak ia dapatkan atas amalnya. Jika ia memperoleh keridhaan dirinya, keselamatan akhlaknya, dan kesehatan kemampuannya, maka itu bukan seluruh yang layak ia dapatkan. Maka pada hari itu setiap individu dari ‘alamin akan diberi balasannya secara sempurna tanpa dizalimi sedikit pun darinya, sebagaimana firman-Nya: “Maka barangsiapa yang mengerjakan kebaikan seberat zarrah pun, niscaya dia akan melihat (balasan)nya. Dan barangsiapa yang mengerjakan kejahatan seberat zarrah pun, niscaya dia akan melihat (balasan)nya.” (QS. az-Zalzalah: 7-8).
Allah mengajarkan kepada kita bahwa Dia Maha Pengasih lagi Maha Penyayang untuk menarik hati kita kepada-Nya. Tetapi apakah setiap hamba-Nya merasakan nikmat ini sehingga tertarik kepada-Nya dengan tarikan yang dituntut? Bukankah di antara kita ada yang menempuh setiap jalan tanpa peduli lurus atau bengkok? Ya. Oleh karena itu, setelah menyebut rahmah, Allah menyebut ad-din, maka kita mengetahui bahwa Dia membalas hamba-hamba-Nya dan memberi mereka balasan atas amalan mereka. Maka dari rahmat-Nya kepada hamba-hamba-Nya adalah mendidik mereka dengan dua jenis tarbiyah: targhib (dorongan) dan tarhib (ancaman), sebagaimana disaksikan oleh banyak ayat Al-Qur’an: “Kabarkanlah kepada hamba-hamba-Ku bahwa sesungguhnya Aku-lah Yang Maha Pengampun lagi Maha Penyayang, dan bahwa azab-Ku adalah azab yang sangat pedih.” (QS. al-Hijr: 49-50).
Iyyaka na’budu wa iyyaka nasta’in
Apa itu ibadah? Mereka mengatakan: Ia adalah ketaatan disertai puncak ketundukan. Tidak setiap ungkapan mewakili makna dengan sempurna dan menampakkannya kepada pemahaman dengan jelas tanpa menerima takwil. Sering kali mereka menafsirkan sesuatu dengan sebagian lawazimnya dan mendefinisikan hakikat dengan rupa-rupanya. Bahkan terkadang mereka cukup dengan definisi lafzi dan menjelaskan kalimat dengan apa yang mendekati maknanya. Di antaranya adalah ungkapan yang mereka gunakan untuk menjelaskan makna ibadah. Karena padanya ada penggabungan dan keringanan. Apabila kita menelusuri ayat-ayat Al-Qur’an, gaya bahasa, dan penggunaan orang Arab terhadap “عَبَدَ” serta apa yang serupa dan mendekati maknanya – seperti خَضَعَ, خَنَعَ, أَطَاعَ, ذَلَّ – kita menemukan bahwa tidak ada satu pun dari lafaz-lafaz ini yang menyamai “عَبَدَ” dan menggantikannya serta mengambil tempatnya. Oleh karena itu mereka mengatakan bahwa lafaz “الْعِبَادِ” diambil dari ibadah, maka sering disandarkan kepada Allah Ta’ala. Sedangkan lafaz “الْعَبِيدِ” sering disandarkan kepada selain Allah Ta’ala; karena ia diambil dari ‘ubudiyyah dengan makna perbudakan. Ada perbedaan antara ibadah dan ‘ubudiyyah dengan makna itu. Dari sini sebagian ulama mengatakan bahwa ibadah dalam bahasa tidak ada kecuali untuk Allah Ta’ala, tetapi penggunaan Al-Qur’an menyalahinya.
Pencinta berlebihan dalam mengagungkan kekasihnya dan tunduk kepadanya hingga hawa nafsunya lenyap dalam hawa nafsunya, dan kehendaknya melebur dalam kehendaknya. Meskipun demikian, ketundukannya ini tidak disebut ibadah secara hakiki. Banyak orang berlebihan dalam mengagungkan pemimpin, raja, dan amir, sehingga engkau melihat dari ketundukan mereka kepada mereka dan pencarian keridhaan mereka apa yang tidak engkau lihat dari orang-orang yang bertapa dan taat, apalagi seluruh orang yang beribadah. Orang Arab tidak menyebut sesuatu dari ketundukan ini sebagai ibadah. Maka apa itu ibadah sesungguhnya?
Gaya bahasa yang benar dan penggunaan bahasa Arab yang jelas menunjukkan bahwa ibadah adalah jenis ketundukan yang mencapai puncaknya, yang timbul dari perasaan hati akan keagungan yang disembah yang tidak diketahui sumbernya, dan keyakinannya akan kekuasaan yang dimilikinya yang tidak dipahami hakikat dan mahiyatnya. Paling jauh yang diketahuinya darinya adalah bahwa kekuasaan itu meliputi dirinya, tetapi di atas pemahamannya. Maka siapa yang mencapai puncak kehinaan kepada seorang raja dari raja-raja tidak dikatakan bahwa ia menyembahnya meskipun ia mencium tempat pijakan kakinya, selama sebab kehinaan dan ketundukan itu diketahui, yaitu takut dari kezalimannya yang sudah dikenal, atau harapan akan kemurahan hatinya yang terbatas. Ya Allah, kecuali bagi orang-orang yang meyakini bahwa kerajaan adalah kekuatan ghaibiyah samawiyah yang dicurahkan kepada raja-raja dari alam tertinggi, dan memilih mereka untuk berkuasa atas seluruh penduduk dunia, karena mereka adalah manusia terbaik asal-usulnya dan termulia substansinya. Mereka inilah yang dibawa oleh keyakinan ini kepada kekufuran dan atheisme, sehingga mereka menjadikan raja-raja sebagai tuhan-tuhan dan rabb-rabb serta menyembah mereka dengan ibadah yang hakiki.
Ibadah memiliki banyak bentuk dalam setiap agama yang disyariatkan untuk mengingatkan manusia akan perasaan itu akan kekuasaan ilahi yang tertinggi yang merupakan ruh dan rahasia ibadah. Setiap ibadah yang benar dari ibadah-ibadah memiliki pengaruh dalam meluruskan akhlak pelakunya dan menyucikan jiwanya. Pengaruh itu hanyalah dari ruh itu, dan perasaan yang kami katakan sebagai sumber pengagungan dan ketundukan. Apabila ditemukan bentuk ibadah kosong dari makna ini, maka ia bukan ibadah, sebagaimana bentuk dan patung manusia bukan manusia.
Ambillah sebagai contoh ibadah shalat, dan perhatikan bagaimana Allah memerintahkan untuk menegakkannya bukan sekadar melakukannya. Menegakkan sesuatu adalah melakukan dengannya secara sempurna dan utuh yang keluar dari sebabnya dan darinya keluar efek-efeknya. Efek-efek shalat dan hasil-hasilnya adalah apa yang diberitahukan Allah Ta’ala kepada kita dengan firman-Nya: “Sesungguhnya shalat itu mencegah dari (perbuatan-perbuatan) keji dan mungkar.” (QS. al-‘Ankabut: 45) dan firman-Nya ‘Azza wa Jalla: “Sesungguhnya manusia diciptakan bersifat keluh kesah lagi kikir, apabila ia ditimpa kesusahan ia berkeluh kesah, dan apabila ia mendapat kebaikan ia amat kikir, kecuali orang-orang yang mengerjakan shalat.” (QS. al-Ma’arij: 19-22). Telah diancam orang-orang yang melakukan bentuk shalat dari gerakan dan lafaz dengan lalai dari makna ibadah dan rahasianya di dalamnya yang membawa kepada tujuannya dengan firman-Nya: “Maka celakalah bagi orang-orang yang shalat, (yaitu) orang-orang yang lalai dari shalatnya, orang-orang yang berbuat riya’, dan enggan (menolong) dengan barang yang berguna.” (QS. al-Ma’un: 4-7). Maka Dia menamakan mereka orang-orang yang shalat karena mereka melakukan bentuk shalat, dan menggambarkan mereka dengan lalai dari shalat yang hakiki yang merupakan penghadapan hati kepada Allah Ta’ala yang mengingatkan akan kekhawatiran kepada-Nya, dan yang menanamkan dalam hati perasaan akan keagungan kekuasaan-Nya. Kemudian Dia menggambarkan mereka dengan efek dari kelalaian ini yaitu riya’ dan menolak ma’un. Beliau menyebutkan bahwa riya’ ada dua macam: Riya’ nifak yaitu amal karena dilihat orang, dan riya’ ‘adah yaitu amal karena kebiasaan tanpa memperhatikan makna amal, rahasianya, dan manfaatnya, serta tanpa memperhatikan kepada siapa ia beramal dan mendekatkan diri kepadanya dengannya. Itulah yang dilakukan kebanyakan orang. Shalat salah seorang dari mereka pada masa kedewasaan dan akal adalah sama dengan apa yang ia tiru dari ayahnya pada masa kanak-kanak ketika melihatnya shalat – ia terus melakukannya karena kebiasaan tanpa pemahaman dan akal. Maka tidak ada bagi Allah sesuatu pun dalam shalat ini. Telah datang dalam sebagian hadits: “Barangsiapa yang shalatnya tidak mencegahnya dari perbuatan keji dan mungkar, maka ia tidak bertambah dari Allah kecuali jauh.” Dan bahwa shalat itu dilipat seperti kain usang dan dipukulkan ke wajahnya. Adapun ma’un adalah pertolongan dan kebaikan yang telah lalu dalam ayat lain bahwa termasuk sifat manusia adalah kikir kecuali orang-orang yang shalat.
Wa iyyaka nasta’in: Meminta pertolongan, yaitu menghilangkan ketidakmampuan dan membantu menyelesaikan pekerjaan yang tidak mampu diselesaikan sendiri oleh yang meminta pertolongan.
Kemudian Ustaz al-Imam membahas pengkhususan ibadah dan istianah kepada Allah Ta’ala yang ditunjukkan oleh taqdim maf’ul (إِيَّاكَ) atas fi’il (نَعْبُدُ وَنَسْتَعِينُ), maka beliau berkata dengan contohnya:
Allah Ta’ala memerintahkan kita agar tidak menyembah selain-Nya; karena kekuasaan ghaibiyah yang di balik sebab-sebab tidak ada kecuali bagi-Nya tanpa selain-Nya, maka tidak ada yang berserikat dengan-Nya di dalamnya sehingga dimuliakan dengan kemuliaan ibadah. Dan Dia memerintahkan kita agar tidak meminta pertolongan kepada selain-Nya juga. Ini perlu penjelasan; karena Dia juga memerintahkan kita dalam ayat-ayat lain untuk saling tolong-menolong: “Dan tolong-menolonglah kalian dalam kebaikan dan takwa.” (QS. al-Ma’idah: 2). Maka apa makna pengkhususan istianah kepada-Nya dengan itu?
Jawabannya: Setiap pekerjaan yang dilakukan manusia bergantung hasil dan keberhasilannya pada terjadinya sebab-sebab yang ditetapkan hikmah ilahiyyah sebagai penyebab kepadanya dan hilangnya penghalang yang seharusnya menurut hikmah menghalangi darinya. Allah telah memberi kemampuan kepada manusia dengan apa yang diberikan-Nya berupa ilmu dan kekuatan untuk menolak sebagian penghalang dan memperoleh sebagian sebab, dan Dia menutup sebagian yang lain darinya. Maka wajib atas kita melaksanakan apa yang dalam kemampuan kita dari itu, dan mengerahkan dalam menyempurnakan pekerjaan kita segala yang kita mampu dari kekuatan dan quwwah, serta saling tolong-menolong dan saling membantu dalam itu. Kita menyerahkan urusan apa yang di luar perolehan kita kepada Yang Maha Kuasa atas segala sesuatu, kita berlindung kepada-Nya saja, dan kita meminta pertolongan yang menyempurnakan pekerjaan dan melanjutkan hasilnya dari-Nya Subhanahu tanpa selain-Nya, karena tidak ada yang mampu atas apa yang di luar sebab-sebab yang diberikan kepada setiap manusia secara sama kecuali Musabbibul-Asbab, Rabbul-Arbab. Maka firman-Nya Ta’ala: “وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ” menyempurnakan makna firman-Nya: “إِيَّاكَ نَعْبُدُ”, karena istianah dengan makna ini adalah lari hati kepada Allah dan keterikatan jiwa kepada-Nya, dan itu termasuk inti ibadah. Apabila hamba mengarahkannya kepada selain Allah Ta’ala, maka itu termasuk jenis ibadah watsaniyah yang tersebar pada zaman tanahul dan sebelumnya, dan dikhususkan penyebutannya agar orang-orang bodoh tidak menyangka bahwa istianah kepada orang-orang yang mereka jadikan wali selain Allah, dan mereka meminta pertolongan kepada mereka dalam apa yang di luar sebab-sebab yang diperoleh untuk umum manusia, adalah seperti istianah kepada manusia lainnya dalam sebab-sebab umum. Maka Allah Jalla Sya’nuhu ingin menghilangkan kekeliruan ini dari hamba-hamba-Nya dengan menjelaskan bahwa istianah kepada manusia dalam apa yang dalam kemampuan manusia hanyalah jenis penggunaan sebab-sebab yang disunnahkan. Kedudukannya tidak lain seperti kedudukan alat-alat dalam apa yang menjadi alat baginya, berbeda dengan istianah kepada mereka dalam urusan yang melebihi kemampuan dan kekuatan yang diberikan kepada mereka, dan sebab-sebab bersama di antara mereka, seperti istianah dalam penyembuhan penyakit dengan apa yang di luar obat, dan atas kemenangan atas musuh dengan apa yang di luar persiapan dan perlengkapan. Karena itu termasuk apa yang tidak boleh lari dan menghadap dalam hal itu kepada selain Allah Ta’ala Pemilik kekuasaan yang paling agung, atas apa yang tidak sampai kepadanya kekuasaan seorang pun dari alam:
Ustaz al-Imam memberikan contoh untuk itu: Petani mengerahkan usahanya dalam membajak, mencangkul, memupuk tanah, dan mengairinya, dan meminta pertolongan kepada Allah Ta’ala atas penyelesaian itu dengan mencegah bencana dan musibah samawi atau ardhiyyah. Ia memberikan contoh dengan pedagang yang mahir memilih barang, pandai memasarkan, kemudian bertawakkal kepada Allah dalam apa yang setelah itu. Kemudian beliau berkata: Dari sini kalian mengetahui bahwa orang-orang yang meminta pertolongan kepada pemilik-pemilik makam dan kubur atas pemenuhan kebutuhan mereka, kemudahan urusan mereka, penyembuhan penyakit mereka, pertumbuhan tanaman dan pertanian mereka, kebinasaan musuh-musuh mereka, dan lainnya dari kemaslahatan, mereka menyimpang dari shirath tauhid dan berpaling dari dzikrullah. Kalimat singkat ini “وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ” telah menuntun kita kepada dua perkara agung yang merupakan tangga kebahagiaan di dunia dan akhirat:
Pertama: Kita mengerjakan amal-amal yang bermanfaat, dan berusaha menyempurnakannya sebisanya; karena permintaan pertolongan tidak ada kecuali atas amal yang telah dikerahkan oleh seseorang kekuatannya tetapi belum memenuhi haknya, atau ia khawatir tidak berhasil di dalamnya, maka ia meminta pertolongan atas penyelesaian dan kesempurnaannya. Maka siapa yang jatuh pena dari tangannya di atas meja, ia tidak meminta pertolongan kepada siapa pun untuk memegangnya. Siapa yang tertimpa beban berat yang tidak mampu ia angkat sendiri, ia meminta pertolongan kepada orang lain untuk mengangkatnya, tetapi setelah mengeluarkan kekuatan dalam mencoba mengangkatnya sendiri. Ini adalah tangga kebahagiaan duniawi, dan rukun dari arkan kebahagiaan ukhrawi.
Kedua: Apa yang dihasilkan dari pengkhususan dengan wujub mengkhususkan istianah kepada Allah Ta’ala saja dalam apa yang di luar itu, dan itu adalah ruh agama, dan kesempurnaan tauhid yang murni yang mengangkat jiwa-jiwa orang-orang yang meyakininya dan membebaskannya dari perbudakan selain-Nya, dan memutus kehendak mereka dari tawanan para pemimpin rohani dan syaikh-syaikh penipu, serta membebaskan azimah mereka dari ikatan orang-orang yang mengaku menguasai dari yang hidup dan yang mati. Maka mukmin bersama manusia adalah merdeka murni dan tuan yang mulia, dan bersama Allah adalah hamba yang tunduk. “Dan barangsiapa taat kepada Allah dan Rasul-Nya maka sungguh ia telah mendapat kemenangan yang besar.” (QS. al-Ahzab: 71).
Aku berkata juga: Ibadah kepada Allah Ta’ala adalah puncak syukur kepada-Nya dalam menunaikan apa yang wajib bagi uluhiyyah-Nya. Istianah kepada-Nya adalah puncak syukur kepada-Nya dalam menunaikan apa yang wajib bagi rububiyyah-Nya. Adapun yang pertama jelas; karena Dia-lah Ilah yang hak, maka tidak disembah dengan hak kecuali Dia. Adapun yang kedua: Karena Dia-lah yang mendidik hamba-hamba-Nya yang memberikan kepada mereka segala yang menyempurnakan tarbiyah mereka secara lahir dan batin. Dari sini engkau mengetahui bahwa penyebutan ibadah dan istianah setelah penyebutan nama jalalah yang paling agung dan nama Rabb yang paling mulia hanyalah karena keterkaitan keduanya dengan keduanya dari jenis tartib nasyr atas laff. Istianah dengan makna ini setara dengan tawakkal kepada Allah dan menggantikan tempatnya, dan itu adalah kesempurnaan tauhid dan ibadah yang murni. Oleh karena itu Al-Qur’an menggabungkan keduanya seperti firman-Nya Ta’ala: “Dan kepunyaan Allah-lah rahasia langit dan bumi dan kepada-Nya-lah dikembalikan segala urusan. Maka sembahlah Dia dan bertawakallah kepada-Nya.” (QS. Hud: 123).
Maka istianah ini adalah buah dari tauhid dan pengkhususan Allah Ta’ala dengan ibadah. Karena termasuk makna ibadah adalah perasaan bahwa kekuasaan ghaibiyah yang di balik sebab-sebab umum yang diberikan oleh Allah Ta’ala kepada hamba-hamba-Nya seluruhnya adalah milik Allah saja. Sebagaimana ditegaskan oleh ayat yang kami jadikan saksi atas penggabungan ibadah dengan tawakkal. Maka siapa yang bertauhid murni tidak meminta pertolongan kepada selain Allah Ta’ala sama sekali. Maka segala jenis pertolongan yang masuk dalam rangkaian rantai sebab-sebab adalah permintaannya dengan sebabnya adalah permintaan kepada Allah Ta’ala, tetapi ia membutuhkan niat, perhatian, dan kesaksian hati. Apa yang tidak masuk di dalamnya ia menghadap dalam permintaannya kepada Allah Ta’ala tanpa perantara dan tanpa hijab. Dengan penjelasan ini engkau mengetahui bahwa tidak ada pertentangan antara tauhid dan tawakkal dengan mengambil sebab-sebab dan menegakkan sunnah-sunnah Allah Ta’ala di dalamnya. Bahkan kesempurnaan dan adab adalah menggabungkan keduanya. Tuan yang memiliki jika menyiapkan meja makan untuk hamba dan pelayannya mereka makan darinya pagi dan petang, dan menjadikan bagi mereka pelayan yang menangani urusannya, maka permintaan makanan darinya tidak ada kecuali dengan mendatangi meja itu. Hanya saja seharusnya mereka tidak lalai darinya dan dari pelayannya akan mengingat pemilik karunia yang menciptakannya dengan hartanya dan menundukkan pelayan-pelayan itu untuk para pemakan di atasnya, dan tidak lalai dari memuji dan mensyukuri-Nya. Maka inilah contoh meja alam dengan sebab-sebab dan musababnya. Hamba apabila membutuhkan sesuatu dari hal-hal yang belum dijadikan oleh tuannya untuk semua hambanya pada setiap waktu, ia memintanya darinya tanpa selain-Nya. Jika ia menampakkan kebutuhan kepada selain-Nya, maka itu dari sedikitnya percaya kepada tuannya, dan menjadikan selain itu pada kedudukannya atau lebih layak darinya untuk karunia. Ini pada hamba dengan tuan-tuan yang memiliki tandingan dan saingan. Maka bagaimana jika hamba yang menghadap kepada selain tuannya tidak menemukan siapa yang menghadap kepadanya kecuali semisalnya dari hamba-hamba yang membutuhkan tuan seperti dirinya; karena Dialah Tuan yang Maha Esa yang tidak ada tandingan bagi-Nya?
Lafaz istianah menunjukkan bahwa hamba meminta dari Rabb Ta’ala pertolongan atas sesuatu yang baginya ada usaha agar Dia menolongnya atas melaksanakannya. Di dalamnya ada pemuliaan kepada manusia dengan menjadikan amalnya sebagai asal dalam segala yang dibutuhkannya untuk menyempurnakan tarbiyah dirinya dan menyucikannya, dan petunjuk baginya bahwa meninggalkan amal dan usaha bukan dari sunnah fitrah dan bukan dari petunjuk syariat. Maka siapa yang meninggalkannya adalah pemalas yang tercela, bukan mutawakkil yang terpuji. Dengan pengingatnya dari sisi lain akan kelemahannya agar ia tidak sombong, sehingga menyangka bahwa ia cukup dengan usahanya dari perhatian Rabbnya, maka ia menjadi dari orang-orang yang binasa pada akhir urusannya.
Apabila engkau merenungkan ini, engkau memahami darinya nuktah dari nuktah taqdim ibadah atas istianah, yaitu bahwa yang kedua adalah buah dari yang pertama. Tidak bertentangan dengan ini bahwa ibadah itu sendiri termasuk apa yang diminta pertolongan atasnya dari Allah Ta’ala agar orang yang beribadah diberi taufik untuk melakukannya dengan cara yang diridhai oleh-Nya ‘Azza wa Jalla. Tidak ada pertentangan antara keduanya; karena buah yang keluar dari pohon mengandung biji yang darinya keluar pohon lain. Maka ibadah menjadi sebab bagi pertolongan dari satu sisi, dan pertolongan menjadi sebab bagi ibadah dari sisi lain. Demikian pula amal-amal membentuk akhlak yang menjadi sumber amal-amal. Maka masing-masing dari keduanya adalah sebab dan musabab, ‘illah dan ma’lul. Sisi berbeda maka tidak ada daur (lingkaran setan) dalam masalah.
Aku berkata juga bahwa nuktah taqdim “إِيَّاكَ” atas kedua fi’il “نَعْبُدُ وَنَسْتَعِينُ” adalah memberikan pengkhususan dan penghasran menurut yang masyhur yang dipegang oleh Ustaz al-Imam seperti yang lain. Maka maknanya adalah: Kami menyembah-Mu dan tidak menyembah selain-Mu, dan kami meminta pertolongan kepada-Mu dan tidak meminta pertolongan kepada selain-Mu. Sebagian orang yang mendalami makna telah mengeluarkan nuktah-nuktah lain darinya, di antaranya: “إِيَّاكَ” adalah dhamir yang kembali kepada Allah Ta’ala. Dikatakan bahwa “إِيَّا” adalah isim zahir yang dimudhafkan kepada dhamir yang adalah kaf, maka taqdimnya pada kedua wajah menunjukkan perhatian kepadanya yang merupakan sebab utama umum untuk taqdim dalam bahasa ini. Di antaranya: Bahwa itu juga termasuk adab. Di antaranya: Bahwa memberikan penghasran dengan isim ini atau dhamir yang didahulukan atas fi’il lebih baligh daripada memberikan penghasran dengan dhamir muttashil yang disertai apa yang menunjukkan kepada itu dari kalimat, seperti ucapanmu: “إِنَّمَا نَعْبُدُكَ وَإِنَّمَا نَسْتَعِينُكَ”, atau “نَسْتَعِينُ بِكَ وَحْدَكَ”. Pengulangan “إِيَّاكَ” dengan fi’il kedua memberikan bahwa masing-masing dari ibadah dan istianah dimaksudkan dengan zatnya, maka masing-masing dari keduanya tidak melazimkan yang lain. Itu karena istianah kepada Allah Ta’ala wajib bersifat umum dalam segala sesuatu. Di antara manusia ada yang tidak meminta pertolongan kepada Allah atas sesuatu dari amal-amal ikhtiari mereka, dengan anggapan bahwa mereka mandiri di dalamnya tanpa pertolongan khusus dari-Nya Ta’ala seperti Qadariyah. Sebaik-baik istianah adalah yang atas ketaatan dan kebaikan. Nabi shallallahu ‘alaihi wa sallam memegang tangan Mu’adz suatu hari dan bersabda: “Demi Allah, sungguh aku mencintaimu. Aku wasiatkan kepadamu wahai Mu’adz: Janganlah engkau tinggalkan setelah setiap shalat mengatakan: ‘Ya Allah, bantulah aku atas mengingat-Mu, mensyukuri-Mu, dan beribadah kepada-Mu dengan baik.’” Kami meriwayatkan makna ini dalam hadits-hadits musalsal. Syaikh kami Abu al-Mahasin Muhammad al-Qawuqji di Tripoli Syam berkata kepadaku: “Sungguh aku mencintaimu, maka katakanlah: Ya Allah, bantulah aku atas mengingat-Mu, mensyukuri-Mu, dan beribadah kepada-Mu dengan baik.” Syaikh kami Muhammad ‘Abid as-Sanadi di Haram Nabi shallallahu ‘alaihi wa sallam berkata kepadaku: “Sungguh aku mencintaimu” dst. dan menyebutkan sanadnya kepada Nabi shallallahu ‘alaihi wa sallam.
Ihdinas-shiratal-mustaqim
Ustaz al-Imam pertama-tama menyebutkan apa yang mereka katakan mengenai makna hidayah secara bahasa bahwa ia adalah petunjuk dengan lembut kepada apa yang menyampaikan kepada yang diminta. Kemudian beliau menjelaskan jenis-jenis dan tingkatannya, maka beliau berkata dengan contohnya: Allah Ta’ala memberikan kepada manusia empat hidayah yang dengannya ia mencapai kebahagiaannya.
Pertama: Hidayah wujdan thabi’i dan ilham fitri. Ia ada pada anak-anak sejak kelahiran mereka. Maka anak setelah dilahirkan merasakan sakitnya kebutuhan kepada makanan maka ia menangis memintanya dengan fitrahnya. Ketika payudara sampai ke mulutnya, ia diilhamkan untuk mengisap dan menyedotnya.
Kedua: Hidayah panca indra dan perasaan. Ia menyempurnakan hidayah pertama dalam kehidupan hayawaniyah. Manusia bersama hewan dalam keduanya, bahkan hewan lebih sempurna daripada manusia di dalamnya. Karena panca indra dan ilham hewan sempurna baginya setelah kelahiran dengan sedikit waktu, berbeda dengan manusia yang kesempurnaannya bertahap dalam waktu yang tidak singkat. Tidakkah engkau lihat bahwa setelah kelahiran tidak tampak padanya tanda-tanda pemahaman suara dan yang terlihat, kemudian setelah beberapa waktu ia melihat, tetapi karena pendek penglihatannya ia tidak mengetahui penentuan jarak, maka ia mengira yang jauh dekat sehingga ia mengulurkan tangannya kepadanya untuk mengambilnya meskipun itu bulan di langit, dan terus salah indranya hingga pada masa kesempurnaan.
Hidayah ketiga: Akal. Allah menciptakan manusia untuk hidup bermasyarakat dan tidak diberi dari ilham dan wujdan apa yang mencukupi bersama indra zahir untuk kehidupan bermasyarakat ini seperti yang diberikan kepada lebah dan semut. Karena Allah telah memberikan kepada keduanya dari ilham apa yang mencukupinya agar hidup bermasyarakat di mana masing-masing menunaikan tugas pekerjaan untuk semuanya, dan semuanya menunaikan tugas pekerjaan untuk yang satu, maka dengan itu berdiri kehidupan jenis-jenisnya sebagaimana yang disaksikan.
Adapun manusia, bukan dari khusus jenisnya bahwa diberikan kepadanya ilham seperti itu, maka Allah menganugerahinya hidayah yang lebih tinggi dari hidayah indra dan ilham, yaitu akal yang meluruskan kesalahan indra dan perasaan dan menjelaskan sebab-sebabnya. Itu karena penglihatan melihat yang besar dari jauh kecil, dan melihat kayu lurus dalam air bengkok, dan orang yang kuning melihat yang manis pahit. Akal adalah yang menghukumi rusaknya pemahaman seperti itu.
Hidayah keempat: Agama. Akal mengelirukan pemahaman sebagaimana indra mengelirukan. Manusia mungkin mengabaikan penggunaan indra dan akalnya dalam apa yang mengandung kebahagiaan pribadinya dan jenisnya serta menempuh dengan hidayah-hidayah ini jalan-jalan kesesatan, sehingga menjadikannya tunduk kepada syahwat dan kesenangannya hingga membawanya ke tempat-tempat kebinasaan. Maka apabila perasaan jatuh ke tempat tergelincirnya kesalahan, dan syahwat serta hawa nafsu menguasai akal sehingga ia menarik untuknya berbagai tipu daya, bagaimana manusia bisa hidup bahagia dengan itu? Syahwat dan hawa nafsu ini tidak memiliki batas yang berhenti padanya manusia. Ia tidak hidup sendirian. Sering kali ia meluas kepadanya kepada apa yang di tangan orang lain, maka ia mengharuskan sebagian individu menyerang sebagian yang lain, sehingga mereka saling bertengkar dan saling mendorong, saling berdebat dan saling memukul, saling menerkam dan saling merampas hingga sebagian mereka membinasakan sebagian yang lain. Hidayah-hidayah itu tidak berguna bagi mereka sedikit pun. Maka mereka membutuhkan hidayah yang menuntun mereka dalam kegelapan hawa nafsu mereka apabila hawa nafsu itu menguasai akal mereka, dan menjelaskan kepada mereka batas-batas amalan mereka agar mereka berhenti padanya dan menahan tangan mereka dari apa yang di luar batasnya. Kemudian termasuk apa yang didepositkan dalam fitrah manusia adalah perasaan akan kekuasaan ghaibiyah yang berkuasa atas alam semesta yang ia nisbatkan kepadanya segala yang tidak diketahui sebabnya. Karena ia adalah pemberi segala wujud apa yang menjadi penopang wujudnya, dan bahwa baginya ada kehidupan di balik kehidupan terbatas ini. Maka apakah ia mampu dengan hidayah-hidayah tiga itu mencapai penentuan apa yang wajib atasnya bagi Pemilik kekuasaan itu yang menciptakannya dan menyempurnakannya, serta memberikan kepadanya hidayah-hidayah ini dan lainnya, serta apa yang mengandung kebahagiaannya dalam kehidupan kedua itu? Tidak. Ia sangat membutuhkan hidayah keempat ini – agama – dan Allah Ta’ala telah menganugerahkannya kepadanya.
Al-Qur’an menunjuk kepada jenis-jenis hidayah yang diberikan Allah Ta’ala kepada manusia dalam banyak ayat, di antaranya firman-Nya Ta’ala: “Dan Kami tunjuki kepadanya dua jalan.” (QS. al-Balad: 10) – yaitu dua jalan kebahagiaan dan kesengsaraan, kebaikan dan keburukan.
Ustaz al-Imam berkata: Ini mencakup hidayah indra zahir dan batin, hidayah akal, dan hidayah agama. Di antaranya firman-Nya Ta’ala: “Adapun kaum Tsamud, maka Kami telah menunjukkan kepada mereka (jalan yang benar), tetapi mereka lebih menyukai kebutaan daripada petunjuk.” (QS. Fushshilat: 17) – yaitu Kami tunjuki mereka kepada dua jalan kebaikan dan keburukan, maka mereka menempuh jalan keburukan yang diungkapkan dengan kebutaan. Sahl bin Abdullah berkata: Bukan jalan orang-orang yang dimurkai dengan bid’ah, dan bukan jalan orang-orang yang sesat dari sunnah. Demikianlah.
Beliau menyebutkan ayat-ayat lain yang semisalnya, kemudian berkata:
Masih tersisa bagi kita hidayah lain yang diungkapkan dengan firman-Nya Ta’ala: “Mereka itulah orang-orang yang telah diberi petunjuk oleh Allah, maka ikutilah petunjuk mereka.” (QS. al-An’am: 90). Maka yang dimaksud dengan hidayah ini bukan yang telah disebutkan sebelumnya. Hidayah dalam ayat-ayat sebelumnya dengan makna petunjuk, dan ia seperti menempatkan manusia di ujung dua jalan: yang membinasakan dan yang menyelamatkan, disertai penjelasan apa yang membawa kepada masing-masing darinya. Ia termasuk apa yang Allah karuniakan kepada semua individu manusia. Adapun hidayah ini lebih khusus daripada itu, dan yang dimaksud dengannya adalah pertolongan dan taufik mereka untuk menempuh jalan kebaikan dan keselamatan disertai petunjuk. Ia tidak diberikan kepada setiap orang seperti indra, akal, dan syariat agama.
Karena manusia terkena kesalahan dan kesesatan dalam memahami agama dan dalam menggunakan indra dan akal sebagaimana telah kami sebutkan, maka ia membutuhkan pertolongan khusus. Maka Allah memerintahkan kita memintanya dari-Nya dalam firman-Nya: “Tunjukilah kami jalan yang lurus.” Maka makna “اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ” adalah tunjuki kami petunjuk yang disertai pertolongan ghaibiyah dari sisi-Mu yang menjaga kami darinya dari kesesatan dan kesalahan. Tidaklah ini doa pertama yang Allah ajarkan kepada kami kecuali karena kebutuhan kita kepadanya lebih besar daripada kebutuhan kita kepada segala sesuatu selainnya.
Kemudian beliau menjelaskan makna shirath (jalan) dan asal katanya, serta qira’ah ash-shirath dengan sin mahmulah dan asal katanya menurut apa yang ada dalam kitab-kitab bahasa dan tafsir, serta makna al-mustaqim: yaitu lawan dari al-mu’waj (yang bengkok). Beliau berkata: Yang dimaksud dengan lawan al-mustaqim bukan al-mu’waj yang bergelombang dan berliku, melainkan segala yang padanya ada penyimpangan dari tujuan yang wajib dicapai oleh pelakunya. Al-mustaqim dalam istilah geometri adalah jarak terdekat antara dua titik, dan makna ini lazim bagi makna bahasa sebagaimana tampak jelas dengan sendirinya. Hanya saja kami katakan bahwa yang dimaksud dengan lawan al-mustaqim adalah segala yang padanya ada penyimpangan; karena setiap yang menyimpang dan berbelok dari jalan utama akan lebih sesat dari tujuan daripada yang berjalan di atasnya dalam garis yang berliku; karena yang terakhir ini mungkin sampai kepada tujuan setelah waktu yang lama. Tetapi yang pertama tidak akan sampai kepadanya selamanya, bahkan semakin jauh darinya setiap kali ia memperdalam perjalanan dan semakin tenggelam di dalamnya.
Mereka mengatakan: Yang dimaksud dengan shirath al-mustaqim adalah agama, atau kebenaran, atau keadilan, atau batas-batas.
Kami katakan: Ia adalah keseluruhan apa yang menyampaikan kita kepada kebahagiaan dunia dan akhirat dari akidah, adab, hukum, dan ajaran-ajaran.
Mengapa yang menyampaikan kepada kebahagiaan dari itu dinamai shirath dan thariq? Ambil kebenaran sebagai contoh, yaitu pengetahuan yang benar tentang Allah, kenabian, dan keadaan alam serta manusia. Engkau melihat makna shirath di dalamnya jelas; karena jalan atau shirath adalah apa yang aku tempuh dan aku berjalan di dalamnya untuk mencapai tujuan yang aku maksud. Demikian pula kebenaran yang menjelaskan kepadaku realitas yang tetap dalam akidah yang benar adalah seperti jalan utama di antara jalan-jalan yang bercabang yang menyesatkan. Maka jalan yang jelas bagi indra menyerupai kebenaran bagi akal dan jiwa: perjalanan indrawi dan perjalanan maknawi. Demikian pula apabila engkau mempertimbangkan makna ini dalam batas-batas dan hukum-hukum, engkau menemukannya jelas – engkau membagi hukum-hukum amal menjadi: wajib, mandub, mubah, haram, dan makruh. Maka ini meringankan kita dari membedakan kebaikan dari keburukan dengan diri kita dan ijtihad kita. Maka penjelasan hukum-hukum dengan hidayah kubra yaitu agama adalah seperti jalan yang jelas yang ditempuh dengan amal. Bersamaan dengan ini engkau menemukan syahwat bermain-main dengan hukum-hukum dan mengembalikannya kepada hawa nafsunya sebagaimana orang-orang bodoh mengalihkan akal dan indra mereka kepada apa yang membinasakan mereka. Permainan-main dengan agama ini hanya keluar dari ulama mereka. Ustaz al-Imam memberikan contoh untuk itu salah seorang syaikh yang berilmu: Ia mencuri buku dari wakaf salah satu ruang di Al-Azhar dengan menganggap halal baginya dengan alasan bahwa maksud wakif adalah memanfaatkannya, dan manfaat itu tercapai dengan adanya buku di tangannya. Ia mungkin kehilangan manfaat dengan tetapnya buku itu di ruang tempat wakif meletakkannya, karena tidak ada di dalamnya orang yang memahaminya seperti dirinya menurut anggapannya! Penganggapan halalnya yang haram dengan takwil seperti ini tidak sedikit. Oleh karena itu manusia sangat membutuhkan perhatian ilahiyyah khusus untuk istiqamah dan menempuh dalam hidayah-hidayah empat itu perjalanan yang lurus yang menyampaikan kepada kebahagiaan. Oleh karena itu Allah Jalla Sya’nuhu mengingatkan kita agar kita berlindung kepada-Nya dan meminta kepada-Nya hidayah agar menjadi pertolongan bagi kita yang menolong kita atas hawa nafsu dan syahwat kita, dan agar istianah kita dalam itu kepada-Nya bukan kepada selain-Nya, setelah kita mengerahkan apa yang kita mampu dari pemikiran dan jihad dalam mengetahui apa yang diturunkan kepada kita dari syariat dan hukum-hukum serta mengambil diri kita dengan apa yang kita ketahui darinya. Ini adalah sebaik-baik apa yang kita minta pertolongan atasnya dari-Nya Jalla Sya’nuhu karena mencakup kebaikan dunia dan akhirat. Maka Dia dengan ayat ini mengajarkan kepada kita bagaimana kita meminta pertolongan setelah mengajarkan kepada kita pengkhususan-Nya dengan istianah dalam firman-Nya: “وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ”.
Shirathal-ladzina an’amta ‘alaihim ghairil-maghdhubi ‘alaihim waladh-dhallin
Ustaz al-Imam berkata: Shirath al-mustaqim adalah jalan yang menyampaikan kepada kebenaran, tetapi Dia Ta’ala tidak menjelaskannya dengan itu sebagaimana Dia menjelaskannya dalam semisal Surah al-‘Ashr. Dia hanya menjelaskannya dengan mengidhafahkannya kepada siapa yang menempuh shirath ini sebagaimana firman-Nya dalam Surah al-An’am: “Maka ikutilah petunjuk mereka.” (QS. al-An’am: 90). Kami telah katakan bahwa Al-Fatihah mencakup secara ijmal apa yang dijelaskan dalam Al-Qur’an hingga dari berita-berita yang merupakan peringatan dan pelajaran, sumber nasihat dan penglihatan. Berita-berita Al-Qur’an semuanya termasuk dalam ijmal ayat ini.
Beliau berkata: Sebagian mereka menafsirkan al-mun’am ‘alaihim dengan kaum muslimin, al-maghdhub ‘alaihim dengan Yahudi, dan adh-dhallin dengan Nasrani. Kami katakan bahwa Al-Fatihah adalah surah pertama yang diturunkan sebagaimana dikatakan oleh Imam Ali radhiyallahu ‘anhu, dan ia lebih tahu tentang ini daripada selainnya; karena ia dibesarkan dalam asuhan Nabi shallallahu ‘alaihi wa sallam, dan orang pertama yang beriman kepadanya. Meskipun bukan surah pertama secara mutlak, tidak ada perselisihan bahwa ia termasuk surah-surah awal (sebagaimana telah lalu dalam muqaddimah).
Kaum muslimin pada awal turunnya wahyu belum pada tingkat yang meminta petunjuk dengan petunjuk mereka. Petunjuk mereka tidak lain dari wahyu. Kemudian merekalah yang diperintahkan untuk meminta kepada Allah agar menunjuki mereka kepada jalan ini, jalan orang-orang yang sebelum mereka Allah limpahkan nikmat kepada mereka. Maka orang-orang itu selain mereka. Yang dimaksud dengan ini adalah apa yang datang dalam firman-Nya Ta’ala: “Maka ikutilah petunjuk mereka.” (QS. al-An’am: 90). Mereka adalah orang-orang yang Allah limpahkan nikmat kepada mereka dari para nabi, shiddiqin, syuhada, dan shalihin dari umat-umat terdahulu. Maka Dia telah merujuk kepada yang diketahui yang diijmalkan dalam Al-Fatihah dan dijelaskan dalam sisa Al-Qur’an sesuai kebutuhan. Tiga perempat Al-Qur’an kira-kira adalah kisah-kisah. Pengarahan pandangan kepada i’tibar dengan keadaan umat-umat dalam kekufuran dan keimanan mereka, kesengsaraan dan kebahagiaan mereka. Tidak ada sesuatu yang menunjuki manusia seperti teladan-teladan dan kejadian-kejadian. Apabila kami mentaati perintah dan petunjuk, dan memandang keadaan umat-umat terdahulu, sebab-sebab ilmu dan kebodohan mereka, kekuatan dan kelemahan mereka, kemuliaan dan kehinaan mereka, dan lainnya yang menimpa umat-umat – maka pandangan ini memiliki pengaruh dalam jiwa kita yang membawa kita kepada baiknya uswah dan mengikuti berita-berita umat-umat itu dalam apa yang menjadi sebab kebahagiaan dan kekokohan di bumi, serta menjauhi apa yang menjadi sebab kesengsaraan atau kebinasaan dan kehancuran. Dari sini jelas bagi orang yang berakal kedudukan ilmu sejarah dan apa yang ada di dalamnya berupa manfaat dan hasil. Ia merasa takjub dan bingung apabila mendengar bahwa banyak ulama agama dari umat yang kitabnya ini memusuhi sejarah atas nama agama dan berpaling darinya. Mereka mengatakan: Tidak ada kebutuhan kepadanya dan tidak ada manfaat baginya. Bagaimana tidak takjub dan bingung padahal Al-Qur’an menyeru bahwa pengetahuan tentang keadaan umat-umat adalah termasuk yang paling penting yang diajak oleh agama ini? “Dan mereka meminta kepadamu agar disegerakan (datangnya) keburukan sebelum kebaikan, padahal telah terjadi sebelum mereka bermacam-macam azab.” (QS. ar-Ra’d: 6).
Di sini ada pertanyaan: Bagaimana Allah Ta’ala memerintahkan kita mengikuti shirath orang-orang sebelum kita padahal pada kita ada hukum-hukum dan petunjuk yang tidak ada pada mereka, dan dengan itu syariat kita lebih sempurna daripada syariat mereka, dan lebih sesuai untuk zaman kita dan apa yang setelahnya? Al-Qur’an menjelaskan jawabannya bahwa agama Allah pada semua umat adalah satu, dan yang berbeda hanyalah furu’ yang berbeda karena perbedaan zaman. Adapun ushul maka tidak ada perselisihan di dalamnya. Allah berfirman: “Katakanlah: ‘Wahai ahli kitab, marilah (berpegang) kepada suatu kalimat (ketetapan) yang tidak ada perselisihan antara kami dan kalian.’” (QS. Ali Imran: 64) ayat. Allah berfirman: “Sesungguhnya Kami telah memberikan wahyu kepadamu sebagaimana Kami telah memberikan wahyu kepada Nuh dan para nabi sesudahnya.” (QS. an-Nisa’: 163) ayat. Maka iman kepada Allah, kepada rasul-rasul-Nya, dan kepada hari akhir, meninggalkan keburukan dan beramal kebaikan, serta berakhlak dengan akhlak-akhlak yang utama adalah sama pada semuanya. Allah telah memerintahkan kita memandang kepada apa yang mereka lakukan dan i’tibar dengan apa yang mereka alami: agar kita mengikuti mereka dalam menegakkan ushul kebaikan. Itu adalah perintah yang mengandung dalil atas bahwa pada itu ada kebaikan dan kebahagiaan sesuai cara Al-Qur’an dalam mengaitkan dalil dengan madlul, ‘illah dengan ma’lul, dan menggabungkan sebab dengan musabab. Penjelasan hukum-hukum yang ini adalah kulliyyatnya secara ijmal, kami mengetahuinya dari syariat kami dan petunjuk Nabi kami shallallahu ‘alaihi wa sallam. Demikianlah dengan penjelasan dan uraian.
Aku tambahkan di sini bahwa dalam Islam ada jenis-jenis hidayah yang mungkin dianggap termasuk ushul khusus bagi Islam, dan menurutku itu termasuk apa yang diambil dari apa yang ditetapkan oleh Ustaz al-Imam, seperti membangun akidah dalam Al-Qur’an atas dalil-dalil ‘aqliyah dan kauniyah, membangun hukum-hukum adabiyah dan ‘amaliyah atas kaidah-kaidah mashalih dan manfaat serta menolak mudharat dan mafsadat, menjelaskan bahwa bagi alam ada sunnah-sunnah yang berlaku terus-menerus yang dijalani oleh makhluk-makhluk yang berakal dan yang tidak berakal, serta anjuran untuk memandang ke dalam alam semesta untuk ilmu dan ma’rifah dengan apa yang ada di dalamnya berupa hikmah dan rahasia-rahasia yang dengan itu naik akal dan terbuka pintu-pintu manfaat bagi manusia. Semua itu termasuk apa yang diistimewakan oleh Al-Qur’an. Jawabannya adalah bahwa itu adalah penyempurnaan bagi ushul agama tiga yang dengan itu diutus setiap nabi yang diutus untuk menjadikan bangunannya kokoh sesuai dengan kemajuan manusia. Adapun ushul tersebut yaitu: Iman yang benar, menyembah Allah Ta’ala saja, dan berbuat baik dalam muamalah dengan manusia, maka itulah yang tidak ada perselisihan di dalamnya.
Adapun sifat-Nya Ta’ala bagi orang-orang yang diberi nikmat bahwa mereka bukan orang-orang yang dimurkai dan bukan orang-orang yang sesat, maka yang dipilih di dalamnya adalah bahwa al-maghdhub ‘alaihim adalah orang-orang yang keluar dari kebenaran setelah mengetahuinya, dan orang-orang yang sampai kepada mereka syariat Allah dan agama-Nya lalu mereka menolaknya dan tidak menerimanya, berpaling dari dalil, ridha dengan apa yang mereka warisi dari perkataan, berhenti pada taqlid, dan berpegang pada hawa nafsu yang tidak lurus. Murka Allah mereka tafsirkan dengan lazimnya: yaitu hukuman. Ustaz al-Imam menyetujui mereka. Yang sesuai dengan mazhab salaf adalah dikatakan: Itu adalah salah satu urusan-Nya Ta’ala yang ditimbulkan darinya hukuman dan pembalasan-Nya. Adapun adh-dhallun adalah orang-orang yang sama sekali tidak mengenal kebenaran, atau tidak mengenalnya pada wajah yang benar yang disertai amal sebagaimana akan datang penjelasannya. Dia mengaitkan ma’thuf dalam firman-Nya “وَلَا الضَّالِّينَ” dengan “لا” karena dalam “غَيْرِ” ada makna nafi, yaitu dan bukan orang-orang yang sesat. Maka di dalamnya ada taukid bagi nafi. Itu menunjukkan bahwa golongan ada tiga: al-mun’am ‘alaihim, al-maghdhub ‘alaihim, dan adh-dhallun. Tidak diragukan bahwa al-maghdhub ‘alaihim juga termasuk adh-dhallun karena dengan menolak kebenaran dan melemparnya ke belakang punggung mereka, mereka membelakangi tujuan dan menghadap bukan arahnya, maka mereka tidak sampai darinya kepada yang diminta, dan tidak mendapat petunjuk di dalamnya kepada yang diinginkan. Tetapi ada perbedaan antara siapa yang mengenal kebenaran lalu berpaling darinya dengan sengaja, dan siapa yang tidak tampak baginya kebenaran maka ia tersesat di antara jalan-jalan, tidak mendapat petunjuk kepada jalan utama darinya. Mereka adalah orang-orang yang belum sampai kepada mereka risalah, atau sampai kepada mereka pada wajah yang belum jelas bagi mereka kebenaran di dalamnya. Maka mereka inilah yang paling berhak dengan nama adh-dhallin, karena adh-dhall hakikatnya adalah yang tersesat yang jatuh dalam kebutaan yang tidak mendapat petunjuk bersamanya kepada yang diminta. Kebutaan dalam agama adalah syubhat yang mencampuradukkan kebenaran dengan kebatilan dan menyerupakan yang benar dengan yang salah.
Ustaz al-Imam berkata: Adh-dhallun ada beberapa bagian:
Bagian pertama: Orang-orang yang belum sampai kepada mereka dakwah kepada risalah, atau sampai kepada mereka pada wajah yang tidak mendorong kepada nazhar. Maka mereka tidak terpenuhi bagi mereka dari jenis-jenis hidayah kecuali apa yang terjadi dengan indra dan akal, dan mereka terhalang dari petunjuk agama. Maka jika mereka tidak sesat dalam urusan duniawi mereka, maka pasti mereka sesat dalam apa yang diminta dengannya keselamatan jiwa dan kebahagiaannya dalam kehidupan akhirat. Padahal termasuk sunnah agama yang benar bahwa ia melimpahkan kepada ahlinya dari ruh kehidupan apa yang dengannya mereka bahagia di dunia dan akhirat bersama-sama. Maka siapa yang terhalang dari agama, terhalang dari kedua kebahagiaan itu. Tampaklah efek kekacauan dan kegelisahan dalam amal-amal ma’asyi mereka, dan menimpa mereka dari musibah apa yang mengikuti kesesatan dan kekacauan biasanya. Sunnah Allah dalam alam ini dan engkau tidak akan menemukan bagi sunnah-Nya perubahan. Adapun urusan mereka di akhirat maka atas bahwa mereka tidak disamakan dengan orang-orang yang mendapat petunjuk dalam kedudukan mereka, dan mungkin Allah memaafkan mereka dan Dia Maha Kuasa melakukan apa yang Dia kehendaki.
Aku tambahkan dalam menjelaskan ucapan Ustaz: Bahwa orang-orang yang terhalang dari hidayah agama tidak masuk akal bahwa mereka dihukum di akhirat atas meninggalkan sesuatu dari apa yang tidak diketahui kecuali dengan hidayah ini. Inilah makna ketiadaan taklif atas mereka, dan atasnya jumhur mutakallimin karena firman-Nya Ta’ala dalam Surah al-Isra’: “Dan Kami tidak akan mengazab sebelum Kami mengutus seorang rasul.” (QS. al-Isra’: 15). Siapa yang mengatakan bahwa mereka diminta pertanggungjawaban dengan akal, tidak tampak wajah bagi pendapatnya kecuali jika ia bermaksud bahwa keadaan mereka di akhirat adalah sesuai dengan kenaikan jiwa-jiwa mereka dengan hidayah akal dan keselamatan fitrah, karena tidak diragukan bahwa siapa yang belum diutus kepada mereka rasul berbeda-beda dalam pemahaman dan amalan mereka dengan perbedaan kesiapan fitri mereka dan apa yang mereka temui berupa baiknya tarbiyah dan buruknya. Dengan ini dikumpulkan antara kedua pendapat dalam taklif mereka dan tidaknya, atau dipisahkan antara keduanya. Apa yang diberikan Allah Ta’ala kepada mereka di akhirat sesuai dengan keadaan mereka dalam kebaikan dan keburukan, keutamaan dan kejelekan – adalah balasan yang adil atas amal-amal ikhtiari mereka dan Dia menambah kepada mereka dari karunia-Nya jika Dia kehendaki. Aku akan merinci makna ini dalam tafsir ayat-ayat yang diturunkan mengenainya insya Allah Ta’ala. Aku kembali sekarang untuk menyempurnakan rangkaian ucapan Ustaz, beliau berkata:
Bagian kedua: Orang yang sampai kepadanya dakwah pada wajah yang mendorong kepada nazhar, maka ia mengarahkan himmahnya kepadanya, dan mengerahkan usahanya di dalamnya, tetapi tidak diberi taufik kepada iman dengan apa yang diajak kepadanya, dan berakhir umurnya sementara ia dalam pencarian. Bagian ini tidak ada kecuali individu-individu yang tersebar di antara umat-umat, dan tidak meliputi keadaan suatu kaum dari kaum-kaum, maka tidak tampak baginya pengaruh dalam keadaan umum mereka, dan apa yang terjadi bagi mereka berupa kebahagiaan dan kesengsaraan dalam kehidupan dunia mereka. Adapun pemilik keadaan ini, maka sebagian Asy’ariyah berpendapat bahwa ia termasuk orang yang dirahmati rahmat Allah Ta’ala. Pemilik pendapat ini mengutip semisalnya dari Abu al-Hasan al-Asy’ari. Adapun menurut pendapat jumhur maka tidak diragukan bahwa penghukumannya lebih ringan daripada penghukuman orang yang mengingkari yang menolak tanahul, membangkang terhadap dalil, kufur terhadap nikmat akal, dan ridha dengan bagiannya dari kebodohan.
Bagian ketiga: Orang-orang yang sampai kepada mereka risalah dan mereka membenarkannya tanpa nazhar dalam dalil-dalilnya dan tanpa berhenti pada ushul-usulnya, maka mereka mengikuti hawa nafsu mereka dalam memahami apa yang dibawa oleh risalah itu berupa ushul akidah. Mereka inilah kaum mubtadi’ah dalam setiap agama, dan di antaranya mubtadi’ah dalam agama Islam. Mereka adalah orang-orang yang menyimpang dalam keyakinan mereka dari apa yang ditunjukkan oleh keseluruhan Al-Qur’an dan apa yang dilakukan oleh salaf shalih dan ahli generasi pertama. Mereka memecah belah umat menjadi berbagai aliran yang airnya membuat tersedak orang yang meminumnya, dan tidak puas orang yang minum darinya. Beliau berkata: Aku menunjuk kepada sebagian dari efek mereka pada manusia: Datanglah seorang laki-laki ke lingkaran pengadilan lalu disumpah dengan nama Allah Yang Maha Tinggi lagi Maha Agung, atau dengan mushaf yang mulia yang merupakan kalam Allah yang qadim, bahwa ia tidak melakukan demikian, maka ia bersumpah dan tanda dusta tampak di wajahnya. Maka datang kepadanya orang yang menyumpah dari jalan lain dan membebaninya bersumpah dengan nama seorang syaikh dari syaikh-syaikh yang diyakini baginya kewalian. Maka berubah warnanya, gemetar anggota tubuhnya, kemudian ia kembali kepada sumpahnya dan mengakui yang benar, dan mengakui bahwa ia telah melakukan apa yang pertama kali ia sumpah bahwa ia tidak melakukannya, demi menghormati nama syaikh itu, dan takut darinya bahwa ia akan mencabut nikmat darinya atau menimpakan kepadanya siksa jika ia bersumpah dengan namanya secara dusta. Maka ini adalah kesesatan dalam ushul akidah yang kembali kepada kesesatan dalam iman kepada Allah Ta’ala dan apa yang wajib bagi-Nya berupa wahdaniyyah dalam af’al. Seandainya kami ingin menyebutkan apa yang terjadi pada kaum muslimin dari kesesatan dalam akidah-akidah asal karena bid’ah-bid’ah yang muncul pada agama Islam, niscaya pembahasan menjadi panjang, dan dibutuhkan penulisan beberapa jilid tentang wajah-wajah kesesatan. Di antara yang paling buruk pengaruhnya dan paling berbahaya adalah pembahasan para pemimpin firqah di antara mereka dalam masalah qadha dan qadar, ikhtiyar dan jabr, serta tahqiq wa’d dan wa’id, dan meremehkan pelanggaran terhadap Allah atas jiwa para hamba.
Apabila kami menimbang apa yang ada dalam otak kita dari keyakinan-keyakinan dengan kitab Allah Ta’ala tanpa memasukkannya terlebih dahulu ke dalamnya, maka tampaklah bagi kita keadaan kita sebagai muhtadi atau dhall. Adapun apabila kami memasukkan apa yang ada dalam otak kita ke dalam Al-Qur’an dan memasukkan semuanya ke dalamnya terlebih dahulu, maka tidak mungkin bagi kami mengenal hidayah dari kesesatan karena campur aduknya yang ditimbang dengan timbangan. Maka tidak diketahui mana yang ditimbang dan mana yang menjadi timbangan – aku bermaksud agar Al-Qur’an menjadi asal yang di atasnya dibawa mazhab-mazhab dan pendapat-pendapat dalam agama, bukan mazhab-mazhab menjadi asal dan Al-Qur’an yang dibawa di atasnya, dan dikembalikan dengan takwil atau tahrif kepadanya, sebagaimana dilakukan oleh orang-orang yang celaka, dan tersesat di dalamnya orang-orang yang sesat.
Bagian keempat: Kesesatan dalam amal-amal, dan tahrif hukum-hukum dari apa yang ditetapkan untuknya, seperti kesalahan dalam memahami makna shalat, puasa, dan semua ibadah, serta kesalahan dalam memahami hukum-hukum yang datang dalam muamalah. Mari kita berikan contoh untuk itu: Kecurangan dalam zakat dengan memindahkan harta kepada milik orang lain sebelum haul, kemudian mengambilnya kembali setelah lewat sedikit dari haul kedua, sehingga zakat tidak wajib padanya. Orang yang curang itu mengira bahwa dengan kecurangannya ia telah selamat dari menunaikan fardhu, dan selamat dari murka Dzat yang tidak tersembunyi daripada-Nya sesuatu pun. Ia tidak mengetahui bahwa dengan itu ia telah merobohkan rukun dari rukun-rukun agama yang paling penting, dan telah mendatangkan amalan orang yang meyakini bahwa Allah telah mewajibkan fardhu dan mensyariatkan di samping fardhu itu apa yang menghilangkan dan menghapus efeknya, padahal itu mustahil atas-Nya Jalla Sya’nuhu.
Tiga bagian dari kesesatan ini yang pertama, ketiga, dan keempat tampak efeknya pada umat-umat maka terganggulah kekuatan pemahaman di dalamnya, rusaklah akhlak, kacau amal-amal, dan menimpa mereka kesengsaraan sebagai hukuman dari Allah yang pasti menimpanya kepada mereka. Sunnah Allah pada makhluk-Nya dan engkau tidak akan menemukan bagi sunnah-Nya perubahan. Menimpa kelemahan dan turunnya bala kepada suatu umat termasuk tanda-tanda dan dalil atas murka Allah Ta’ala kepada mereka karena apa yang mereka buat dalam akidah dan amal mereka yang tidak menyalahi sunnah-Nya dan tidak mengikuti sunnah-Nya di dalamnya. Oleh karena itu Allah Ta’ala mengajarkan kepada kita bagaimana kami berdoa kepada-Nya agar menunjuki kami kepada jalan orang-orang yang tampak nikmat-Nya atas mereka dengan berhenti pada batas-batas-Nya, meluruskan akal dan amal dengan memahami apa yang Dia tunjuki kami kepadanya, dan agar Dia menjauhkan kami dari jalan-jalan orang-orang yang tampak pada mereka efek niqam-Nya dengan menyimpang dari syariat-Nya, baik itu sengaja dan membangkang, atau karena kesesatan dan kebodohan.
Apabila umat menyimpang dari jalan kebenaran dan kebatilan bermain-main dengan hawa nafsu mereka, maka rusaklah akhlak mereka dan terganggulah amal-amal mereka, maka mereka jatuh ke dalam kesengsaraan tidak ada jalan keluar darinya. Allah menguasakan atas mereka orang yang menghinakan mereka dan menguasai urusan mereka dan tidak menunda azab kepada hari perhitungan, meskipun mereka akan menemui bagian mereka darinya juga. Apabila kesesatan semakin bertambah pada mereka maka sampai kepada kebinasaan, dan menghapus jejak mereka dari keberadaan. Demikianlah Allah mengajarkan kepada kita bagaimana kami memandang keadaan orang-orang sebelum kami, dan yang masih tersisa jejak mereka di antara tangan kita dari umat-umat, agar kami mengambil pelajaran dan membedakan antara apa yang dengannya bahagia kaum-kaum dan apa yang dengannya mereka sengsara. Adapun pada individu-individu maka sunnah Allah tidak berjalan dengan wajibnya hukuman bagi setiap yang sesat dalam kehidupan dunia ini. Mungkin orang sesat ditarik secara bertahap dari arah yang tidak diketahuinya, dan kematian menimpanya sebelum hilang nikmat darinya. Ia hanya akan menemui balasannya “يَوْمَ لَا تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْسٍ شَيْئًا وَالْأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ” (pada hari ketika tidak ada jiwa pun yang memiliki kekuasaan bagi jiwa lain sedikit pun dan urusan pada hari itu milik Allah). Demikianlah.
Fawaid dalam tafsir Al-Fatihah
Tujuan utama kami dari menulis tafsir Al-Fatihah dan memublikasikannya di al-Manar adalah menjelaskan apa yang kami pahami dari pelajaran Syaikh kami Ustaz al-Imam, disertai sedikit dari apa yang dibukakan Allah kepada kami secara singkat. Oleh karena itu kami meringkas dalam apa yang kami tulis pertama kali, kemudian ketika kami mencetak tafsir Al-Fatihah secara tersendiri untuk kedua kalinya kami menambahkan di dalamnya beberapa tambahan. Tidak ada jalan bagi kami kecuali menjadikan tafsir ini panjang dan lengkap. Oleh karena itu kami menambahkan dalam tafsir Al-Fatihah di sini tambahan yang banyak sebagaimana kami beri peringatan atas itu dalam muqaddimah. Setelah selesai mencetaknya kami melihat untuk memperkuatnya dengan fawaid-fawaid berikut:
Hikmah mengutamakan penyebutan rububiyyah dan rahmah di awal Al-Fatihah atas sifat-sifat lainnya
Engkau telah mengetahui bahwa nama jalalah (الله) adalah nama zat yang mencakup makna-makna sifat-sifat ulya, dan sisa asma’ul-husna. Ushul dari asma’ dan sifat-sifat ini yang kembali kepadanya yang lain dan kembali kepadanya makna-maknanya meskipun dengan jalan luzum ada empat:
Dua darinya dzatiyyah yaitu al-Hayyu al-Qayyum.
Dua lainnya fi’liyyah yaitu ar-Rabb dan ar-Rahman ar-Rahim. Dengan ungkapan yang lebih jelas atau lebih benar: dua darinya tidak terkait dengan tadbir khalq, dan dua terkait dengannya. Maka al-Hayy adalah Dzat yang memiliki kehidupan dan ia dengan makna terluasnya adalah sifat wujudiyyah yang merupakan asal dalam pemahaman kita untuk semua sifat kesempurnaan dalam wujud dari sifat zat dan sifat af’al seperti ilmu, qudrah, iradah, sam’, bashar, kalam, dan lainnya. Ia adalah sifat-sifat yang dinamakan oleh ulama kalam sifat-sifat ma’ani. Mereka menjadikan atasnya poros pengetahuan tentang Allah Ta’ala bersama sifat-sifat salbiyyah yang dimaksud dengannya penyucian-Nya Subhanahu wa Ta’ala dari apa yang tidak layak dari kekurangan dan penyerupaan dengan makhluk seperti rahmah, hilmu, ghadhab, ‘adl, ‘izzah, khaliqiyyah, raziqiyyah, dan seterusnya. Kesempurnaan kehidupan menuntut penyifatan dengan sifat-sifat ini dan lainnya dari sifat-sifat kesempurnaan.
Kehidupan pada makhluk ada dua bagian: hissiyyah dan ma’nawiyyah. Yang pertama adalah kehidupan nabatiyah dan kehidupan hayawaniyah. Masing-masing darinya memiliki sifat-sifat yang lazim baginya. Yang tertinggi di dalamnya pada kehidupan kedua adalah kehidupan manusia yang di antara khasnya adalah ilmu, iradah, qudrah, sam’, bashar, kalam, dan lainnya yang hilang darinya dengan kematian. Yang kedua adalah kehidupan ‘aqliyyah, ‘ilmiyyah, dan ruhiyyah diniyyah. Di antara saksi-saksi Qur’ani atas kehidupan ini adalah firman-Nya Ta’ala: “Agar memberi peringatan kepada orang yang hidup.” (QS. Yasin: 70) dan firman-Nya: “Dan sambutlah Allah dan Rasul apabila Dia menyeru kalian kepada apa yang menghidupkan kalian.” (QS. al-Anfal: 24). Kesempurnaan kehidupan ini bagi manusia tidak ada kecuali di akhirat. Hanya persiapan baginya di dunia dengan tazkiyah jiwa dengan ilmu dan amal.
Kehidupan Khaliq Ta’ala lebih tinggi dan lebih sempurna daripada kehidupan seluruh makhluk-Nya dari jin, manusia, dan malaikat. Ia tidak menyerupai mereka “لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ”. Hanya saja kami memahami dari penggunakan lafaznya secara bahasa dengan tanzih bahwa ia adalah sifat dzatiyyah wajibah azaliyyah abadiyyah yang lazim baginya penyifatan diri-Nya dengan apa yang Dia sifatkan diri-Nya darinya dari sifat-sifat kesempurnaan, tanpa-Nya. Maka ia tidak bergantung pemahamannya kepada selainnya dari sifat-sifat, dan bergantung pemahaman semua sifat kepadanya. Sebagian mereka mengungkapkannya dengan bahwa ia menyempurnakan baginya penyifatan dengan sifat-sifat ma’ani.
Adapun “al-Qayyum”, maka sebaik-baik yang dikatakan dalam tafsirnya dalam Mu’jam Lisanul-‘Arab adalah yang qaim (berdiri) dengan zat-Nya mutlaq tidak dengan selain-Nya, dan bersama itu Dia berdiri dengan setiap wujud sehingga tidak dapat dibayangkan wujud sesuatu atau kelangsungan wujudnya kecuali dengan-Nya. Demikianlah. Telah mendahuluinya kepada semisalnya selainnya. Ucapan mereka: “Yang berdiri dengan zat-Nya” dengan makna ucapan mutakallimin “wajibul-wujud” yaitu yang wujudnya tetap karena zatnya bukan mustamad dari wujud lain. Maka ia menuntut qidam yang tidak ada awalnya, dan baqa’ yang tidak ada akhirnya “هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ”. Ucapan mereka: “Yang berdiri dengan-Nya setiap wujud” maknanya adalah bahwa tidak ada wujud bagi sesuatu selain-Nya secara ibtida’ dan tidak ada baqa’ kecuali dengan-Nya. Maka setiap wujud selain-Nya mustamad darinya dan baqi dengan baqa’-Nya atasnya “إِنَّ اللهَ يُمْسِكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ أَنْ تَزُولَا وَلَئِنْ زَالَتَا إِنْ أَمْسَكَهُمَا مِنْ أَحَدٍ مِنْ بَعْدِهِ” (Sesungguhnya Allah menahan langit dan bumi agar tidak lenyap. Dan sungguh jika keduanya lenyap tidak ada yang dapat menahannya selain Dia). Siapa yang memiliki sifat ini maka dengan keharusan ia qadir, murid, ‘alim, hakim. Maka apabila kehidupan menyempurnakan bagi pemiliknya penyifatan dengan sifat-sifat ini dan lainnya dan menunjuk kepadanya dengan qayd kamilah, maka qayyumiyyah menunjuk kepadanya tanpa qayd.
Karena pengumpulan kedua nama mulia ini makna-makna ini dan lainnya dari makna-makna kesempurnaan yang paling tinggi, maka pendapat bahwa keduanya bersama nama jalalah – apa yang disebut dengan isim a’zham – adalah pendapat yang rajih dan dipilih pada kami. Hanya saja kami menafsirkan kedua nama mulia di sini dan penyebutan keduanya adalah istithradi tidak masuk dalam tafsir Al-Fatihah; karena kebanyakan pembaca tidak memahami makna-makna yang ditunjukkan oleh lafaz keduanya dengan cara-cara dalalah tiga: mutabaqah, tadhammun, dan iltizam.
Adapun sifat rububiyyah dan rahmah, maka keduanya adalah dua sifat yang menunjukkan bahwa Allah Ta’ala adalah pemilik dan pengatur urusan seluruh alam, dan bahwa rahmat-Nya Ta’ala mengalahkan murka-Nya, dan ihsan-Nya yang merupakan efek rahmat-Nya mengalahkan pembalasan-Nya. Makna intiqam secara bahasa adalah balasan atas keburukan. Maka apabila balasan atas keburukan dengan semisalnya adalah intiqam hak dan adil. Apabila dengan lebih dari itu adalah intiqam batil dan dzulm. Allah Ta’ala Maha Suci dari batil dan dzulm “وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا” (Tuhanmu tidak menzalimi seorang pun). Bahkan Dia melewati sebagian keburukan, dan melipatgandakan balasan kebaikan “وَهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَعْفُو عَنِ السَّيِّئَاتِ وَيَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ” (Dan Dialah yang menerima taubat dari hamba-hamba-Nya dan memaafkan keburukan-keburukan dan mengetahui apa yang kalian kerjakan) (QS. asy-Syura: 25), “وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ” (Dan apa saja musibah yang menimpa kalian maka itu karena perbuatan tangan kalian sendiri dan Dia memaafkan banyak) (QS. asy-Syura: 30), “إِنَّ اللهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا وَيُؤْتِ مِنْ لَدُنْهُ أَجْرًا عَظِيمًا” (Sesungguhnya Allah tidak menzalimi seberat zarrah pun dan jika ada kebaikan seberat zarrah pun niscaya Dia melipatgandakannya dan memberikan dari sisi-Nya pahala yang besar) (QS. an-Nisa’: 40) dan ayat-ayat dalam balasan atas keburukan dengan semisalnya dan atas kebaikan dengan sepuluh kali lipatnya dan apa yang dikehendaki Allah Ta’ala.
Maka termasuk sunnah Rabb pemilik hamba yang mengatur urusan mereka yang mendidik mereka adalah membalas setiap pelaku dengan amalnya, dan membalas bagi yang dizalimi dari orang yang menzaliminya. Balasan dengan adil menakutkan kebanyakan manusia bahkan semua manusia. Karena tidak ada seorang pun kecuali ia kurang dalam apa yang wajib atasnya bagi Rabbnya, bagi dirinya, bagi keluarganya, bagi anaknya, apalagi orang selain mereka yang memiliki hak atasnya dan kedudukan di sisinya. Termasuk hak mereka bahwa ketakutan mengalahkan harapan dalam hati mereka. Oleh karena itu Subhanahu mengaitkan sifat rububiyyah dengan sifat rahmah, dan mengungkapkannya dengan dua nama bukan satu nama: nama ar-Rahman yang menunjuk kepada puncak kesempurnaan dalam penyifatannya dengannya, dan nama ar-Rahim yang menunjuk kepada bahwa ia termasuk sifat-sifat nafsiyyah ma’nawiyyah disertai keterkaitannya dengan hak secara tanjiz. Seperti firman-Nya Ta’ala: “Dan Dia Maha Penyayang kepada kalian.” (QS. al-Baqarah: 29), “Dan Dia Maha Penyayang kepada orang-orang mukmin.” (QS. al-Ahzab: 43). Dengan penafsiran ini kami mengumpulkan dalam pembedaan antara kedua nama apa yang dikatakan oleh muhaqqiq Ibnu al-Qayyim kepada apa yang dikatakan oleh Syaikh kami rahimahumallah.
Adapun dalalah sifat rububiyyah dan rahmah atas semua makna sifat-sifat af’al ilahiyyah maka tampak jelas; karena Rabb hamba adalah yang menyampaikan kepada mereka segala yang terkait dengan penciptaan mereka, rezeki mereka, dan pengaturan urusan mereka dari perbuatan yang ditunjuk oleh asma’-Nya yang husna seperti al-Khaliq, al-Bari’, al-Musawwir, al-Qahhar, al-Wahhab, ar-Razzaq, al-Fattah, al-Qabidh, al-Basith, al-Khafidh, ar-Rafi’, al-Mu’izz, al-Mudzill, al-Hakam, al-‘Adl, al-Lathif, al-Khabir, al-Halim, ar-Raqib, al-Muqit, al-Ba’ith, asy-Syahid, al-Muhshi, al-Mubdi’, al-Mu’id, al-Muhyi, al-Mumit, al-Muqaddim, al-Mu’akhkhir, al-Mughni, al-Mani’, adh-Dharr, an-Nafi’, dan semisalnya. Ar-Rahman dalam zatnya ar-Rahim kepada hamba-hamba-Nya pasti menjadi tawwab, ghafur, ‘afuww, ra’uf, syakur, halim, wahhab.
Apabila kami mengetahui ini, tampaklah bagi kami hikmah penyifatan Allah Ta’ala di awal fatihah kitab yang agung dengan rububiyyah dan rahmah yang menunjuk kepada semua sifat af’al tanpa al-hayah dan al-qayyumiyyah yang menunjuk kepada sifat-sifat zat dan lainnya. Ia – dan Allah lebih mengetahui maksud-Nya – bahwa Al-Fatihah dilihat darinya dari dua sisi:
Pertama: Apa yang ditunjukkan oleh namanya ini; yaitu menjadi fatihah dan mabda’ bagi Al-Qur’an.
Kedua: Bahwa ia disyariatkan untuk dibaca dalam shalat setiap hari. Masing-masing dari keduanya sesuai dengannya dimulainya dengan penyebutan rububiyyah Allah dan rahmat-Nya.
Itu karena Al-Qur’an sebagaimana Allah katakan di awal Surah al-Baqarah: “Petunjuk bagi orang-orang yang bertakwa, (yaitu) orang-orang yang beriman kepada yang ghaib dan mendirikan shalat.” (QS. al-Baqarah: 2-3) dst. ayat. Merekalah yang membacanya dengan benar-benar membacanya, merekalah yang mentadabburinya dan mengambil pelajaran darinya. Merekalah “yang takut kepada Rabb mereka dalam keadaan ghaib dan mereka khawatir terhadap hari kiamat.” (QS. al-Anbiya’: 49). Maka yang sesuai bagi mereka adalah surah pertama yaitu al-Matsani yang mereka ulang-ulang selalu dalam shalat mereka dan dalam permulaan wirid-wirid Qur’ani mereka yang dinamai khatamah dimulai dengan penyebutan dua sifat yang mencakup makna-makna sifat yang terkait dengan tadbir Allah Subhanahu atas urusan mereka, dan dengan keadilan-Nya dalam menghukum di antara mereka dalam apa yang mereka perselisihkan, dan dengan pembalasan mereka atas amal-amal mereka, dan dengan rahmat-Nya kepada mereka dan ihsan-Nya kepada mereka yang menunjuk kepada apa yang wajib atas mereka berupa syukur kepada-Nya dan pengkhususan-Nya dengan ibadah dan istianah, serta penghadapan kepada-Nya dalam meminta kesempurnaan hidayah. Kedua sifat ini adalah rububiyyah dan rahmah.
Maka dimulainya fatihah Al-Qur’an dengan penyebutan keduanya dalam basmalah kemudian di tengah surah adalah petunjuk bagi apa yang disebutkan, pengingat bagi orang yang shalat dan pembaca dengannya. Demikian pula dimulainya setiap surah dengan basmalah yang tidak disifati nama zat (الله) di dalamnya selain dengan rahmah yang sempurna dan mencakup, adalah pemberitahuan dari-Nya Subhanahu bahwa Dia menurunkannya sebagai rahmah bagi ‘alamin, sebagaimana firman-Nya yang ditujukan kepada yang diturunkan kepadanya: “Dan tiadalah Kami mengutus kamu melainkan sebagai rahmat bagi seluruh alam.” (QS. al-Anbiya’: 107). Oleh karena itu tidak turun basmalah di awal Surah at-Taubah yang ayat-ayatnya membuka aib orang-orang munafik, dan dimulai dengan pembatalan perjanjian orang-orang musyrik, serta disyariatkan di dalamnya perang dengan sifat yang lebih umum daripada yang diturunkan-Nya dalam apa sebelumnya dari hukum-hukum-Nya.
Inilah yang kami jelaskan membantah anggapan sebagian orang yang fanatik berlebihan dalam mencela Islam dengan hawa nafsu batil bahwa Rabb kaum muslimin adalah Rabb yang pemarah lagi pendendam lagi Maha Kuasa, dan agama mereka adalah agama ketakutan dan kekhawatiran, berbeda dengan agama Nasrani yang menamakan Rabb sebagai Bapa untuk memberitahukan bahwa Dia memperlakukan hamba-hamba-Nya seperti perlakuan bapak kepada anak-anaknya. Syaikh kami telah menunjuk kepada anggapan ini dan membantahnya dalam tafsir nama Rabb. Kami akan menyebutkan dalam faidah lain perbandingan antara shalat kaum muslimin dengan membaca Al-Fatihah dan shalat Nasrani dengan shighat yang dikenal pada mereka dengan shalat Rabbaniyyah, dan telah tetap dalam hadits shahih bahwa Rabb lebih penyayang kepada hamba-hamba-Nya daripada ibu kepada bayinya yang menyusu, dan bahwa segala yang didepositkan-Nya dalam hati makhluk-Nya berupa rahmah adalah satu bagian dari seratus bagian dari rahmat-Nya Tabaraka wa Ta’ala. Pembaca akan menemukan penjelasan panjang tentang keluasan rahmat ilahiyyah dalam tafsir firman-Nya ‘Azza wa Jalla: “Dan rahmat-Ku meliputi segala sesuatu.” (QS. al-A’raf: 156) dari Surah al-A’raf.
Penafsiran sifat rahmah menurut mazhab salaf
Apa yang kami kutip dari Syaikh kami mengenai makna rahmah (hal. 38) ia mengikuti di dalamnya mutakallimin Asy’ariyah dan Mu’tazilah serta mufassir mereka seperti az-Zamakhsyari dan al-Baidhawi dengan kelalaian. Intisarinya adalah bahwa rahmah bukan termasuk sifat zat atau sifat ma’ani yang qaim dengan zat-Nya Ta’ala karena mustahilnya makna bahasa baginya, maka wajib menakwilnya dengan lazimnya yaitu ihsan sehingga menjadi termasuk sifat af’al seperti al-Khaliq ar-Razzaq. Sebagian mereka mengatakan: Boleh ditakwil dengan iradah ihsan maka kembali kepada sifat iradah sehingga bukan sifat mustaqillah. Pendapat ini dari filsafat mutakallimin yang batil yang menyalahi petunjuk salaf shalih.
Hakikatnya: Bahwa sifat rahmah seperti sifat ilmu, iradah, qudrah, dan seluruh apa yang dinamakan oleh Asy’ariyah sifat ma’ani dan mereka katakan bahwa ia adalah sifat-sifat qaim dengan zat-Nya Ta’ala berbeda dengan Mu’tazilah. Karena makna-makna sifat-sifat ini semuanya menurut madlul bahasa dan penggunaannya pada manusia mustahil atas Allah Ta’ala. Ilmu menurut madlul bahasa adalah gambar maklumat dalam pikiran yang diperoleh dari indra atau dari pemikiran, dan ia dengan makna ini mustahil atas Allah Ta’ala. Karena ilmu-Nya Ta’ala qadim dengan qidam-Nya bukan ‘aradh yang diambil dari gambar maklumat. Demikian pula dikatakan tentang sam’-Nya Ta’ala dan bashar-Nya dan mereka masukkan keduanya dalam sifat ma’ani yang qaim dengan zat-Nya. Rahmah seperti keduanya dalam hal ini.
Kaedah salaf dalam semua sifat yang Allah sifatkan diri-Nya dengannya dalam kitab-Nya dan atas lisan Rasul-Nya adalah kami tetapkan untuk-Nya dan kami lewati sebagaimana datang disertai tanzih dari sifat-sifat makhluk yang tetap secara akal dan naql dengan firman-Nya ‘Azza wa Jalla: “Tidak ada sesuatu pun yang serupa dengan-Nya.” Maka kami katakan: Bahwa bagi Allah ilmu hakiki yang merupakan sifat bagi-Nya, tetapi tidak menyerupai ilmu kami. Bahwa bagi-Nya sam’ hakiki yang merupakan sifat bagi-Nya tidak menyerupai sam’ kami. Bahwa bagi-Nya rahmah hakiki yang merupakan sifat bagi-Nya tidak menyerupai rahmah kami yang merupakan perubahan dalam jiwa. Demikian pula kami katakan pada sifat-sifat-Nya Ta’ala lainnya maka kami mengumpulkan dengan itu antara naql dan akal.
Adapun pengaturan dengan menakwil sebagian sifat dan menjadikan penggunakan lafaznya dari majaz mursal atau isti’arah tamtsiliyyah sebagaimana mereka katakan pada rahmah dan ghadhab dan semisalnya tanpa ilmu dan sam’ dan bashar dan semisalnya, maka itu adalah pengaturan dalam sifat-sifat Allah dan ilhad di dalamnya. Adapun menjadikan semuanya dari jenis hakikat dengan pengakuan atas ketidakmampuan memahami hakikat ini dan cukup dengan iman kepada makna sifat umum disertai tanzih dari tasybih, atau menjadikan semuanya dari jenis majaz lughawi dengan pertimbangan bahwa pembuat bahasa telah meletakkan lafaz-lafaz ini untuk sifat-sifat makhluk maka syariat menggunakannya pada sifat-sifat ilahiyyah yang sesuai dengannya dengan ilmu atas tidak adanya penyerupaan dengannya dari jenis tajawwuz.
Imam Abu Hamid al-Ghazali rahimahullah Ta’ala telah mengungkapkan makna ini dengan ungkapan yang paling fasih, maka ia berkata dalam kitab asy-Syukr dari Ihya’: Bahwa Allah ‘Azza wa Jalla dalam keagungan dan kebesaran-Nya memiliki sifat yang darinya keluar penciptaan dan ikhtira’. Sifat itu lebih tinggi dan lebih agung daripada dapat dilihat oleh mata pembuat bahasa sehingga ia mengungkapkannya dengan ungkapan yang menunjuk kepada hakikat keagungannya dan kekhususan hakikatnya. Maka tidak ada baginya di alam ungkapan karena tingginya kedudukannya dan rendahnya tingkat pembuat bahasa daripada mencapai pandangan pemahaman mereka kepada permulaan sinarannya. Maka pandangan mereka merendah daripada puncaknya sebagaimana pandangan kelelawar merendah daripada cahaya matahari, bukan karena kegelapan dalam cahaya matahari, tetapi karena lemahnya pandangan kelelawar. Maka terpaksa orang-orang yang dibukakan pandangan mereka untuk memperhatikan keagungannya untuk meminjam dari rendahnya alam orang-orang yang berbicara dengan bahasa ungkapan yang memahamkan dari permulaan hakikat-hakikatnya sesuatu yang sangat lemah. Maka mereka meminjam untuknya nama qudrah maka kami berani karena sebab peminjaman mereka untuk mengucapkan maka kami katakan: Bahwa bagi Allah Ta’ala sifat yaitu qudrah, darinya keluar penciptaan dan ikhtira’. Demikianlah.
Imam Abu al-Hasan al-Asy’ari syaikh mutakallimin dan pengamat telah kembali kepada mazhab salaf di akhir urusannya, dan menegaskan dalam akhir kitab-kitabnya yaitu al-Ibanah dengan itu, dan bahwa ia mengikuti Imam Ahmad bin Hanbal syaikh sunnah dan pembelanya rahimahumullah ajma’in.
Sanggahan Nasrani yang bodoh terhadap Al-Fatihah yang mulia
Setiap yang merasakan cita rasa balaghah Arab dari mukmin dan kafir mengetahui bahwa Al-Qur’an adalah ucapan yang paling baligh dan paling fasih. Tidak ada yang membantahnya seorang yang membantah, dan tidak ada yang menentangnya seorang yang menentang. Al-Fatihah termasuk yang paling tinggi kefasihan, kebalighan, dan pengumpulan makna-makna banyak dalam lafaz yang sedikit, serta mencakup hal-hal penting agama dari sifat-sifat Allah yang menarik hati siapa yang mentadabburinya kepada kecintaannya, menuturkan lisannya dengan hamd-Nya, meninggikan himmahnya dengan tauhid-Nya, menyucikan jiwanya dengan makna-makna asma’-Nya dan sifat-sifat-Nya, penguasaan rububiyyah-Nya dan milik-Nya, mengingatkannya hari pembalasan yang dibalas padanya atas amalnya, mengarahkan wajahnya kepada menempuh shirath al-mustaqim dalam khusus dirinya dan dalam muamalah dengan Allah dan muamalah dengan makhluk-Nya, mengingatkannya dengan qudwah shalihah dalam itu dengan mengidhafahkan shirath yang ia usahakan istiqamah atasnya dan meminta kepada Allah taufiknya selalu kepadanya, kepada orang-orang yang Allah limpahkan nikmat kepada mereka, dan memberikan kepada mereka keridhaan-Nya, dan menjadikan mereka penuntun makhluk-Nya dengan ucapan mereka, dan uswah yang baik dalam perbuatan mereka, dan teladan kesempurnaan dalam adab dan akhlak mereka, dari para nabi, shiddiqin, syuhada, dan shalihin, serta memperingatkannya dari orang-orang jahat yang mengutamakan batil atas kebenaran dan lebih menyukai keburukan atas kebaikan dengan ilmu mereka tentang itu. Mereka adalah al-maghdhub ‘alaihim – atau dengan kebodohan tentangnya seperti orang-orang yang sesat usahanya dalam kehidupan dunia dan mereka mengira bahwa mereka berbuat baik. Peringatan ini mengandung dorongan kepada muslim yang beribadah dengan Al-Fatihah yang mengulanginya dalam shalatnya atas perhatian menyempurnakan dirinya dengan meneliti komitmen kepada kebenaran dan beramal kebaikan dengan hukum-hukum ilmu, tarbiyah jiwa, dan latihan atas amal shalih.
Surah agung ini yang kami ingatkan kepadamu wahai pembaca dengan ijmal dari apa yang kami jelaskan dalam tafsirnya mengira salah seorang pendakwah Nasrani pada zaman ini bahwa ia jauh dari balaghah dengan bahwa apa yang setelah shirath al-mustaqim di dalamnya adalah “pengulangan dan pengulangan yang sudah ada”, dan apa yang sebelumnya dapat diringkas dengan apa yang tidak menghilangkan sesuatu pun dari maknanya, sebagaimana dilakukan oleh sebagian mereka. Ia berkata pendapat ini adalah pendakwah dari para mubasyir yang digaji oleh lembaga-lembaga mubasyir Inggris dan Amerika dalam buku yang ia susun untuk membatalkan i’jaz Al-Qur’an menurut anggapannya, bahkan ia mengingkari balaghahnya dari asalnya. Ia berkata:
“Dan sebaik-baik ucapan sebagian mereka bahwa seandainya ia mengatakan: Alhamdu lir-Rahman, Rabbil-akwan, al-Malik ad-Dayyan, laka al-‘ibadah wa bika al-musta’an, ihdina shirathal-iman, niscaya lebih ringkas dan mengumpulkan seluruh makna dan terbebas dari kelemahan susunan, pengulangan, dan keluar dari yang buruk seperti antara ar-Rahim dan nasta’in.”
Aku katakan: Sungguh lebih baik bagi orang fanatik yang digaji untuk menyesatkan orang awam kaum muslimin dengan syarat tidak menyebut namanya dalam karya kecilnya, dan tidak mempermalukan dirinya di antara kaumnya, bahwa ia meringkas bagi para penyewanya tuhan-tuhan mereka dan kitab-kitab mereka yang telah menutup semua orang yang berpikir bebas dari kaum dan bangsa mereka dari agama mereka bahkan menutup sebagian mereka dari segala agama. Maka meringkas tujuh bintang di langit lebih ringan daripada meringkas ayat-ayat Al-Fatihah yang tujuh di bumi. Cukuplah bagi alam dari aibnya penyampaian kebodohannya ini dan penyebarannya dengan itu jika ia masih hidup berjalan di antara manusia.
Adapun orang awam yang bodoh yang mungkin tertipu dengan ucapan setiap orang yang berkata, terutama jika dalam mencela agama selain agamanya, maka mungkin ia membutuhkan peringatan atas sebagian aib dari ringkasan ini, meskipun tidak tersembunyi bagi orang-orang yang berpandangan dan kami cukup darinya dengan apa yang berikut:
(1) Bahwa hal pertama yang diringkas oleh orang bodoh fanatik ini dan dijadikannya celaan terhadap fatihah Al-Qur’an adalah nama jalalah yang paling agung (الله) yang tidak dapat digantikan oleh penyebutan semua asma’ Allah al-husna! Karena ia adalah nama zat yang diperhatikan bersamanya penyifatan zat itu dengan semua sifat kesempurnaan secara ijmal.
(2) Bahwa ia meringkas nama ar-Rahim padahal kami telah jelaskan faidahnya dan bahwa nama ar-Rahman tidak mencukupi darinya.
Bagaimana mungkin orang seperti dia mengetahuinya? Dan rujuklah perbedaan antara keduanya dalam apa yang telah lalu.
(3) Bahwa ia mengganti al-akwan dengan al-‘alamin dan ini bukan ringkasan, melainkan penggantian yang lebih rendah dengan yang lebih baik dan lebih utama. Karena al-akwan adalah jamak dari kaun, dan ia pada asalnya adalah mashdar yang tidak dijamak, dan baginya makna-makna yang tidak sah mengidhafahkan nama Rabb kepadanya, di antaranya kejadian, perubahan, dan penanggungan. Orang Arab Jazirah menggunakannya atas perang mungkin mereka tidak menggunakannya untuk selainnya. Adapun al-‘alamin maka jamak dari ‘alam, dan dalam asal katanya ada pengingat bahwa ia adalah tanda dan dalil atas wujud Penciptanya, dan dalam pengumpulannya jamak ‘uqala’ ada pengingat bagi pembaca dengan apa yang dalam kata Rabb dari makna tarbiyah-Nya Jalla Jalaluhu dan melimpahnya karunia-Nya kepada yang hidup terutama manusia, dan bahwa mereka mensyukuri-Nya atasnya sesuai penggunaan akal mereka. Oleh karena itu sebagian a’lam mengatakan bahwa lafaz al-‘alamin umum digunakan di sini pada khusus, yaitu ‘alam manusia. Dan rujuklah sisa tafsirnya yang telah lalu.
(4) Bahwa ia mengganti kalimat “ad-Dayyan” dengan “yaumid-din” dan ia tidak menggantikan tempatnya, dan tidak memberikan apa yang ada di dalamnya berupa makna-makna yang dituntut karena dirinya sendiri. Karena ad-Dayyan dalam bahasa memiliki makna-makna di antaranya qadhi (hakim), muhasib (yang menghitung) atau muhasab (yang dihitung), dan qahir (yang menguasai). Paling jauh yang diberikan oleh sifat Rabb dengan bahwa Dia adalah hakim yang membalas hamba-hamba-Nya dan memberi mereka balasan. Adapun yaumid-din: maka ia adalah nama bagi hari tertentu yang disifati dalam kitab Allah dengan sifat-sifat agung yang menakutkan, Allah menghisab padanya makhluk dan menghukum di antara mereka dan membalas mereka. Iman kepada hari ini adalah rukun dari arkan agama. Pengidhafahan malik dan malik kepadanya memberikan bahwa urusan seluruhnya pada hari itu milik-Nya saja maka tidak ada yang memiliki bagi yang lain padanya sesuatu pun dari manfaat atau tolak mudharat sebagaimana telah lalu penjelasannya dalam tafsir ayat. Maka menghadirkan makna-makna ini dalam jiwa memiliki pengaruh yang menguatkan keyakinan tauhid, mendorong kepada amal shalih, menakutkan dari keburukan yang melimpah. Tidak ada bagi nama ad-Dayyan sendiri. Cukuplah manusia dalam kepastian ini musyawarah fikihnya, dan merujuk wijdannya, meskipun ia tidak mengetahui dari funun balaghah sesuatu pun. Apakah bagi pendakwah fanatik ini fikih dan wijdan yang menuntunnya kepada apa yang ia tidak tahu dari balaghah Al-Qur’an?
(5, 6) Bahwa ia meringkas firman-Nya Ta’ala “إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ” dengan ucapannya sendiri: “لَكَ الْعِبَادَةُ وَبِكَ الْمُسْتَعَانُ”. Ini adalah yang paling aneh yang ia bawa dan menamainya ringkasan. Karena ia mengganti empat dengan empat, tetapi lebih panjang darinya dengan tambahan satu huruf, dan kurang darinya dalam makna. Maka di mana ringkasan itu? Ia hilang lafaz dan makna.
Apabila ia bermaksud dengan ucapannya “لَكَ الْعِبَادَةُ” bahwa ia seluruhnya bagi-Nya Ta’ala dalam realitas dan hakikat urusan, maka jumla itu tidak benar; karena orang-orang yang tidak menyembah-Nya saja dari manusia adalah yang lebih banyak. Di antaranya kaum Nasrani kaum pendakwah yang mencela agama tauhid dan kitab tauhid yang paling agung (Al-Qur’an) yang mengubah ayat tauhid yang baligh. Apabila ia bermaksud bahwa ibadah adalah mustahak bagi Allah Ta’ala saja maka makna benar, tetapi ia tidak menunjuk bahwa pembaca, atau pembuat jumla dari orang-orang yang menegakkan hak ini bagi-Nya Ta’ala. Adapun “إِيَّاكَ نَعْبُدُ” maka ia memberikan penyampaian ibadah pembaca bersama ibadah semua mukmin yang bertauhid atas-Nya Jalla Jalaluhu, dan mendekatkan mereka kepada-Nya dengan bahwa mereka menyembah-Nya dan tidak menyembah selain-Nya.
Aku merujukmu dalam perbedaan pengaruh ini dan itu atas wijdan yang aku ingatkan kepadamu dalam kritik sebelumnya, apalagi apa yang ada dalam penyampaian mukmin ibadahnya dan istianahnya atas Rabbnya dalam rangka ibadah dan istianah semua mukmin dari memperhatikan ukhuwah iman dan saling bertanggung jawab ahlinya, dan dari merendahkan diri individu, dan harapan diterima dalam rangka jamaah, dan lainnya dari apa yang diketahui dari tafsir ayat.
Semisal ini dikatakan dalam masalah istianah, dan mungkin ditambah atasnya dari segi makna dan dari segi lafaz, dan dari pilihan masdar mim yang merupakan shighat isim maf’ul (al-musta’an) atas masdar asli yaitu istianah yang sesuai dengan lafaz ibadah, dan dari segi keterkaitannya dengan apa yang setelahnya, karena permintaan kita akan hidayah adalah dari istianah yang kami sandarkan kepada diri kita.
(7) Penggantiannya “صِرَاطَ الْإِيمَانِ” dengan shirath al-mustaqim, dan ini lebih umum dan lebih mencakup; karena mencakup iman, islam, dan ihsan, dari akidah, ibadah, dan adab, disertai sifatnya dengan al-mustaqim yang tidak ada bengkok di dalamnya. Karena sebagian jalan yang menyampaikan kepada tujuan yang dinamai pelakunya muhtadi kepada tujuannya secara umum, mungkin padanya ada bengkok yang menghalangi pelaku ini, dan al-mustaqim adalah jarak terdekat antara dua ujung. Maka pelakunya sampai kepada tujuannya dalam waktu paling cepat. Demikian pula jalan-jalan maknawi, darinya yang menyampaikan kepada tujuan dan yang tidak menyampaikan, dan dari yang menyampaikan ada yang menyampaikan dengan cepat karena tidak adanya penghalang, dan ada yang menimpanya penghalang dan melewati rintangan dan menjaga dari tergelincir.
(8) Bahwa sifat shirath al-mustaqim dengan bahwa ia adalah shirath yang ditempuh oleh pilihan hamba-hamba Allah yang beruntung, dari para nabi, shiddiqin, syuhada, dan shalihin, adalah pengingat bagi pembacanya dengan para imam warits itu, yang wajib diteladani dan berusaha bergabung dalam barisan mereka, dan penegasan bahwa ia bukan shirath orang-orang yang dimurkai dari orang-orang yang membangkang terhadap kebenaran, dan bukan shirath orang-orang yang sesat yang menyimpang dari tujuan.
Di mana dari maqashid samiyah ini yang menuntun kepada tazkiyah jiwa dan persiapan untuk kebahagiaan dunia dan akhirat dengan cara yang paling sempurna, shighat shalat dalam millah pendek ini yang disewa, dan ia sebagaimana dalam Injil Matius (9-13): “Bapa kami yang di sorga, dikuduskanlah nama-Mu, datanglah kerajaan-Mu, jadilah kehendak-Mu di bumi seperti di sorga, berikanlah kami pada hari ini roti kami yang secukupnya, dan ampunilah kami akan kesalahan kami seperti kami juga mengampuni orang yang bersalah kepada kami, dan janganlah membawa kami ke dalam pencobaan, tetapi lepaskanlah kami dari yang jahat. Amin.” Dalam salinan Amerika ditambah: “Karena Engkaulah yang empunya kerajaan dan kuasa dan kemuliaan sampai selama-lamanya.” Mereka menjadikan tambahan ini di antara tanda bicara yang disisipkan seperti ini. Maka siapa yang menambahkan ini atas ucapan al-Masih?
Mungkin dikatakan kepada mereka oleh siapa yang tidak beriman bahwa shighat ini dinukil secara shahih dari al-Masih ‘alaihis-salam, atau siapa yang tidak beriman kepadanya sendiri: Bahwa ia adalah shalat yang tidak ada di dalamnya dari sanjungan kepada Allah Ta’ala apa yang ada dalam fatihah kaum muslimin dan tidak sebagiannya, dan permintaan pengudusan nama Bapa dan datangnya kerajaan-Nya adalah pengulangan yang sudah ada, maka ia adalah sia-sia yang tidak layak bagi orang berakal, dan penyebutannya dengan shighat amr dengan lam juga tidak layak – jika kita tidak katakan dalam kritiknya apa yang lebih keras daripada itu – dan lebih jauh daripada itu dari kesopanan dan adab dengan Rabb Tabaraka wa Ta’ala adalah permintaan agar kehendak-Nya di bumi seperti kehendak-Nya di langit. Dan bahwa ia dengan shighat amr dengan lam juga, maka kehendak-Nya Ta’ala berlaku pada seluruh ciptaan-Nya dari langit dan bumi-Nya dengan keharusan, maka tidak ada makna untuk memintanya, dan meminta persamaan antara langit dan bumi di dalamnya jika dimaksudkan dari setiap segi, maka ia adalah pengaturan yang tidak tersembunyi apa yang ditimbulkan darinya.
Adapun permintaan roti secukupnya setiap hari dengan shighat hashr maka ia memberikan bahwa seluruh perhatian dan permintaan mereka dari Rabb mereka meskipun untuk dunia mereka adalah roti yang mencukupi mereka. Maka di mana permintaan ini dari permintaan hidayah kepada shirath al-mustaqim yang menyampaikan kepada kebahagiaan dunia dan akhirat dengan cara yang paling sempurna, karena ia sendiri shirath pilihan manusia bukan keburukan mereka.
Adapun permintaan maghfirah – maka ia atas kelayakannya diminta dari-Nya Ta’ala – dikritik darinya penyerupaan dengan maghfirah peminta kepada yang berdosa yang berbuat buruk kepadanya dari dua segi:
Pertama: Bahwa maghfirah Allah kepada hamba-Nya lebih agung, lebih besar, dan lebih umum daripada maghfirah hamba kepada semisalnya.
Kedua: Bahwa yang mengampuni kepada semua yang berbuat dosa kepadanya adalah jarang, dan dari yang disaksikan bahwa kebanyakan manusia membalas atas keburukan dengan semisalnya, atau dengan lebih darinya. Maka bagaimana mereka dibebani untuk menghadap Rabb mereka dengan dusta atas-Nya, yang intinya adalah bahwa mereka meminta agar Dia tidak mengampuni mereka, karena mereka tidak mengampuni orang-orang yang berbuat dosa kepada mereka.
Mereka mungkin mengatakan: Ya kami berkomitmen kepada ini; karena agama kami mewajibkan atas kami mengampuni kepada semua yang berbuat dosa dan berbuat buruk kepada kami, dan kami meyakini bahwa Rabb kami tidak mengampuni kami jika kami tidak mengampuni mereka; karena yang mengajarkan kami shalat ini berkata setelahnya: “Karena jika kalian mengampuni kepada manusia kesalahan mereka, Bapa kalian yang di sorga juga akan mengampuni kalian. Dan jika kalian tidak mengampuni kepada manusia kesalahan mereka, Bapa kalian juga tidak akan mengampuni kesalahan kalian.” (Matius 6: 14).
Maka kami katakan: Ungkapan ini menunjukkan wajibnya maghfirah semua dosa kepada semua manusia secara umum atau khusus. Maka di mana di antara kalian wahai kaum Nasrani yang melakukan itu? Apakah ditemukan di antara seribu atau puluhan ribu dari kalian satu orang seperti itu? Bukankah kami melihat kebanyakan kalian dan siapa yang kalian anggap paling tinggi dan kalian banggakan seperti orang-orang Eropa tidak mengampuni kepada seseorang kesalahan sekecil apa pun, bahkan tidak cukup dengan menghukum siapa yang berbuat buruk kepada salah seorang dari mereka jika dari selain mereka dengan semisal dosanya, bahkan mereka melipatgandakan hukuman baginya berkali-kali, bahkan mereka membalas dari umatnya seluruhnya jika lemah tidak mampu menolak mereka dengan kekuatan.
Wajibnya membaca Al-Fatihah dalam shalat, dan basmalah darinya
Dalam wajibnya membaca Al-Fatihah dalam shalat ada hadits-hadits qauliyyah shahihah sharihah, dan berjalan di atasnya amal dari awal Islam hingga hari ini. Meskipun sebagian ahli khilaf dan jadal berselisih dalam menamakan wajib ini fardhu dan menganggapnya syarat. Yang paling shahih dan paling jelas di dalamnya adalah apa yang diriwayatkan oleh jamaah seluruhnya dari hadits ‘Ubadah bin ash-Shamit radhiyallahu ‘anhu bahwa Nabi shallallahu ‘alaihi wa sallam bersabda: “Tidak ada shalat bagi siapa yang tidak membaca fatihah al-kitab di dalamnya.” Dan dalam lafaz yang diriwayatkan oleh ad-Daruquthni dengan sanad shahih: “Tidak mencukupi shalat siapa yang tidak membaca fatihah al-kitab di dalamnya.” Ia adalah tafsir bagi lafaz jamaah, karena nafi shalat di dalamnya adalah nafi shihhah-nya.
Wajahnya: Bahwa hakikat yang tersusun dari beberapa rukun dzati tidak ada dengan hilangnya rukun darinya, seperti ucapanmu: “Tidak ada wudhu bagi siapa yang tidak membasuh kedua tangannya hingga siku.” Kaum muslimin telah berijma' atas amal dengan ini. Maka Nabi shallallahu ‘alaihi wa sallam tidak shalat, tidak khalifah-khalifahnya dan sahabat-sahabatnya, tidak tabi’in dan tidak selain mereka dari khalifah dan imam-imam ilmu shalat tanpa membaca Al-Fatihah di dalamnya. Hanya saja Hanafiyah membahas dalam menamakan membacanya fardhu dan menganggapnya rukun berdasarkan istilah-istilah mereka yang ditolak jumhur dengan dalil-dalil shahihah tidak ada tempat untuk meringkasnya di sini. Mereka menjawab syubhat-syubhat mereka yang naqli dengan jawaban yang tepat. Yang paling kuat adalah sabda beliau shallallahu ‘alaihi wa sallam kepada yang salah shalatnya: “Kemudian bacalah apa yang mudah bagimu dari Al-Qur’an.” Mereka berkata dalam jawaban atasnya: Bahwa telah tetap riwayat lain bahwa beliau berkata kepadanya: “Kemudian bacalah Ummul-Qur’an.” Maka ini menafsirkan “apa yang mudah dari Al-Qur’an”. Dan bahwa Al-Fatihah adalah yang mudah bagi semua kaum muslimin, karena mereka mengajarkannya kepada setiap yang masuk Islam. Sebagian mereka mengatakan: Yang dimaksud dengan apa yang mudah darinya di sini adalah apa yang lebih dari Al-Fatihah. Dan dalam al-Bukhari dari Abu Qatadah: “Bahwa Nabi shallallahu ‘alaihi wa sallam membaca Al-Fatihah dalam setiap rakaat.” Hadits-hadits yang menegaskan bahwa beliau membaca dalam rakaat pertama Ummul-Qur’an dan surah tertentu, dan dalam rakaat kedua setelah Ummul-Qur’an demikian dalam shalat demikian banyak.
Adapun kewajiban basmalah menjadi ayat dalam Al-Fatihah, maka hujjah terkuat yang menetapkannya adalah penulisannya dalam mushaf imam rasmi yang dibagikan khalifah ketiga ke negeri-negeri dengan pendapat sahabat dan umat berijma' atasnya, serta semua mushaf yang mutawatir hingga hari ini. Tulisan adalah hujjah atasnya, sebagaimana dikatakan oleh al-‘Adhud. Atasnya semua ahli ilmu dan peradaban pada zaman ini, tidak ada hujjah bagi mereka yang lebih kuat daripada hujjah tulisan rasmi. Kemudian ijma' qurra atas membacanya di awal Al-Fatihah. Meskipun sebagian mereka mengatakan bahwa ia adalah ayat tersendiri, maka ini pendapat, dan yang dijadikan pegangan adalah amal. Ia jika umum dan berlanjut adalah dari hujjah terkuat. Apalagi bahwa mutawatirnya dari salah seorang dari mereka menegakkan hujjah atas yang lainnya dan atas seluruh manusia. Karena itu adalah penetapan dengan tawatur yang tidak ditentang oleh nafi apa pun.
Telah datang hadits-hadits ahad dalam penetapan itu dan penafiannya yang ditimbulkan darinya perselisihan fuqaha yang menjadikan masalah ini masalah mazhab, setiap kelompok dari mereka menolong mazhab yang dinisbahkan kepada mereka “setiap kelompok bergembira dengan apa yang ada pada mereka”. Seandainya bukan karena itu niscaya mereka sepakat; karena bagi penetapan basmalah di awal Al-Fatihah dalam semua mushaf yang diijma' atasnya mutawatir ada hujjah qath’iyyah yang tidak ditentang oleh hadits-hadits ahad meskipun shahih sanadnya.
Yang paling jelas hadits-hadits yang mereka jadikan dalil atas bahwa basmalah bukan ayat dari Al-Fatihah adalah apa yang diriwayatkan oleh Ahmad, Muslim, Abu Dawud, at-Tirmidzi, dan an-Nasa’i dari Abu Hurairah, ia berkata: Rasulullah shallallahu ‘alaihi wa sallam bersabda: “Siapa yang shalat shalat yang tidak membaca di dalamnya fatihah al-kitab maka ia khidaj.” Beliau mengatakannya tiga kali – yaitu kalimat “فَهِيَ خِدَاجٌ” yaitu kurang tidak sempurna seperti unta yang melahirkan tidak sempurna – maka dikatakan kepada Abu Hurairah: “Sesungguhnya kami berada di belakang imam?” Maka ia berkata: “Bacalah dengannya dalam dirimu, karena aku mendengar Rasulullah shallallahu ‘alaihi wa sallam bersabda: Allah ‘Azza wa Jalla berfirman: Aku membagi shalat antara Aku dan hamba-Ku menjadi dua bagian dan bagi hamba-Ku apa yang ia minta. Apabila hamba mengatakan: ‘Alhamdulillahi Rabbil-‘alamin’ maka Allah berfirman: Hamba-Ku telah memuji-Ku. Apabila ia mengatakan: ‘Ar-Rahmanir-Rahim’ maka Allah berfirman: Hamba-Ku telah menyanjung-Ku. Apabila ia mengatakan: ‘Maliki yaumid-din’ maka Allah berfirman: Hamba-Ku telah mengagungkan-Ku. Dan dalam suatu kali: Hamba-Ku telah menyerahkan kepada-Ku. Apabila ia mengatakan: ‘Iyyaka na’budu wa iyyaka nasta’in’ maka Allah berfirman: Ini antara Aku dan hamba-Ku, dan bagi hamba-Ku apa yang ia minta. Apabila ia mengatakan: ‘Ihdinas-shiratal-mustaqim shirathal-ladzina an’amta ‘alaihim ghairil-maghdhubi ‘alaihim waladh-dhallin’ maka Allah berfirman: Ini bagi hamba-Ku dan bagi hamba-Ku apa yang ia minta.”
Orang-orang yang menafikan berkata: Hadits menunjukkan bahwa basmalah bukan dari Al-Fatihah; karena seandainya ia darinya niscaya disebutkan dalam hadits. Ini adalah istidlal salbi yang tidak menentang qath’i mutawatir yaitu penetapannya dalam mushaf dan ijma' qurra atas membacanya ketika memulai khatamah, dan tetapnya tawatur dengan itu. Apalagi bahwa tidak menyebutkannya dalam hadits mungkin karena sebab yang menghendaki itu. Di antara yang terlintas pada akal secara langsung: Bahwa sebagaimana mencukupkan dari pembagian shalat dengan Al-Fatihah tanpa sisa tilawah, adzkar, dan af’al mencukupkan dari Al-Fatihah dengan apa yang tidak disertai oleh selainnya dari surah-surah, karena basmalah adalah ayat dari setiap surah selain Bara’ah menurut tahqiq yang ditunjukkan oleh khath mushaf. Ada sebab lain untuk tidak menyebut basmalah dalam pembagian, yaitu bahwa padanya tidak ada kecuali sanjungan kepada Allah Ta’ala dengan sifat-Nya dengan rahmah, dan itu makna yang diulang dalam Al-Fatihah dan disebutkan dalam pembagian.
Yang dijadikan pegangan dalam tidak adanya pertentangan adalah bahwa dalalah hadits zhanniyyah salbiyyah, dan penetapan basmalah ijabiyyah qath’iyyah sebagaimana telah lalu. Apabila di antara ‘illah hadits ada yang mencegah dari penyifatan dengan shihhah: mukhalafah rawinya kepada selainnya dari tsiqat maka mukhalafah qath’i dari Al-Qur’an mutawatir lebih layak untuk menafikan sifat shihhah darinya. Apalagi bahwa hadits ini adalah yang ditentang oleh hadits-hadits yang menetapkan bahwa basmalah dari Al-Fatihah.
Mereka juga berdalil dengan hadits-hadits yang datang dalam tidak membaca Nabi shallallahu ‘alaihi wa sallam dan khalifah-khalifahnya untuknya dalam shalat. Yang paling jelas adalah ucapan Abdullah bin Mughaffal: “Aku shalat bersama Rasulullah shallallahu ‘alaihi wa sallam dan bersama Abu Bakr, Umar, dan Utsman. Maka aku tidak mendengar seorang pun dari mereka mengucapkannya” – yaitu basmalah. Diriwayatkan oleh Ahmad dan at-Tirmidzi dan dinilai hasan oleh an-Nasa’i dan Ibnu Majah dari Ibnu Abdullah bin Mughaffal dan ia majhul, karena ia memiliki tujuh anak dan ini ‘illah yang mencegah shihhah hadits. Mereka berkata: Dan telah menyendiri dengan itu al-Hariri. Dikatakan: Bahwa ia telah ikhtilath di akhir umurnya. Mungkin ditafsirkan dengan apa yang engkau lihat dalam apa yang mereka katakan dalam hadits yang setelahnya.
Dalam maknanya hadits Anas dalam salah satu riwayat, ia berkata: “Aku shalat bersama Nabi shallallahu ‘alaihi wa sallam dan di belakang Abu Bakr, Umar, dan Utsman maka aku tidak mendengar seorang pun dari mereka membaca بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ.” Diriwayatkan oleh Ahmad dan Muslim. Dikatakan dalam al-Muntaqa: Dan dalam lafaz: “Aku shalat di belakang Nabi shallallahu ‘alaihi wa sallam dan di belakang Abu Bakr, Umar, dan Utsman maka mereka tidak menampakkan basmalah.” Diriwayatkan oleh Ahmad dan an-Nasa’i dengan sanad atas syarat shahih. Dan bagi Ahmad dan Muslim: “Aku shalat di belakang Nabi shallallahu ‘alaihi wa sallam dan di belakang Abu Bakr, Umar, dan Utsman, dan mereka memulai bacaan dengan alhamdulillahi Rabbil-‘alamin mereka tidak menyebut basmalah di awal bacaan dan tidak di akhirnya.” Dan bagi Abdullah bin Ahmad dalam Musnad ayahnya dari Syu’bah dari Qatadah dari Anas, ia berkata: “Aku shalat di belakang Rasulullah shallallahu ‘alaihi wa sallam dan di belakang Abu Bakr, Umar, dan Utsman maka mereka memulai bacaan dengan alhamdulillahi Rabbil-‘alamin tidak menyebut basmalah.” Syu’bah berkata: Aku katakan kepada Qatadah: Engkau mendengar dari Anas? Ia berkata: Ya kami bertanya kepadanya tentang itu. Dan bagi an-Nasa’i dari Manshur bin Zazan dari Anas, ia berkata: “Rasulullah shallallahu ‘alaihi wa sallam shalat bersama kami maka beliau tidak memperdengarkan kepada kami bacaan basmalah, dan Abu Bakr, Umar, dan Utsman shalat bersama kami maka kami tidak mendengarnya dari mereka.” Demikianlah.
Asy-Syaukani berkata dalam penjelasan hadits: Hadits menunjukkan atas kesyariatan ta’min. Al-Hafizh berkata: Dan perintah ini menurut jumhur adalah untuk sunnah. Ibnu Bazizah mengutip dari sebagian ahli ilmu wajibnya, beramal dengan zahir amr. Zhahiriyyah mewajibkannya atas setiap yang shalat. Yang zhahir dari hadits adalah wajibnya atas ma’mum saja, tidak mutlaq melainkan dibatasi dengan bahwa imam mengucapkan amin. Adapun imam dan munfarid maka sunnah saja.
Beliau berkata: Al-Mahdi dalam al-Bahr mengutip dari ‘itrah semuanya bahwa ta’min adalah bid’ah – padahal engkau telah mengetahui tetapnya dari Ali radhiyallahu ‘anhu dari perbuatannya dan riwayatnya dari Nabi shallallahu ‘alaihi wa sallam dalam kitab-kitab ahli bait dan selain mereka – atas bahwa al-‘Allamah al-Imam Muhammad bin Ibrahim al-Wazir mengutip dari Imam al-Mahdi Muhammad bin al-Muthahhar dan ia salah seorang imam mereka yang masyhur bahwa ia berkata dalam kitabnya ar-Riyadh an-Nadiyyah: Bahwa para perawi ta’min adalah jamaah yang banyak. Beliau berkata: Ia adalah mazhab Zaid bin Ali dan Ahmad bin ‘Isa. Demikianlah.
Pemilik al-Bahr berdalil atas bahwa ta’min adalah bid’ah dengan hadits Mu’awiyah bin al-Hakam as-Sulami “Sesungguhnya shalat kami ini tidak layak padanya sesuatu dari ucapan manusia.” Tidak diragukan bahwa hadits-hadits ta’min khusus dan ini umum. Meskipun hadits-haditsnya yang datang dari jamaah dari sahabat tidak kuat sebagiannya atas pengkhususan hadits satu dari sahabat – meskipun ia termasuk di bawah umum-umum itu yang memutuskan kesyariatan mutlak doa dalam shalat; karena ta’min adalah doa, maka tidak ada dalam shalat tasyahhud, padahal telah ditetapkan oleh ‘itrah, maka apa jawaban mereka dalam penetapannya maka itu adalah jawaban dalam penetapan itu. Apalagi bahwa yang dimaksud dengan ucapan manusia dalam hadits adalah pembicaraan mereka; karena ia adalah isim mashdar dari kallama bukan takallama. Menunjukkan atas itu sebab yang disebutkan dalam hadits.
Yang dimaksud dengan ucapan sebab yang disebutkan dalam hadits adalah bahwa Mu’awiyah bin al-Hakam as-Sulami mengucapkan tahmid kepada orang yang bersin dalam shalat bersama Nabi shallallahu ‘alaihi wa sallam maka kaum melemparnya dengan pandangan mereka maka ia berkata: Wahai ibuku kehilangan anak, apa yang kalian lihat kepadaku? dst. Jumla ucapan: Bahwa ta’min dalam shalat disyariatkan dengan nash hadits-hadits shahihah sharihah, maka tidak ada jalan untuk melarangnya dengan umum hadits-hadits lain yang tidak menentangnya, dan seandainya menentangnya maka wajib merajihkan hadits-hadits itu atasnya.
Berselisih tentang tempatnya bagi ma’mum, apakah setelah ucapan imam “وَلَا الضَّالِّينَ” atau ketika ucapannya “آمِينَ”? Ia dibangun atas bahwa antara kedua hadits dalam itu ada ta’arudh, dan itu adalah kelalaian dari bahwa imam hanya mengucapkan amin setelah ucapannya “وَلَا الضَّالِّينَ” sebagaimana ditegaskan dalam riwayat Ahmad dan an-Nasa’i untuk hadits Abu Hurairah. Maka makna kedua hadits itu sama, dan sabda beliau shallallahu ‘alaihi wa sallam “إِذَا أَمَّنَ الْإِمَامُ فَأَمِّنُوا” dibangun atas bahwa termasuk sunnah imam mengucapkan amin setelah menyempurnakan Al-Fatihah mengikuti sunnah. Maka tidak ada mafhum untuk syarat di dalamnya.
Faidah dalam makhraj dhad dan zhah serta hukum tahrif yang pertama
Al-Hafizh Ibnu Katsir berkata dalam tafsirnya: Yang shahih dari mazhab ulama adalah bahwa dimaafkan kekurangan dalam mentahqiq apa yang antara dhad dan zhah karena dekatnya makhraj keduanya. Itu karena makhraj dhad dari awal pinggir lidah dan apa yang berdekatan dengannya dari gigi geraham, dan makhraj zhah dari ujung lidah dan ujung gigi seri atas. Karena masing-masing dari dua huruf itu termasuk huruf-huruf yang majhur dan termasuk huruf-huruf rikhwah dan termasuk huruf-huruf muthbaqah. Oleh karena itu dimaafkan penggunaan salah satunya pada tempat yang lain bagi siapa yang tidak dapat membedakan itu. Allah lebih mengetahui. Adapun hadits “Aku adalah orang yang paling fasih yang mengucapkan dhad” maka tidak ada asalnya. Demikianlah.
Aku berkata: Kebanyakan penduduk negeri-negeri Arab telah berusaha melarikan diri dari menjadikan dhad menjadi zhah, sebagaimana dilakukan oleh orang Turki dan selain mereka dari non-Arab, maka menjadikannya lebih dekat kepada tha daripada kepada dhad hingga qurra yang mujawwid dari mereka, kecuali penduduk Irak dan penduduk Tunisia. Maka mereka menurut pengetahuan kami adalah yang paling fasih penduduk negeri-negeri dalam mengucapkan dhad. Kami menemukan orang-orang Arab Syam dan sekitarnya mengucapkan dhad maka pendengar menganggapnya zhah karena sangat dekatnya dengan zhah dan keserupaannya dengannya. Inilah yang terjaga dari fushaha orang Arab yang pertama hingga tertukar penukil bahasa Arab dari mereka dalam mufradat banyak. Mereka mengatakan bahwa ia didengar dengan dua huruf dan sebagian mereka mengumpulkannya dalam mushannaf tersendiri. Yang lebih mirip adalah bahwa tertukar atas mereka pengucapan dari mereka maka mereka tidak membedakan, padahal perbedaan tampak tetapi tidak jauh.
Telah dibaca firman-Nya Ta’ala dalam Surah at-Takwir: “وَمَا هُوَ عَلَى الْغَيْبِ بِضَنِينٍ” dengan keduanya dari dhad dan zhah. Adh-dhanin adalah bakhil, dan azh-zhanin adalah tertuduh. Faidah keduanya adalah nafi dari bakhil dan tuduhan. Maknanya: Ia bukan bakhil dalam menyampaikan sehingga menyembunyikan, dan bukan tertuduh sehingga berdusta. Dikatakan dalam al-Kasysyaf: Ia dalam mushaf Abdullah dengan zhah, dan dalam mushaf Ubay dengan dhad. Rasulullah shallallahu ‘alaihi wa sallam membaca dengan keduanya. Maka mentahqiq pemisahan antara dhad dan zhah wajib, dan mengetahui makhraj keduanya termasuk apa yang tidak boleh tidak bagi qari’. Karena kebanyakan orang ‘ajam tidak membedakan antara dua huruf itu, dan jika membedakan maka pembedaan bukan yang benar padahal antara keduanya ada jarak jauh. Maka makhraj dhad dari asal pinggir lidah dan apa yang berdekatan dengannya dari gigi geraham dari kanan lidah dan kirinya. Umar bin al-Khaththab radhiyallahu ‘anhu adalah yang paling tepat: ia bekerja dengan kedua tangannya. Ia mengeluarkan dhad dari kedua sisi lidahnya. Ia adalah salah satu huruf syajariyyah saudara jim dan syin. Adapun zhah maka makhrajnya dari ujung lidah dan asal gigi seri atas. Ia adalah salah satu huruf dzawlaqiyyah saudara dzal dan tsa’. Seandainya dua huruf itu sama niscaya tidak tetap dalam kalimat ini dua qira’ah, dan perselisihan antara dua gunung dari gunung-gunung ilmu dan qira’ah. Tidaklah berbeda makna dan asal kata serta susunan. Demikianlah.
Aku berkata: Abu al-Qasim az-Zamakhsyari benar dalam tahqiqnya ini semuanya kecuali ucapannya bahwa jarak antara dua huruf itu jauh, maka perbedaan tetap tetapi dekat. Ia terjadi dengan mengeluarkan ujung lidah dengan zhah di antara gigi seri seperti saudara-saudaranya tsa’ dan dzal, dan tidak ada kemitraan antara ia dan antara keduanya kecuali dalam ini.
Perluasan dalam istinbath dari makna Al-Fatihah dan lainnya dalam shalat
Apabila engkau berdiri wahai muslim kepada shalat maka arahkan seluruh hatimu di dalamnya kepada menghadirkan segala yang digerakkan oleh lidahmu dari dzikr dan tilawah.
Maka apabila engkau mengatakan “اللهُ أَكْبَرُ” maka cukuplah bagimu mengingat dalam hatimu bahwa Allah Ta’ala lebih agung dari setiap yang agung, dan lebih besar dari segala sesuatu, maka tidak sah bahwa menyibukkanmu dari shalat untuk-Nya atau di dalamnya sesuatu selain-Nya, dan segala sesuatu selain-Nya.
Apabila engkau membaca apa yang datang dalam dzikr iftitah maka jangan sibukkan dirimu selain maknanya dan ia tampak jelas. Apabila engkau berlindung kepada Allah Ta’ala sebelum membaca beramal dengan umum firman-Nya Ta’ala: “Maka apabila engkau membaca Al-Qur’an maka berlindunglah kepada Allah dari setan yang terkutuk.” (QS. an-Nahl: 98) maka bayangkan dari makna shighat isti’adzah bahwa engkau berlindung kepada Allah Ta’ala dan berpegang kepada-Nya dari was-wasah setan yang menyibukkan dari shalat dan apa yang wajib di dalamnya berupa tadabbur kitab-Nya dan khusyu’ serta ikhlas untuk-Nya Ta’ala.
Apabila engkau membaca basmalah maka hadirkan dari maknanya: Bahwa aku shalat بِسْمِ اللهِ dan untuk Allah yang mensyariatkan shalat dan memberiku kemampuan atasnya الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ yang memiliki rahmah umum yang meliputi segala sesuatu dan khusus dengan siapa yang Dia kehendaki dari hamba-hamba-Nya yang ikhlas.
Apabila engkau mengatakan الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ maka hadirkan dari maknanya bahwa setiap sanjungan yang indah dengan hak adalah bagi Allah Ta’ala secara istihqak dan fi’l, dari segi bahwa Dia adalah Rabb pencipta ‘alamin dan pengatur segala urusan mereka الرَّحْمَنِ dalam zat-Nya الرَّحِيمِ kepada makhluk-Nya مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ yang memiliki kerajaan dan wewenang tanpa selain-Nya pada hari penghitungan makhluk dan pembalasan mereka atas amal-amal mereka maka tidak diharapkan selain-Nya. Apabila engkau mengatakan إِيَّاكَ نَعْبُدُ dst. maka ingatlah bahwa engkau menghadap Tuhan yang agung ini secara langsung dengan apa yang wajib engkau jujur di dalamnya. Maknanya kami menyembah-Mu saja tanpa selain-Mu dengan doa dan penghadapan kepada-Mu وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ kami meminta pertolongan-Mu saja atas ibadah kepada-Mu dan atas segala urusan kami, dengan ilmu dengan apa yang Engkau berikan kepada kami dari sebab-sebab, dan dengan bertawakkal kepada-Mu saja ketika tidak mampu atasnya اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ tunjuki kami dan sampaikan kami dengan taufik dan pertolongan-Mu kepada jalan kebenaran dalam ilmu dan amal yang tidak ada bengkok di dalamnya dan tidak ada tergelincir صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ dengan iman yang benar dan amal shalih dan buah keduanya yaitu kebahagiaan dua negeri, dan ingatlah secara ijmal orang-orang yang diberi nikmat itu “dari para nabi, shiddiqin, syuhada, dan shalihin” dan bahwa bagianmu dari hidayah ini kepada shirath mereka hanyalah dengan meneladani dan mengikuti mereka di dunia, dan bersama mereka di akhirat, dan sebaik-baik teman adalah mereka صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ karunia dan ihsan dari-Mu غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ dengan mengutamakan batil atas kebenaran dan lebih menyukai keburukan atas kebaikan وَلَا الضَّالِّينَ dari jalan kebenaran dan kebaikan karena kebodohan mereka (yang sesat usahanya dalam kehidupan dunia dan mereka mengira bahwa mereka berbuat baik).
Aku menasihatimu wahai pembaca Al-Qur’an dalam shalat dan di luar shalat, agar engkau membacanya dengan tenang dan perlahan, dengan khusyu’ dan tadabbur, dan engkau berhenti pada kepala-kepala ayat, dan memberikan bacaan haknya dari tajwid dan nada-nada, disertai menjauhi takalluf dan tarthib, serta menjaga dari menyibukkan diri dengan lafaz dari makna-makna, karena membaca satu ayat dengan tadabbur dan khusyu’ lebih baik bagimu daripada membaca khatmah dengan kelalaian. Dari yang telah dicoba: Bahwa menutup mata dalam shalat membangkitkan khawathir, oleh karena itu makruh. Bahwa mengangkat suara dengan sedang dalam shalat jahriyah terutama shalat malam mengusir kelalaian, dan membangunkan tidur kekhawatiran. Memberikan setiap uslub haknya dari pelaksanaan dan suara membantu pemahaman, dan mengalirkan apa yang hilang karena lama kelalaian dari pancaran air mata.
(Rujuk pembahasan pengaruh tilawah di awal tafsir Surah al-A’raf dalam pembahasan huruf-huruf mufradah)
Semoga Allah memberikan taufiq.
